الفصل 292
********
بسبب ذلك، لم يستطع أن يطمئن حتى أثناء استحمامها.
فبينما كانت تغمر جسدها في حوض الاستحمام، ظل يراقب وجودها بكل حواسه متأهبة. وكان ينوي أن يندفع إليها فورًا إذا شعر ولو للحظة بأنها تفكر في القيام بتصرّف خطير.
لكن لم يسمع طوال فترة سوى صوت تموّج الماء الهادئ، ولم يشعر بأي شيء غير طبيعي.
عندها فقط أرخى قليلًا حبل التوتر الذي ظل مشدودًا، إلا أن صوتًا خاملًا، أشبه بصوت شخص مخمور، جاء من خلفه.
“كان…….”
أبقى رأسه، الذي كاد يستدير غريزيًا، مثبتًا على مقبض الباب، وأرهف سمعه فقط.
وبعد لحظات، سمع صوتها وهي تخرج من حوض الاستحمام وتقترب.
اقتربت تاليا منه بخطوات مترنحة بقدميها المبللتين، ثم جلست على ركبتيها فوق السجادة. ومن طرف مجال رؤيته الواسع، لمح احمرار وردي خفيف يعلو بشرتها البيضاء الناعمة، التي احتفظت بقطرات الماء. و تاهت عيناها الزرقاوان، اللتان بدتا غائمتين ومرتخيتين، في الفراغ، وكأنها كانت تعاني من الهلوسة مجددًا.
أسندت جسدها المبتل إليه، وهمست بصوت خافت يكاد ينطفئ.
“كان، انظر إليَّ قليلًا.”
أدار رأسه نحوها على مضض. والتصق شعرها الذهبي المبلل بوجهها الجميل إلى حد مخيف، وبكتفيها البيضاوين كاليشم الأبيض، كأنه حرير مبتل.
وفجأة شهقت بأنفها، ثم دفنت وجهها في مؤخرة عنقه.
“ماذا أفعل؟ الرائحة الكريهة لا تزول من جسدي…….”
قطّب جبينه. فلم يكن يستطيع شم سوى رائحة زيت الورد النفاذة، ورائحة البخار الرطب المتصاعد من ماء الاستحمام، ورائحة جسد تاليا العذبة التي بدت وكأنها ستملأ رئتيه حتى تذوبا. أما رائحة القيح والدم التي كانت تتحدث عنها، أو رائحة التعفن، فلم يستطع شمها إطلاقًا. ومع ذلك، بدت تاليا يائسة حقًا.
“إنها كريهة، أليس كذلك؟ رائحتي…….”
وبدأت دموعها تتساقط بغزارة، وارتجفت كتفاها النحيلتان.
فتح فمه لينفي كلامها، لكن لم يخرج منه سوى صوت مضحك يشبه الزمجرة.
عندما كان إنسانًا، لم يكن لديه الكثير مما يرغب في قوله. كان لا يفتح فمه إلا عند الضرورة دائمًا. لكن المفارقة الآن ، أنه بعد أن أصبح وحشًا، لديه أكثر من ألف شيء يريد قوله، ومع ذلك لم يعد قادرًا على نطق كلمة واحدة بصورة صحيحة.
فرك أنفه بشعرها، ثم عوّض عن كلمات المواساة بلعق وجهها برفق. وامتلأت رئتاه برائحة جسدها المختلطة برائحة الورد النفاذة.
اختلطت بالرائحة الحلوة التي تشبه رائحة الفاكهة الناضجة روائح المطر الصيفي والرياح والأزهار البرية والغابة الشتوية. وبينما كان ينظر إلى امرأة بدت وكأنها جمعت كل جمال العالم الرقيق في جسد واحد، اجتاحه فجأة شعور عميق بالعجز.
ما الذي ينبغي عليه فعله بحق لحماية هذه المرأة؟
“سموّك، هل أنتِ بخير؟”
عندها جاء صوت تيوران من خلف الباب.
فرفع رأسه ونظر نحو الباب.
ولما لم تجب تاليا لمدة طويلة، استدار مقبض الباب، وظهرت تيوران.
“سموّك!”
حين رأت تاليا جالسة على الأرض دون أن ترتدي شيئًا، متكئة على كان ، اندفعت تيوران نحوها بملامح مذعورة.
راقب كان المعالجة وهي تلف جسد تاليا على عجل ببطانية.
أبعدت المرأة تاليا عنه، وأسندت ظهرها، ثم تفحّصت عينيها الضبابيتين بقلق.
“هل عاودكِ الدوار مجددًا؟”
“……لا أعرف. أشعر فقط بأنني بلا طاقة.”
تمتمت تاليا، ثم تسللت إلى حضن المرأة كطفلة صغيرة.
وقد آلمه ذلك التصرف، الذي بدا وكأنه صدر منها دون وعي، على نحو غريب.
بدا له أنه لم يستطع أن يرى بوضوح كم من الوحدة تحملتها هذه المرأة طوال حياتها إلا بعد أن أصبح ذئبًا.
والآن فقط، حين لم يعد قادرًا على فعل أي شيء من أجلها.
“من الأفضل أن نذهب إلى السرير أولًا.”
ساعدت تيوران تاليا على النهوض، وقادتها إلى السرير. وتبعها كان ملاصقًا لجانبها.
“يبدو أنكِ أصبحتِ في حالة إنهاك شديد. من الأفضل أن تشربي قليلًا من الماء، وأن تتناولي بعض الحساء.”
وبعد أن أجلسَت تاليا على حافة السرير، أخذت تيوران تتفحّص جسدها مدة طويلة، ثم أطلقت زفرة طويلة وقالت.
كانت تاليا تلف البطانية حول جسدها المبلل، وتحدّق في الأرض بشرود، ثم هزّت رأسها نافية.
“لا أريد أن آكل.”
“حتى لو لم تكن لديكِ شهية، يجب أن تأكلي. هكذا ستتعافين بسرعة.”
“لا أريد. لن آكل أبدًا. ستضعون شيئًا غريبًا في الطعام مجددًا، أليس كذلك؟”
توقّف كان، الذي كان قد أمسك بطرف الغطاء المتشابك عند حافة السرير بأسنانه وسحبه إلى فوق ركبتيها، عن الحركة، ونظر إلى تيوران بعينين باردتين كالجليد. لكن المرأة نفسها بدت أكثر ذهولًا منه.
جلست المرأة على ركبة واحدة عند قدميها، ثم حدّقت مليًّا في عيني تاليا الزرقاوين الضبابيتين وسألتها.
“هل سبق أن وضع أحدهم شيئًا غريبًا في طعامكِ؟”
“……نعم.”
“ماذا وضعوا؟”
“فأرًا ميتًا…….”
توقّف نفسه للحظة.
كانت تاليا تضع أصابعها عند فمها وتعضّها بخفة، ثم تمتمت بلهجة طفولية.
“وكانوا يضعون أحيانًا طيورًا ميتة، أو يرقات، أو مئويات، أو ديدانًا أرضية، وأشياء من هذا القبيل.”
“……كم كان عمركِ عندما تعرضتِ لمثل هذه الأمور؟”
“تسع سنوات…….”
كشف كان عن أنيابه دون وعي وأطلق زمجرة، لكنه كبح نية القتل عندما رأى تاليا تنكمش مرتجفةً.
ومع ذلك، لم يستطع السيطرة على الغضب المتأجج في داخله.
عضّ على أسنانه حتى كادت الشعيرات الدموية في عينيه تنفجر، محاولًا كبح الغضب المتصاعد، ثم دفن وجهه في ركبتيها وأخذ نفسًا عميقًا.
لو كان يستطيع، لودّ تمزيق البشر الذين فعلوا بها ذلك إربًا إربًا دون أن يترك منهم أثرًا.
وشعر بالغضب الذي ظل يكبته طوال الوقت يمزّق جسده بأكمله، فراح جسده يهتز بعنف.
لقد كرّس معظم حياته للإمبراطورية. وكان يؤمن بأن الولاء للإمبراطورية وخدمة العائلة الإمبراطورية واجب فُرض عليه.
لكن الإمبراطورية التي حماها بحياته كانت قد آذت ودنّست أثمن كنز في حياته. أما هو، فلم يكن طوال فترة تعرضها لكل تلك الأمور سوى متفرج جاهل.
شعر بحرارة عينيه، فأغمضهما بقوة. واختلط الحزن والغضب والرغبة في القتل، وهي تغلي بلا سيطرة في صدره.
كان جسده يكاد ينفجر من شدة رغبته في إحراق العائلة الإمبراطورية بأكملها. أراد أن يسحق سينيفيير والإمبراطور بلا رحمة، لأنهما تركاها تتعرض لمثل تلك الأمور. كما أراد أن يجعل غاريس يتلوّى طوال حياته في الندم والألم اللذين لن يتمكن من التخلص منهما أبدًا. وكان يكره نفسه بشدة أيضًا، لأنه وضعها جانبًا لحماية ذلك الرجل.
“كان، لماذا تبكي؟ هل يؤلمك شيء؟”
أحاطت وجهه بيديها، ومسحت بطرف إبهامها عينيه المبللتين، ونظرت إليه بقلق.
دفن وجهه في مؤخرة عنقها، وأطلق زفيرًا خشنًا أقرب إلى النحيب. وظلت تيوران تنظر إليه بهدوء، ثم همست بصوت لطيف.
“يبدو أن كان قلق أيضًا بشأن سموّك. إذا واصلتِ تخطي وجباتكِ، فسيشعر هذا الصغير بالقلق أيضًا.”
هزّت تاليا رأسها ببطء، وهي لا تزال تحدّق بشرود وكأن وعيها لم يعد صافيًا.
“ومع ذلك، لا أريد. ماذا لو وضعوا شيئًا قذرًا ومقززًا فيه مجددًا؟”
“لا تقلقي. سأشرف على الأمر جيدًا، حتى لا يوضع أي شيء غير نظيف في طعام سموّكِ على الإطلاق.”
لم تجب تاليا، وظل أحد خديها ملتصقًا بمؤخرة عنقه.
وبعد أن راقبتها تيوران بصمت، أضافت كما لو كانت تحاول إقناع طفلة صعبة المراس.
“سيعود الدوق الأكبر بعد بضعة أيام. ألا تريدين أن تستعيدي بعضًا من صحتكِ قبل عودته؟”
رفعت المرأة، التي كانت متشبثة بجسده بقوة وهي تلف البطانية حول نفسها، رأسها بتردد.
“باركاس سيعود؟”
“وصلت قبل أسبوع برقية تفيد بأنه سيغادر المنطقة الحدودية متجهًا إلى كالمور. ولعله الآن قد مرّ بطريق الشمال الشرقي، ووصل إلى المنطقة القريبة من غابة أرموند.”
عندها فقط عادت إلى عيني تاليا حيوية خافتة. ونهضت من السرير مترنحة.
“إذن سأكل. أحضروه لي بسرعة.”
“أحسنتِ التفكير. سأجهزه لكِ حالًا.”
أخرجت تيوران رداءً من الخزانة، ووضعته على كتفيها، ثم أحكمت ربط حزام الخصر لها، وخرجت.
راقب كان بألم تاليا وهي تجلس متكوّرة على الكرسي أمام الطاولة. وشعر أن قلبه ينهار أمام منظرها وهي تتعلق بذلك الرجل الذي لا قيمة له إلى هذا الحد.
ذلك الرجل لا يستحق هذا الحب الذي تمنحه له. وهو نفسه، الموجود هنا الآن، لا يستحقه أيضًا.
******
المترجمة مروة ♡
الفصل يجيب البكية 🫠🫠💔💔
تاليا و باركاس الاثنين جابولي الهم
♡♡♡♡♡
حساب الأنستا : Maxi_mine06
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.