الفصل 297
*******
تشكّلت تجعيدةٌ خفيفةٌ عند زاوية عينَي باركاس. وبدا واضحًا أنّه لم يصدّق كلماتها إطلاقًا. لكنه، وكأنّه لا ينوي الاستفسار أكثر، اتجه بعد ذلك نحو الباب.
“إذن سأبلّغ أتباعي بقراري.”
“هل ستذهب الآن؟”
نظرت تاليا إليه بوجهٍ متصلّبٍ. لقد بدّلت ثيابها إلى أجمل ما لديها من أجله، بل ونثرت مسحوق اللؤلؤ على وجهها أيضًا. فكيف له أن يكتفي باستجوابها طويلًا ثم يغادر هكذا؟
“لقد عدت للتو. أليس من الأفضل أن تستريح أولًا……؟”
“كما قلتِ يا صاحبة السمو، لقد عدت للتو، ولديّ كومةٌ من الأمور التي ينبغي معالجتها. يؤسفني ذلك، لكنني سأؤجل الراحة إلى وقتٍ آخر.”
كادت الدموع تنهمر من عينيها أمام رفضه الحاسم. فأجبرت تاليا زاويتي فمها المرتعشتين على الارتفاع.
“آه، حقًّا؟ إذن اذهب.”
قالتها بلهجةٍ فظةٍ متعمدةٍ وصوتٍ باردٍ، لكنه لم يُبدِ أيّ ردّ فعلٍ يُذكر.
ظلّ باركاس ينظر إليها بوجهٍ خالٍ من التعبير، ثم فتح الباب وخرج. وفي اللحظة نفسها تقريبًا، اندفع كان إلى داخل الغرفة كالسهم.
عانقت تاليا عنقه فورًا. وبدا أنّ أعصابها المتوترة قد هدأت قليلًا أمام ملمسه الناعم والدافئ. وبينما كانت تربّت بحذرٍ على الذئب الذي أخذ يتسلل إلى حضنها، رفعت رأسها خلسةً ونظرت نحو الباب. كان باركاس قد ابتعد بالفعل مسافةً كبيرةً.
ظلّت تاليا تحدّق في ظهره المتماسك كجدارٍ حصينٍ، ثم قبضت يدها بقوةٍ.
لقد التقيا مجددًا للتو. لا داعيَ للعجلة. فما زال أمامهما الكثير من الوقت الذي يمكنهما أن يقضياه معًا.
ويمكنها أن تستعيد قربها منه تدريجيًّا، من دون أن تتعجل.
************
كان ينظر إلى تاليا بعينين فاترتين وهي تضرب الوسادة بقبضتيها بكل ما أوتيت من قوةٍ.
خلال الأيام القليلة الماضية، بذلت تاليا جهدًا يدعو إلى الشفقة في محاولتها لإغواء باركاس رايدغو شيركان. وكانت المشكلة أنّ كل ذلك الجهد لم يُجدِ نفعًا على الإطلاق.
وبعد أن قضت قرابة ثلاث ساعاتٍ أمام المرآة، تضع شتى أنواع الزينة وتبذل جهدًا كبيرًا في التأنق، استمرت تاليا في ضرب الوسادة حتى أفسدت كل ما صنعته، ثم استلقت على السرير وهي تلهث من الغضب.
لم يجرؤ كان على الاقتراب منها، فاكتفى بالبقاء بعيدًا ومراقبة حالها بحذرٍ. لم يتخيل قط أنّها ستبذل كل هذا الجهد من أجل إغواء ذلك الرجل. كما أنّه لم يدرك حتى الآن مدى غبائه في تصرفاته.
“يا له من أمرٍ مزعجٍ.”
ظلت تاليا تحدّق في السقف لبعض الوقت، ثم رفعت ذراعها وغطت بها عينيها.
وحين أدرك كان أنّها تبكي، نهض من مكانه فجأةً، ثم اقترب بحذرٍ من جانب السرير. عندها مدت ذراعها نحوه على الفور وأمسكت بأذنه وجذبتها.
“وأنت أيضًا أكرهك. لماذا تستمر في إفساد الأمور؟”
حدّق فيها بنظرةٍ مظلومةٍ. صحيحٌ أنّه تدخل بينهما عدة مراتٍ، لكنه مع ذلك حاول أن يبقى هادئًا قدر استطاعته من أجلها. بل حتى عندما أحرقت له عشبة النوم لإبعاده عنها، ألم يتحمل الأمر بهدوءٍ؟
لقد كان يتحمل بصمتٍ حتى وضعها له جانبًا تمامًا، وأصبحت تصبّ كل اهتمامها على ذلك الأحمق وحده. فكيف يمكنها أن تلومه أيضًا؟
أصدر دون قصدٍ زمجرةً وكشف عن أنيابه. وما إن رأت تاليا ذلك حتى ضربت رأسه بقبضتها بلا رحمةٍ.
“كنت تتشاجر دائمًا مع والدك، والآن بدأت تُظهر سوء مزاجك تجاهي أيضًا؟ هل تريد أن ألقّنك درسًا قاسيًا؟”
أنزل أذنيه فورًا، ودسّ ذيله بين ساقيه. كان ذلك ردّ فعلٍ غريزيًّا بحتًا.
وبدا أنّ مظهره الهادئ قد أرضاها، إذ أطلقت تاليا ضحكةً ساخرةً صغيرةً من أنفها وهي ترفع رأسها بتفاخرٍ. ثم أضافت بنبرةٍ تشبه نبرة أمٍّ تؤنّب ابنها المراهق فعلًا.
“كم بذلت أمك من جهدٍ لحمايتك، فهل يجوز لك أن تسيء معاملتي؟ يجوز أم لا؟”
أرخى كان رأسه بلا حولٍ ولا قوةٍ. وعندها، وكأنّها شعرت بقليلٍ من الندم، مررت تاليا يدها برفقٍ على قمة رأسه.
في تلك اللحظة، قالت تيوران، التي كانت جالسةً أمام المدفأة وتعبث بإبريق الشاي، وهي تكتم ضحكةً صغيرةً.
“لا تقسُ عليه كثيرًا. كان لا يفعل سوى التذمر لأنّه قلقٌ من أن تهمله صاحبة السمو.”
أصابت كلماتها الحقيقة في الصميم، فراح كان يحكّ الأرض بلا سببٍ.
كان السبب الأساسي لتشبثه بها ورغبته في البقاء إلى جانبها هو الحذر مسبقًا والاستعداد لما سيحدث بعد عودة باركاس رايدغو شيركان. لكن هذا لم يجعل كلام تيوران خاطئًا تمامًا. فقد أصبح من الصعب عليه شيئًا فشيئًا أن يراقبها وهي برفقة باركاس رايدغو شيركان.
مشى كان بخطواتٍ متثاقلةٍ إلى زاوية غرفة النوم، ثم تكوّر وجلس هناك. كان يعرف جيدًا أنّ ذلك الرجل هو نفسه الذي كانه في الماضي. لكنه، في النهاية، كان أيضًا كيانًا مختلفًا عن نفسه الموجود هنا الآن.
إذا ارتبطت تاليا به، فلن يكون أمام كان في النهاية سوى أن يُدفَع بعيدًا عن حياتها. وكان تقبّل هذه الحقيقة يصبح أصعب عليه شيئًا فشيئًا.
“لا تغضب هكذا، وتناول هذا. لقد نقعت بعض الأعشاب التي تساعد على تنشيط الدورة الدموية والتخلص من الفضلات المتبقية في الجسم.”
مدّت تيوران أمامها فنجان شاي يتصاعد منه البخار.
قالت تاليا عابسةً.
“قلتِ إنّه ينبغي لي الحدّ من استخدام الأعشاب. ماذا لو شربت هذا ثم ظهرت لديّ أعراض الاعتماد عليها مجددًا؟”
“عندما كان جسدك في غاية الضعف، حتى كميةٌ ضئيلةٌ من الأعشاب كانت ستشكّل عبئًا عليك، لكنك استعدتِ الآن قدرًا كبيرًا من قوتك، لذا لا بأس بهذه الكمية. بل إنّها ستساعد على إخراج السموم المتبقية في جسدك.”
نظرت تاليا إلى فنجان الشاي بريبةٍ، ثم أخذته على مضضٍ. وبعد ذلك وضعت شفتيها عليه بحذرٍ وابتلعت رشفةً. وبدا أنّ مذاقه لم يكن سيئًا كما توقعت، إذ ارتخت التجعيدة بين حاجبيها قليلًا.
وبعد أن ارتشفت بضع رشفاتٍ أخرى، ألقت تاليا نظرةً خاطفةً على تيوران وسألتها.
“إذن، إلى أيّ حدٍّ تعافى جسدي الآن؟”
“لقد تجاوزتِ المرحلة الأصعب. كما اختفت الهلوسات تقريبًا، وأصبح نبضك أكثر استقرارًا بكثيرٍ من ذي قبل. لكن لأنك عانيتِ من آثار الأدوية لفترةٍ طويلةٍ، فأنت بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الوقت حتى تتعافي تمامًا.”
“كم من الوقت؟”
“إذا واصلتِ تناول الطعام والراحة جيدًا كما تفعلين الآن، فستتعافين تمامًا بعد نحو ثلاثة أو أربعة أشهرٍ.”
ابتسمت تيوران ابتسامةً مشرقةً وقالت.
“بل قد تصبحين أكثر صحةً من الأشخاص العاديين.”
“إذن لن تكون هناك مشكلةٌ كبيرةٌ في أن أنجب طفلًا مجددًا، أليس كذلك؟”
تصلّب كان في مكانه، وألقى نظرةً خاطفةً على وجه تاليا. كانت تنظر إلى تيوران بتعبيرٍ مفعمٍ بالأمل.
ولأنّ نظرتها بدت وكأنّها تضع عليها بعض الضغط، خفضت المعالجة عينيها بإحراجٍ، ثم فتحت فمها بحذرٍ.
“بحسب ما فحصته حتى الآن، لا توجد مشكلةٌ كبيرةٌ في قدرتك على الإنجاب، يا صاحبة السمو. وإذا أردتِ، فيمكنكِ أن تحملي بطفلٍ فورًا.”
أشرق وجهها في الحال.
وبينما كان كان ينظر إليها بمشاعرَ معقدةٍ، تابعت تيوران حديثها بنبرةٍ حذرةٍ.
“لكن الحمل والولادة أمران يشكلان عبئًا حتى على النساء السليمات. ألا ترين أنّه من الأفضل أن تنتظري عامًا واحدًا على الأقل؟”
“قلتِ إنني سأتعافى تمامًا بعد ثلاثة أو أربعة أشهرٍ، أليس كذلك؟”
قالت تاليا ذلك ووجهها قد تصلّب.
“الحرب لم تنتهِ تمامًا بعد. وإذا فشل توقيع معاهدة السلام لأيّ سببٍ، فسيضطر باركاس إلى العودة إلى ساحة الحرب. وعندها سأضطر إلى الانتظار مجددًا لأشهرٍ أو سنواتٍ من دون أن أعرف متى سيعود.”
قبضت على فنجان الشاي بإحكامٍ وقالت.
“قد لا تفهمين ذلك، لكن إنجاب وريثٍ لعائلةٍ نبيلةٍ ليس خيارًا بالنسبة إلى امرأةٍ من عائلةٍ رفيعة المقام، بل هو واجبٌ. وإذا عجزت عن أداء هذا الواجب، فسيصبح من الصعب ضمان مكانتها مهما كان ارتفاع منزلتها.”
وفجأةً، خيّم ظلٌّ كثيفٌ على عينيها.
راحت تاليا تعبث بأطراف فنجان الشاي بأصابعها، ثم تابعت ببرودٍ.
“أنا بحاجةٍ إلى طفلٍ لحماية نفسي أيضًا. إذا أنجبتُ وريثًا للدوقية الكبرى، فلن يستطيع وليّ العهد إقصائي بسهولةٍ.”
غرَز كان مخالبه دون أن يشعر. كان منظرها وهي لا تتوقع منه إطلاقًا أن يحميها يؤلمه من الداخل بشدةٍ. والأسوأ من ذلك كله أنّ عدم ثقتها به كان نتيجةً صنعها هو بنفسه.
“ألن تخبري الدوق الأكبر بشأن وليّ العهد؟”
سألتها تيوران تلميحًا وهي تراقب تعابير وجهها.
ظلت تاليا تنظر إلى فنجان الشاي بصمتٍ، وملامح الصراع باديةٌ على وجهها، ثم فتحت فمها بعد وقتٍ طويلٍ.
“……ليس الآن.”
*******
المترجمة مروة ♡
اللي مو قادر يتحمل بطئ الأحداث ترى تقدر تجمع فصول و تقرأهم مرة وحدة مافي داعي تجلس تقيم الكاتبة و تشتم شغلها لمجرد أنك ناقد على السرد ، احترموا جهد الكاتبة و أسلوبها بتوصيل العمل 🙏🙏
*******
سبحان الله و ببحمده
سبحان الله العظيم
الأنستا : Maxi_mine06
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.