الفصل 298
******
أصغى كان بانتباهٍ إلى إجابتِها المبهَمةِ.
فمتى تنوينَ الحديثِ إذنْ؟
وبسببِ شعورِه بالعجزِ عن فعلِ شيءٍ، اقتربَ من جانبِها ودفعَ كتفَها برأسِهِ برفقٍ عدّةَ مراتٍ، لكنَّ تاليا لم تفهمْ من ذلكَ سوى أنّه يحاولُ التودّدَ إليها، فاكتفتْ بمداعبةِ رأسِهِ بلا مبالاةٍ.
حدّقَ في تيورانَ بإصرارٍ، وكأنّه يطلبُ منها أن تقنعَها. ولعلَّها أدركتْ رجاءَه الصامتَ، إذ جلستْ تيورانُ على ركبتيها أمامَ تاليا وسألتْها بحذرٍ:
“هل تخشينَ ألّا يصدّقَ الدوقُ الأعظمُ كلامَكِ؟”
“……ليسَ الأمرُ بسببِ ذلكَ وحدَه.”
قالتْ تاليا ذلكَ وهي تحمرُّ خجلًا، وكأنَّ تيورانَ أصابتْ موضعَ الألمِ تمامًا، ثم وضعتْ فنجانَ الشايِ على الرفِّ.
“إذا أردتُ أن أؤكّدَ أنّ ماريسينَ كانتْ تتلقّى أوامرَها من وليِّ العهدِ، فسيتعيّنُ عليَّ في النهايةِ أن أفسّرَ أيضًا سببَ قتلِ كانَ لتلكَ المرأةِ.”
أمالَ كانُ أذنيهِ إلى الخلفِ فجأةً. وربّتتْ تاليا على رأسِهِ مواسيةً وهي تتابعُ:
“باركاسُ ما زالَ حذرًا من كانَ. وإذا اكتشفَ أنّ كانَ آذى شخصًا، فسيسعى إلى إبعادهِ عنّي، مهما كانَ السببُ.”
“لكنَّ كانَ كانَ لديهِ سببٌ يدفعُه إلى فعلِ ذلكَ. إذا شرحتِ الأمرَ لهُ جيدًا…….”
“وماذا تريدينَ منّي أن أشرحَ لهُ؟”
قاطعتْ تاليا كلامَ تيورانَ بانزعاجٍ.
“هل أقولُ إنَّ كانَ قتلَ ماريسينَ لينتقمَ لي وللطفلِ الذي ماتَ؟”
خرجتْ من فمِها ضحكةٌ ساخرةٌ قصيرةٌ.
“سيصدّقُ ذلكَ بالتأكيدِ…. سيظنُّ أنّني اختلقتُ كذبةً لأحميَ كانَ.”
لم تجدْ تيورانُ ما تردُّ بهِ، فأغلقتْ فمَها وصمتتْ. كما أطرقَ كانُ رأسَهُ هو الآخرُ. ولم يكنْ بوسعِهِ أن يشعرَ بالظلمِ من ردِّ فعلِها، إذ كانَ ذلكَ تمامًا ما يتوقّعُهُ من نفسِها.
ربّتتْ تاليا على أذنِهِ برفقٍ، وأضافتْ كأنّها تتنهّدُ:
“لكنَّ هذا لا يعني أنّني لن أخبرَهُ أبدًا.”
وفجأةً أظلمتْ عيناها.
“طوالَ العامينِ الماضيينِ، لم أفعلْ سوى دفعِهِ بعيدًا وتجنّبِهِ. لذلكَ، حتى لو أخبرتُهُ بهذا الأمرِ فجأةً، فلن يكونَ من السهلِ عليهِ أن يصدّقَني. بعدَ أن تصبحَ علاقتُنا أقربَ قليلًا…….”
تردّدتْ تاليا لحظةً، ثم أضافتْ بصوتٍ خافتٍ:
“عندما أشعرُ بالثقةِ في أنّ باركاسَ سيصدّقُ كلامي، عندها سأخبرُهُ بكلِّ شيءٍ.”
ثم نهضتْ من السريرِ فجأةً، وكأنّها تحاولُ التخلّصَ من الأجواءِ الكئيبةِ، وقالتْ:
“في الوقتِ الراهنِ، إصلاحُ علاقتِنا كزوجينِ هو الأمرُ الأكثرُ إلحاحًا. ألا توجدُ طريقةٌ جيدةٌ لاستمالةِ ذلكَ الرجلِ الذي يشبهُ التمثالَ الحجريَّ؟”
مرَّ على وجهِ تيورانَ تعبيرٌ حائرٌ أمامَ السؤالِ المفاجئِ. ثم قالتْ بتردّدٍ:
“ما رأيكِ أن تحاولي أولًا زيادةَ الوقتِ الذي تقضيانِهِ معًا؟”
“لو كانَ ذلكَ ممكنًا، فهل كنتُ سأكونُ في هذهِ الحالِ؟”
مرّةً أخرى بدا أنّ الغضبَ يتصاعدُ في داخلِها، إذ مرّرتْ يدَها بعصبيةٍ في شعرِها المبعثرِ.
“منذُ أن عادَ ذلكَ الرجلُ إلى كالمورَ، لم يعدْ لديهِ سوى العملِ والعملِ والعملِ من الصباحِ حتى المساءِ. ونادرًا ما يكونُ موجودًا في القلعةِ أصلًا.”
استعادَ كانُ ذكرياتِ تلكَ الفترةِ. وبالفعلِ، في مثلِ هذا الوقتِ كانَ يقضي فترةً شديدةَ الانشغالِ، إذ كانَ يتولّى إنجازَ الأعمالِ الرسميةِ المتراكمةِ منذُ نصفِ عامٍ، ويضعُ الخططَ للتحقيقِ في أمرِ الوثنيينَ والقضاءِ على قطّاعِ الطرقِ. وربّما كانَ حتى الآنَ في قاعةِ الاجتماعاتِ، يخوضُ جدالًا طويلًا لا نهايةَ لهُ معَ أتباعِهِ حولَ مختلفِ القضايا.
وإذا كانتْ ذكرياتُهُ دقيقةً، فمن المؤكّدِ أنّهُ لن يعودَ اليومَ أيضًا إلّا قبيلَ منتصفِ الليلِ.
“من المؤكّدِ أنّ ذلكَ الرجلَ سيظلُّ ممسكًا بالتقاريرِ حتى اللحظةِ التي يُدفنُ فيها في قبرِهِ. وسيُكتبُ على شاهدِ قبرِهِ: “سببُ الوفاةِ: الإرهاقُ من فرطِ العملِ”، أليسَ كذلكَ؟ ولا بدَّ أنّ وصيّتَهُ أيضًا ستكونُ مليئةً بالتعليماتِ المتعلقةِ بالأعمالِ التي لم يتمكّنْ من إنجازِها.”
كلّما فكّرتْ في الأمرِ ازدادَ غضبُ تاليا، فأخذتْ تمطرُ الرجلَ بالشتائمِ. أمّا تيورانُ فأطلقتْ ضحكةً ساخرةً، وهزّتْ رأسَها من جانبٍ إلى آخرَ.
“لكنّكما تستخدمانِ السريرَ نفسَهُ في المساءِ، أليسَ كذلكَ؟ ما رأيكِ أن تحاولي الاقترابَ منهُ بصورةٍ أكثرَ جرأةً في ذلكَ الوقتِ؟”
“وماذا تريدينَ منّي أن أفعلَ أكثرَ من ذلكَ هنا؟”
احمرَّ عنقُ تاليا الأبيضُ بشدّةٍ، وحدّقتْ في تيورانَ بغضبٍ.
“لقد استلقيتُ في سريرِهِ بملابسَ تكادُ تكونُ معدومةً، وفعلتُ كلَّ ما يمكنُ فعلُهُ، ومعَ ذلكَ فإنَّ ذلكَ الرجلَ…….”
كانتْ تاليا تتنفّسُ بغضبٍ، لكنّها صمتتْ فجأةً. ثم خفضتْ عينيها وتمتمتْ بصوتٍ خافتٍ إلى درجةٍ يصعبُ معها سماعُهُ:
“كـ…… كلُّ ما يفعلهُ هو أنّهُ لا يتجاوزُ التقبيلَ.”
وفجأةً أصبحتْ نظراتُ تيورانَ جادّةً.
وبعدَ أن ظلّتْ تفكّرُ للحظاتٍ وهي تمسّدُ ذقنَها، سألتْ بصوتٍ منخفضٍ:
“هل يُحتملُ أنّ الدوقَ الأعظمَ تعرّضَ لإصابةٍ خطيرةٍ أثناءَ الحربِ؟ أعني…… في موضعٍ قد يؤثّرُ في قدرتِهِ على أداءِ واجباتِهِ الزوجيةِ.”
رفعَ كانُ رأسَهُ بسرعةٍ وحدّقَ في معالجةِ السحرِ بنظرةٍ حادّةٍ. كانتِ المرأةُ تبدو جادّةً تمامًا، ولم يكنْ في ملامحِها أدنى أثرٍ للمزاحِ. وكأنّها ترى أنّهُ لا يمكنُ لشخصٍ أن يصمدَ أمامَ إغراءاتِ تاليا رومِ شيركانَ إلّا إذا كانَ هناكَ سببٌ من هذا القبيلِ.
شعرَ كانُ بصداعٍ نابضٍ في رأسِهِ، فعضَّ على أسنانِهِ. وعندما تذكّرَ مدى شدةِ كفاحِهِ آنذاكَ من أجلِ ضبطِ نفسِهِ، شعرَ حتى بالظلمِ.
ولأنَّ المعالجةَ لم تكنْ تعلمُ شيئًا عن مشاعرِهِ، تابعتْ حديثَها بنبرةٍ حذرةٍ:
“هل تريدينَ أن أقترحَ عليهِ بلطفٍ أن يخضعَ لفحصٍ في ذلكَ الموضعِ؟”
“هل جننتِ؟ إيّاكِ أن تفعليَ ذلكَ!”
رفعتْ تاليا صوتَها، ووجهُها قد اشتدَّ احمرارُهُ.
“لـ…… لا توجدُ لديهِ أيُّ مشكلةٍ في ذلكَ الموضعِ! فهوَ في كلِّ مرةٍ…… أعني…… يصلُ إلى تلكَ الحالةِ.”
“……في كلِّ مرةٍ؟”
سألتْ تيورانُ بدهشةٍ واضحةٍ.
وعندَ رؤيةِ ردِّ فعلِها، ارتسمَ القلقُ على وجهِ تاليا.
“عندما يلامسُ امرأةً…… أليسَ من الطبيعيِّ أن يحدثَ ذلكَ؟”
فتحتْ المعالجةُ فمَها، وكأنّها تريدُ شرحَ أمرٍ ما، لكنّها أحسنتِ التصرّفَ وأغلقتْهُ من جديدٍ. ثم أطلقتْ ابتسامةً مبهمةً وأجابتْ بوضوحٍ متعمّدٍ أقلَّ ممّا ينبغي:
“إذا لم تكنْ لديهِ مشكلةٌ في ذلكَ الجانبِ، فربّما كانَ يتعمّدُ ضبطَ نفسِهِ كي لا يُرهقَ جسدَ سموِّكِ؟ فقد كانتْ صحتُكِ سيّئةً طوالَ تلكَ الفترةِ…… وربّما لذلكَ لا يستطيعُ الاقترابَ منكِ بتهوّرٍ.”
“لكنّني تعافيتُ تمامًا الآنَ.”
وضعتْ تاليا كلتا يديها على خصرِها ورفعتْ ذقنَها، وكأنّها تتباهى بانحناءاتِ جسدِها التي أصبحتْ أوضحَ من ذي قبلَ.
“فأيُّ جزءٍ من هذا المظهرِ يبدو لكِ مظهرَ شخصٍ مريضٍ؟”
“ربّما تكونُ صورةُ سموِّكِ عندما كنتِ ضعيفةَ البنيةِ ومريضةً قد انطبعتْ بعمقٍ في ذهنِ الدوقِ الأعظمِ. فعندما يمرضُ شخصٌ مقرّبٌ منهم مرضًا شديدًا، يميلُ المحيطونَ بهِ إلى توخّي الحذرِ الشديدِ. إنّهم يشعرونَ بالقلقِ خوفًا من أن يمرّوا بالتجربةِ نفسِها مرّةً أخرى.”
شرحتْ المرأةُ حالتَهُ النفسيةَ بدقّةٍ نسبيةٍ. لكنَّ تاليا ظلّتْ غيرَ مقتنعةٍ، وبقيَ الاستياءُ ظاهرًا على وجهِها.
راقبتْها المعالجةُ وهي تنظرُ إلى ذلكَ الوجهِ المتجهّمِ بصمتٍ، وظلّتْ تفكّرُ في أمرٍ ما، ثم استأنفتْ حديثَها فجأةً:
“……ما رأيكِ أن تخلقيَ فرصةً تؤدّي إلى حدوثِ تغييرٍ جذريٍّ بينكما؟”
“فرصةً؟”
مالتْ تاليا بجسدِها نحوَ تيورانَ باهتمامٍ، وقد بدتْ مستميلةً إلى الفكرةِ. فتحتْ تيورانُ فمَها بتردّدٍ وقالتْ:
“إذا كنتِ بحاجةٍ إلى ذلكَ، فسأصنعُ لكِ دواءً قد يساعدُكِ.”
شعرَ كانُ في اللحظةِ نفسِها بأنَّ شعرَ جسدِهِ كلَّهُ قد انتصبَ.
وبينما كانَ يحدّقُ في المعالجةِ وجسدُهُ قد تصلّبَ تمامًا، كأنّهُ تعرّضَ لصاعقةٍ، فتحتْ تاليا عينيها على اتّساعِهما وسألتْ:
“دواءٌ…… هل تقصدينَ ذلكَ الدواءَ الذي أعطيتِهِ لفتياتِ القريةِ في مهرجانِ الربيعِ الماضيِ…… جرعةَ الحبِّ؟”
أومأتْ تيورانُ برأسِها ببطءٍ.
ظلَّ كانُ يحدّقُ فيها دونَ أن يرمشَ، محدّقًا في ذلكَ الوجهِ اللطيفِ الذي لم يكنْ فيهِ أدنى أثرٍ للخبثِ.
وأضافتِ المرأةُ بابتسامةٍ خفيفةٍ عندَ طرفِ فمِها، وكأنّها تمزحُ:
“سأصنعُها لكِ بنصفِ السعرِ فقط، كعرضٍ خاصٍّ لسموِّكِ.”
“و من تظنينَني؟ متسوّلةً؟”
أطلقتْ تاليا صوتَ استهجانٍ وسخرتْ، ثم عقدتْ ذراعيها أمامَ صدرِها.
“إذا اشتريتُ منكِ دواءً، فسأدفعُ لكِ عشرةَ أضعافِ ما يدفعُهُ الآخرونَ. هل تعلمينَ أصلًا كم ربحتُ من تجارةِ المنسوجاتِ؟”
“إذنْ، ينبغي لي أن أغتنمَ هذهِ الفرصةَ وأجنيَ مبلغًا محترمًا منها، تعبيرًا عن امتناني.”
ضحكتِ المرأةُ ضحكةً خافتةً وهي تسايرُها في المزاحِ.
كانَ المشهدُ طبيعيًّا إلى درجةٍ جعلتْ كانَ يكادُ يظنُّ للحظةٍ أنّهُ ربما أساءَ الظنَّ بهما.
**********
المترجمة مروة ♡
مش قادرة أسيء الظن بتيوران……تيوران وثنية و هاد واضح و عشيقها و ابنها ماتو بسبب هالسالفة ، و باركاس بحارب الوثنيين
معقول تيوران كانت حاطة مبادئها فوق حبها لتاليا و استغلت ذي الفرصة لتنتقم للوثنيين؟
المشكلة ما أبي أفكر بكذا احتمالات 🧍🏻♀️💔
يا إما تيوران تغلبت عليها رغبة الانتقام و عملت كذا ، يا إما في شخص تاني استبدل الدوا
او أنه تاليا استعملت جرعة كبيرة من الدوا و كانت آثاره الجانبية قاتلة
*******
୨୧ ───────────── ୨୧
𓂃 ࣪˖ ִֶָ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِه
𓂃 ࣪˖ ִֶָ سُبْحانَ اللهِ العَظيم
୨୧ المُترجمة مروة ♡ ୨୧
⌇ Instagram: maxi_mine06
୨୧ ───────────── ୨୧
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.