مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 299نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 299

 

********

 

راقبَ كلَّ تعبيرٍ وحركةٍ تصدرُ عنِ المرأةِ بعنايةٍ، وقد شدَّ أعصابَهُ في جسدِهِ كلِّهِ. وتابعتِ المرأةُ حديثَها بصورةٍ طبيعيةٍ:

 

“سيستغرقُ إعدادُ الدواءِ بضعةَ أيامٍ. وبمجرّدِ أن أتمكّنَ من الحصولِ على المكوّناتِ الجديدةِ، سأبدأُ بصنعِهِ، لذا سيستغرقُ الأمرُ نحوَ أسبوعٍ…….”

 

“أشكركِ على لطفِكِ، لكنّني سأرفضُ.”

 

لوّحتْ تاليا بيدِها بحزمٍ فجأةً.

 

“لستُ في حالةٍ من اليأسِ تجعلُني بحاجةٍ إلى استخدامِ دواءٍ كهذا.”

 

عندَها فقطَ أطلقَ كانُ زفيرًا كانَ يحبسُهُ. لكنَّ الشعورَ بأنَّ دمَهُ في جسدِهِ كلِّهِ قد أصبحَ باردًا لم يختفِ بعدُ. أخذَ نفسًا عميقًا، وظلَّ يراقبُ ردَّ فعلِ تيورانَ بحذرٍ.

 

كانتِ المرأةُ تنظرُ إلى تاليا بابتسامةٍ خفيفةٍ عندَ طرفِ فمِها، وبنظرةٍ تشبهُ نظرةَ من يداعبُ شقيقًا أصغرَ منهُ.

 

 ولو كانتْ تلكَ الملامحُ الهادئةُ مجرّدَ تمثيلٍ، فلا بدَّ أنّها ممثّلةٌ موهوبةٌ بالفطرةِ.

 

أضافتْ المرأةُ بلطفٍ:

 

“حسنًا. لكنْ إذا غيّرتِ رأيَكِ يومًا، فأخبريني في أيِّ وقتٍ.”

 

ثم أبعدتْ بحنانٍ خصلاتِ الشعرِ المبعثرةِ بجانبِ وجهِ تاليا، وأعادتها خلفَ أذنِها. وعندما رأى كانُ تاليا تتقبّلُ تلكَ اللمسةَ بسعادةٍ، اشتعلَ في داخلهِ غضبٌ لا يُحتملُ، مصحوبًا بألمٍ حادٍّ كأنّهُ قد تعرّضَ لجرحٍ بسيفٍ.

 

لم يتمكّنْ من كبحِ رغبةِ القتلِ التي تصاعدتْ في داخلهِ، فاصطدمَ بجسدِ تيورانَ بعنفٍ ودفعَها بعيدًا. أطلقتِ المرأةُ صرخةً صغيرةً وسقطتْ إلى الخلفِ.

 

وتقدّمَ نحوَها، كاشفًا عن أنيابِهِ بنظرةٍ شرسةٍ، لكنَّ تاليا، التي تجمّدتْ من شدةِ الصدمةِ، اندفعتْ نحوهُ وأحاطتْ مؤخرةَ عنقِهِ بذراعيها.

 

“كان!”

 

توقّفَ عن الحركةِ بشكلٍ انعكاسيٍّ. لكنَّ عينيهِ ظلّتا مثبتتينِ على وجهِ تيورانَ.

 

وكأنّها قرأتْ العداءَ المتّقدَ في عينيهِ، تراجعتْ المرأةُ إلى الخلفِ بخطواتٍ متردّدةٍ، وقد غطّى الخوفُ وجهَها.

 

شدّتْ تاليا أذنَهُ بقوّةٍ ورفعتْ صوتَها:

 

“لا تفعلْ ذلكَ يا كان! ما الذي أصابَكِ فجأةً؟”

 

لم يتحرّكْ قيدَ أنملةٍ رغمَ خشونةِ يدِها. وعندما رأتْ تاليا كيفَ كانَ يخفضُ جسدَهُ ويزمجرُ بصورةٍ مخيفةٍ، صاحتْ نحوَ تيورانَ:

 

“لا تقفي مكتوفةَ اليدينِ، أسرعي وأحرقي عشبةَ النومِ! استخدمي الأقوى!”

 

نهضتِ المرأةُ المتراجعةُ على عجلٍ، وألقتْ حزمةً من الأعشابِ المجفّفةِ في المدفأةِ.

 

وفي اللحظةِ نفسِها تقريبًا، فُتحَ بابُ الغرفةِ بعنفٍ، واندفعَ حارسانِ كانا يقفانِ عندَ البابِ نحوهُ وأمسكا بهِ محاولينَ تقييدَهُ.

 

لَوى جسدَهُ غريزيًّا، ثم توقّفَ عن المقاومةِ عندما سمعَ صوتَ تاليا اليائسَ، المختلطَ بنشيجِها:

 

“أرجوكَ، أرجوكَ لا تفعلْ ذلكَ يا كان…….”

 

استغلَّ أحدُ الحارسينِ لحظةَ توقّفِهِ، ولفَّ سلسلةً حولَ ساقِهِ الخلفيةِ. وفي تلكَ الأثناءِ، طرحَ جنديانِ جسدَهُ أرضًا على جانبِهِ وأمسكا بهِ، ثم وضعا سيفًا عندَ مؤخرةِ عنقِهِ.

 

عندما رأتْ تاليا ذلكَ المشهدَ، أطلقتْ صرخةً حادّةً تكادُ تمزّقُ الحناجرَ:

 

“لا تفعلوا ذلكَ! إذا آذيتمْ كانَ، فلن أقفَ مكتوفةَ اليدينِ!”

 

ارتجفَ الحارسُ عندَ سماعِ صرختِها وتجمّدَ في مكانِهِ.

 

حدّقتْ تاليا في كانَ بعينينِ غارقتينِ بالدموعِ، ثم احتضنتْ رأسَهُ وصاحتْ نحوَ تيورانَ:

 

“أحضري المهدّئَ بسرعةٍ! أريدُ أقوى نوعٍ!”

 

كانتْ تيورانُ قد تصلّبَ جسدُها من شدةِ الصدمةِ، لكنّها استدارتْ فورًا، والتقطتْ زجاجةَ دواءٍ من فوقَ الرفِّ واندفعتْ نحوهما.

 

تناولتْ تاليا الزجاجةَ منها بسرعةٍ، وسكبتِ الدواءَ في فمِهِ.

 

رفعَ كانُ عينيهِ العاجزتينِ نحوَ وجهِ تاليا اللتان بدتا على وشكِ البكاءِ، ثم نقلَ نظراتِهِ إلى تيورانَ.

 

كانتِ المرأةُ قد تراجعتْ خطوةً إلى الخلفِ، وتنظرُ إليهِ من أعلى بنظرةٍ متفحّصةٍ.

 

وبينما كانَ يحدّقُ فيها بشراسةٍ، وقد امتزجتْ نظرتُهُ بالحذرِ والشكِّ، شعرَ بقوّتِهِ تتسرّبُ من جسدِهِ.

 

عندَها نهضتْ تاليا فجأةً وركضتْ نحوَ المرأةِ، ثم سألتْها بصوتٍ ملؤُهُ القلقُ:

 

“هل أنتِ بخيرٍ؟ هل أُصبتِ في أيِّ مكانٍ؟”

 

“أنا…… بخيرٍ.”

 

أحاطتِ المرأةُ كتفَي تاليا بذراعيها، وأجابتْ بصوتٍ مرتجفٍ.

 

تفحّصتْ تاليا وجهَها الشاحبَ بقلقٍ، ثم ألقتْ نظرةً سريعةً إلى الخلفِ.

 

كانَ كانُ قد أدركَ للمرةِ الأولى خوفًا عميقًا في نظرتِها إليهِ.

 

أغمضَ عينيهِ بقوّةٍ.

 

وانهمرتْ دموعُهُ، بعدما تحوّلَ الغضبُ والحزنُ المتراكمانِ في صدرِهِ إلى دموعٍ.

 

لم يكنْ ينبغي للعالمِ أن يكونَ بهذهِ القسوةِ عليها.

 

لم يكنْ من الممكنِ أن يكونَ الأمرُ كذلكَ.

 

 

*********

 

بعدَ أن تأكّدَ الجنودُ من أنّ كانَ قد فقدَ وعيَهُ تمامًا، نهضوا بحذرٍ، ولفّوا السلاسلَ الحديديةَ حولَ جسدِ الذئبِ.

 

راقبتْ تاليا المشهدَ بوجهٍ متصلّبٍ، لكنّها عندما حاولَ الجنودُ جرَّ كانَ إلى الخارجِ، أسرعتْ ووقفتْ في طريقِ البابِ.

 

“إلى أينَ تأخذونَ كانَ؟”

 

“سنضعُهُ مؤقتًا في القفصِ الموجودِ تحتَ الأرضِ.”

 

“لا!”

 

صرختْ تاليا بصوتٍ حادٍّ، وأمسكتْ بذراعِ الجنديِّ الذي كانَ يحملُ السلسلةَ على عجلٍ.

 

وبدا أنّ الرجلَ فوجئَ بالاتصالِ المفاجئِ، فتصلّبَ جسدُهُ للحظةٍ وهوَ ينظرُ إليها.

 

قالتْ تاليا برجاءٍ:

 

“لا حاجةَ إلى الذهابِ إلى هذا الحدِّ. كانَ كانَ متحمّسًا للحظةٍ فحسبُ. لم يكنْ ينوي إيذاءَ أحدٍ!”

 

“المشهدُ الذي رأيناهُ للتوِّ لم يكنْ يبدو كذلكَ إطلاقًا.”

 

قالَ الرجلُ بصرامةٍ.

 

“وبالنظرِ إلى أنّ سموَّكِ سارعتِ إلى إعطائِهِ الدواءَ، ألا يعني ذلكَ أنّكِ أيضًا اعتقدتِ أنّ هذا الوحشَ خطيرٌ؟”

 

لم تجدْ تاليا ردًّا مناسبًا على الفورِ، واكتفتْ بتحريكِ شفتيها دونَ أن تنطقَ.

 

عندَها تحدّثتْ تيورانُ بهدوءٍ:

 

“يبدو أنّكم أسأتمِ الفهمَ لأنّني أطلقتُ صرخةً دونَ قصدٍ.”

 

“أسأنا الفهمَ؟”

 

“نعم. كانَ كانَ يخرّبُ الفراشَ والسجادَ باستمرارٍ في الآونةِ الأخيرةِ، لذلكَ كنتُ أريدُ تقليمَ مخالِبِهِ قليلًا. لكنّهُ بدأَ يتلوّى بعنفٍ شديدٍ، فسقطتُ بعدما دفعني قليلًا، لا أكثرَ. وأعطيتُهُ الدواءَ لأنّهُ بدا شديدَ الاستثارةِ.”

 

أطلقَ الحارسانِ ضحكةً ساخرةً، وكأنّهما لم يصدّقا ما سمعاهُ.

 

“إذنْ تقولينَ إنَّ كلَّ هذهِ الفوضى حدثتْ لمجرّدِ محاولةِ تقليمِ مخالِبِهِ؟”

 

“نعم، وأعتذرُ لأنّني تسبّبتُ في إخافتِكم.”

 

انحنتْ تيورانُ بأدبٍ.

 

ظلَّ الرجلُ ينظرُ إليها بعينينِ مشكّكتينِ، ثم ألقى نظرةً سريعةً على كانَ وسألَ:

 

“هل أنتِ متأكّدةٌ من أنّهُ بخيرٍ فعلًا؟ ماذا ستفعلينَ إذا استيقظَ هذا الوحشُ وبدأَ بالهياجِ من جديدٍ؟”

 

“لن يحدثَ ذلكَ.”

 

تدخّلتْ تاليا على عجلٍ.

 

“لقد ازدادَ اضطرابُهُ لأنّكم اندفعتمْ نحوهُ فجأةً وأمسكتمْ بهِ. لولا ذلكَ، لما هاجَ بهذهِ الطريقةِ إطلاقًا.”

 

حرّكَ الرجلُ عضلاتِ فكِّهِ، وكأنّهُ كانَ على وشكِ الاعتراضِ، لكنّهُ تنفّسَ في النهايةِ بعمقٍ وأومأَ برأسِهِ.

 

“حسنًا. سنتركُهُ هكذا في الوقتِ الراهنِ، وعندما يستيقظُ هذا الذئبُ سنتحقّقُ من حالتِهِ، ثم نفكُّ السلاسلَ عنهُ.”

 

وبعدَ قليلٍ، خرجَ الجنودُ من الغرفةِ.

 

أطلقتْ تاليا زفيرًا طويلًا من الارتياحِ، ثم انهارتْ جالسةً على الأرضِ.

 

اقتربتْ منها تيورانُ وانحنتْ، ثم وضعتْ يدَها على كتفِها وسألتْها بقلقٍ:

 

“هل أنتِ بخيرٍ؟”

 

“أنا بخيرٍ. لقد زالَ التوتّرُ فحسبُ.”

 

أخذتْ تاليا نفسًا عميقًا، ثم حوّلتْ نظراتِها إلى كانَ الممدّدِ بلا حراكٍ فوقَ السجادةِ.

 

كانَ كانُ ملتفًّا بالسلاسلِ الحديديةِ بإحكامٍ، ولا يتحرّكُ قيدَ أنملةٍ وكأنّهُ ميتٌ.

 

وفجأةً شعرتْ تاليا بالخوفِ، فاقتربتْ منهُ وتحسّستْ صدرَ الذئبِ.

 

ولحسنِ الحظِّ، شعرتْ بنبضاتِ قلبِهِ القويةِ.

 

غمرَها ارتياحٌ شديدٌ، فاحتضنتْ الذئبَ بقوّةٍ، ثم التفتتْ إلى تيورانَ وسألتْها:

 

“لماذا أظهرَ كانَ ردَّ فعلٍ كهذا فجأةً؟ لم يسبقْ لهُ قطُّ أن كشفَ أنيابَهُ لكِ بهذهِ الطريقةِ.”

 

“……ربّما كانَ بينَ الأعشابِ التي تعاملتُ معها اليومَ أثناءَ النهارِ شيءٌ قادرٌ على إثارةِ ذئبِ الداي.”

 

قالتْ تيورانُ بنبرةٍ غيرِ واثقةٍ.

 

“لقد كنتُ أُحضّرُ بعضَ الكواشفِ من أدويةٍ جلبتُها اليومَ من الجنوبِ كالمعتادِ.”

 

“لكنّكِ كنتِ في هذهِ الغرفةِ منذُ عدّةِ ساعاتٍ. كانَ هادئًا حتى ذلكَ الحينِ، فلماذا هدّدَكِ فجأةً؟”

 

“……لا أعرفُ السببَ على وجهِ الدقّةِ أنا أيضًا.”

 

تمتمتْ تيورانُ بوجهٍ قاتمٍ.

 

عندَها أدركتْ تاليا أنّ تيورانَ لا بدَّ أنّها كانتْ أكثرَ ذعرًا منها، فأمسكتْ بيدِها وقالتْ:

 

“شكرًا لكِ لأنّكِ حميتِ كانَ رغمَ أنّكِ كدتِ تتعرّضينَ للأذى بسببهِ.”

 

“لا داعيَ للشكرِ.”

 

ابتسمتْ تيورانُ بلطفٍ.

 

“أنا أيضًا أحبُّ كانَ بقدرِ ما تحبّينهُ يا سموَّكِ. لا أظنُّ أنّ هذا الصغيرَ حاولَ إيذائي دونَ سببٍ.”

 

اغرورقتْ عينا تاليا بالدموعِ من شدّةِ امتنانِها.

 

ربّتتْ تيورانُ على كتفِها وأضافتْ:

 

“ومعَ ذلكَ، بما أنّنا لا نعرفُ سببَ ردِّ فعلِ كانَ بهذهِ الطريقةِ، أظنُّ أنّ منَ الأفضلِ لي أن أنصرفَ الآنَ.”

 

 

*******

 

୨୧ ───────────── ୨୧

𓂃 ࣪˖ ִֶָ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِه

𓂃 ࣪˖ ִֶָ سُبْحانَ اللهِ العَظيم

୨୧ المُترجمة مروة ♡ ୨୧

⌇ Instagram: maxi_mine06

୨୧ ───────────── ୨୧

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.