مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 295نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 295

 

الفصل 295

 

نظر إليها بنظرةٍ مظلومةٍ.

 

كيف استطاعت أن تضربه بسبب ذلك الرجل؟

 

وسواء أكانت تعلم أنه يرسل إليها تلك النظرات المليئة بالعتاب أم لا، فقد أخذت تعبث بطرف ثوبها بقلقٍ، وتختلس النظر بين الحين والآخر إلى باركاس رايدغو وسيوركان.

 

وحين رأى احمرارًا ورديًا خفيفًا يغطي أذنيها ومؤخرة عنقها، شعر مجددًا بشيءٍ يغلي في داخله، فحدّق في الرجل بنظرةٍ حادةٍ.

 

‘أحقًّا يعجبها شخصٌ كهذا؟’

 

كان الرجل يتفحّصه ببطءٍ بنظراتٍ طويلةٍ وثقيلةٍ.

 

ثم ألقى نظرةً باردةً حوله، وسأل بصوتٍ حادٍ أشبه بالاستجوابِ:

 

“أين ثوبكِ الخارجي؟”

 

“علقته هناك.”

 

سرعان ما أمسك الرجل بطرف الثوب وأحاط به جسدها، ثم نظر إليها باستنكارٍ وقال:

 

“هل تتجولين بهذه الملابس عادةً؟”

 

“خلعتُ ثوبي الخارجي لبعض الوقت فقط لأنني كنت أغسل كان. وعلى أي حال، ما دام كان موجودًا، فلن يقترب الآخرون مني.”

 

“قد يكون هناك من يراقبكِ من بعيدٍ.”

 

“أولئك جميعًا تلقوا درسًا قاسيًا من كان.”

 

أطلقت تاليا شخيرًا متعاليًا بصوتٍ مرتفعٍ، ثم ألقت عليه فجأةً نظرةً قلقةً لتترقب ردّ فعله. بدا أنها تخشى أن يكوّن عنه انطباعًا سيئًا.

 

ثم قالت وكأنها تبرر موقفها:

 

“لكن هذا لا يعني أن كان آذى أحدًا. لقد أخافهم فقط حتى لا يقتربوا مني.”

 

وبعد ذلك أحاطت مؤخرة عنقه بذراعها بحنانٍ، وأخذت تربت عليه برفقٍ وكأنها تحميه. شعر بالارتياح فورًا، وأخذ يفرك وجهه بمؤخرة عنقها.

 

تسللت فجأةً هالةٌ مخيفةٌ إلى عيني الرجل وهو يراقب ذلك المشهد. فمن الواضح أنه لم يكن مستسيغًا أن تلامس زوجته كان بهذه الطريقة المليئة بالمودة.

 

وفي النهاية، فقد الرجل صبره، فأمسك بمعصمها وجذبها إلى خلفه. عندها، ومن دون أن يدرك ما يفعل، انبعث من حنجرته زئيرٌ منخفضٌ.

 

وحين سمعت تاليا ذلك الصوت، صاحت على عجلٍ:

 

“كان! لا تفعل ذلك. هذا الرجل هو…!”

 

ثم أطبقت فمها فجأةً، وأخذت تراقب تعبير الرجل بحذرٍ.

 

استطاع أن يخمّن بسهولةٍ ما عجزت عن قوله. وفجأةً شعر بألمٍ يعتصر صدره.

 

كانت هذه المرأة تؤمن إيمانًا راسخًا بأنه ابنها الذي مات قد وُلد من جديدٍ في هيئةٍ أخرى. لكنها لا بدّ أنها تظن أن هذا الرجل لن يستطيع تفهّم مثل هذا الاعتقاد.

 

شعر بمرارةٍ تنتشر في فمه، وأرخى ذيله إلى الأسفل.

 

ثم رددت تقريبًا العذر نفسه الذي كانت قد قدمته في حياتها السابقة:

 

“كان يكره الرجال منذ البداية. ربما لأن ذكرى كاد فيها الجنود أن يقتلوه حين كان صغيرًا ما زالت عالقةً في ذهنه. إنه يفعل ذلك لأنه خائفٌ فحسب…”

 

“لنؤجل الحكم على هذا الوحش في الوقت الراهن.”

 

قاطع الرجل كلامها، وحدق فيه بعينين باردتين كالجليد. وبدا أنه يكبح نفسه بصعوبةٍ عن سحب سيفه وقطع رأسه في الحال.

 

ووضع يده على مقبض سيفه، ثم أشار إليها برأسه وقال:

 

“تقدمي. سأستمع إلى التفاصيل بعد عودتنا إلى القلعة.”

 

“كان، تعال إلى هنا.”

 

استدار نحوها فورًا، إلا أن الرجل مدّ إحدى ساقيه طويلًا ليعترض طريقه.

 

“لا، تقدمي أولًا.”

 

“كان يشعر بالقلق عندما يبتعد عني.”

 

“لا يمكنني السماح لهذا الوحش بالبقاء بالقرب من سموّكِ حتى أتأكد من أنه غير مؤذٍ فعلًا.”

 

حدّق فيه كان بنظرةٍ شرسةٍ.

 

بأي حقٍ يحاول أن يفرقه عنها بعدما تركها طوال هذا الوقت؟

 

وبينما كان يحدق في نفسه من الماضي بنظرةٍ مشبعةٍ بالعداء، أمسكت تاليا فمه بيدٍ خشنةٍ بعض الشيء. ثم، قبل أن يتمكن من المقاومة، فتحت فمه على اتساعه ودست يدها داخله.

 

“انظر. حتى عندما أفعل هذا، لا يعضني. إنه يتظاهر بالقوة من الخارج فقط، لكنه مطيعٌ جدًا.”

 

تراجع إلى الخلف مذعورًا.

 

أما الرجل، فشحُب وجهه، وأحاط خصرها بذراعيه ورفعها عن الأرض دفعةً واحدةً.

 

“ما الذي تفعلينه بالضبط؟”

 

“…كنت أحاول فقط أن أريك أن كان ليس خطيرًا.”

 

أطلق كان سعالًا جافًا متقطعًا، ثم رفع رأسه ونظر إليها.

 

في ذلك الوقت، لم يكن قادرًا على رؤية تعبير وجهها بالتفصيل. كان قد رأى فقط مؤخرة عنقها وخديها المحمرين، وظن أنها كانت مرتبكةً فحسب. لكن تعبير وجهها الذي رآه من الأمام كان يحمل مشاعر أكثر بكثير. رموشًا ترتجف برفقٍ، وحواف عينين محمرتين، وعينين رطبتين تتراقصان فرحًا…

 

كانت تاليا تحدق بعينين مرتجفتين في ساعديه اللذين يحيطان بخصرها، ثم تمتمت بإحراجٍ:

 

“كان لن يؤذيني أبدًا. لذا لا تبالغ في رد فعلك وأنزلني.”

 

وكأن الرجل لم يصدق كلامها قيد أنملة، تراجع خطوةً إلى الخلف وأنزلها إلى الأرض. إلا أن إحدى يديه بقيت موضوعةً على خصرها.

 

ضيّق عينيه وهو يراقب الرجل يداعب خصر تاليا النحيل فوق ثوبها المبلل.

 

هل كان هو نفسه قد لمسها بهذه الطريقة في ذلك الوقت؟

 

كان من المؤكد أن موقفًا يكاد يكون مطابقًا لما حدث حينها يتكرر أمامه، لكنه لم يكن واثقًا من أن كل شيءٍ كان متطابقًا تمامًا. فقد كانت هناك بعض التفاصيل الصغيرة المختلفة عن ذكرياته.

 

ضيّق عينيه واستعاد ذكريات الماضي البعيد. عندها، رفع الرجل يده نحو جانب خدها.

 

وحين أدرك كان ما كان الرجل ينوي فعله، اقترب منهما فورًا. لم يكن يستطيع أن يقف مكتوف اليدين وهو يرى هذا الرجل يتجرأ على لمسها كما يحلو له.

 

قرر أن يفعل الشيء نفسه الذي فعله هو في حياته السابقة، فهز جسده بقوةٍ. وتناثرت قطرات الماء بغزارةٍ من جسده، فأغرقت الرجل بها.

 

وفي لحظةٍ، أصبح الرجل مبتلًا تمامًا، وحدق فيه بنظرةٍ قاتلةٍ. لكنه تظاهر وكأن شيئًا لم يحدث، وأخذ يفرك رأسه بكتف تاليا. فأخذت تاليا تمسح ظهره برفقٍ، وأطلقت زفرةً صغيرةً.

 

“لنعد إلى القلعة أولًا، كما قلت.”

 

 

—

 

ظلت تاليا تلقي نظراتٍ جانبيةً إليه طوال سيرهما.

 

ولحسن الحظ، لم ترَ أي ندبةٍ أو أثر إصابةٍ خطيرةٍ في الأجزاء الظاهرة من جسده.

 

إلا أنه بدا أن الأشهر الستة الماضية التي قضاها في موقع تمركزه لم تكن سهلةً، إذ بدا أن جسده أصبح أنحف قليلًا من ذي قبل.

 

تأملت خلسةً ملامح وجهه التي أصبحت أكثر وضوحًا وخط فكه الحاد، ثم انتقلت عيناها إلى مؤخرة عنقه الطويلة والملساء. وكما يليق برجلٍ لا تسمر بشرته بسهولةٍ تحت أشعة الشمس، ظلت بشرته تحمل لونًا أبيضَ صافياً، إلا أنها بدت أغمق قليلًا بشكلٍ عام مقارنةً بالسابق.

 

وحين رأت مظهره الذي أصبح أكثر رجولةً من ذي قبل، شعرت بجفافٍ في فمها، فبللت شفتيها دون وعيٍ.

 

كيف ستبدو هي في عينيه؟

 

نظرت تاليا إلى طرف تنورتها الذي كان يقطر ماءً، ثم قبضت على القماش بقوةٍ حتى برزت مفاصل أصابعها بيضاء.

 

خلال الأشهر التي قضتها وهي تنتظر عودته بفارغ الصبر، تخيلت لحظة لقائهما مجددًا مراتٍ لا تحصى، لكنها لم تتخيل ولو مرةً واحدةً أنها ستستقبله بهيئة فأرٍ غارقٍ في الماء.

 

‘وشعري أيضًا لا بد أنه أصبح في حالةٍ فوضوية.’

 

مدت يدها بخفةٍ إلى شعرها، فشعرت بأن خصلاته التي كانت قد صففتها بعنايةٍ قد أصبحت منكوشةً تمامًا. ومن المؤكد أن زينتها قد تلاشت هي الأخرى تقريبًا.

 

ابتلعت الزفرة التي كانت تصعد حتى حلقها، وعبرت القاعة. ثم أخذت المناشف من الخادمات، وشرعت على عجلٍ في تجفيف شعرها من الماء. كانت تتمنى أن تعود إلى غرفتها فورًا وتبدل ملابسها، لكنها لم تستطع ترك كان وحده.

 

دخلت المطبخ وأشارت إلى كان بيدها.

 

“تعال إلى هنا.”

 

دخل كان إلى المطبخ متثاقل الخطوات، ثم جلس بهدوءٍ أمام المدفأة، واضعًا قوائمه معًا. أخذت تاليا المنشفة التي كانت تحملها، وراحت تفرك فراء كان المبلل وتجففه بعنايةٍ. كانت تتمنى أن يرى باركاس كان بصورةٍ أفضل ولو قليلًا. فقد كان واضحًا أنه، مثل بقية الجنود، يتوجس من كان، الأمر الذي جعلها شديدة القلق.

 

أخذت تمرر أصابعها بين فرائه الرطب، ثم ألقت نظرةً خاطفةً نحو الباب. عندها وقع في طرف مجال رؤيتها مشهد دخوله ببطءٍ عبر القاعة إلى المطبخ.

 

خفضت تاليا رأسها سريعًا، وتظاهرت بأنها منشغلةٌ بتجفيف جسد كان. لكن كل حواسها كانت منصبةً على الظل الداكن الذي خيّم فوق رأسها.

 

مد يده فوق رأسها، وانتزع المنشفة من يدها.

 

“اتركي أمر هذا الذئب للخدم، واصعدي إلى غرفتكِ الآن. أريد أن أسمع من سموّكِ شرحًا لما حدث خلال هذه الفترة.”

 

رفعت تاليا عينيها إليه وكتفاها متيبسان من التوتر. كان باركاس يحمل وجهًا باردًا إلى حدٍّ بدا معه وكأنه لا يسمح حتى بمرور إبرةٍ من خلاله.

 

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.