مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 289نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 289

 

​”إذًا…… ماذا تنوينَ أن تفعلي الآن؟”

 

تطلّعت إلى الجثّةِ المقطوعةِ الرأسِ بنظراتٍ تائهةٍ، وسألت بصوتٍ مرتجفٍ.

 

​لم تستطع تاليا أن تجيبَ بشيءٍ، واكتفت بضمّ عنقِ كان الرطبِ بقوّةٍ.

 

​ظلّت تيوران ترقبُ ذلك المشهدَ بصمتٍ لبرهةٍ، ثمّ أطلقت تنهيدةً ثقيلةً ودنت من بركةِ الدماءِ.

 

​”……لنعالج أمرَ هذه الجثّةِ أوّلًا.”

 

ثمّ أمسكت بساقي ماريسين، وجرّتها إلى الأسفلِ نحو منحدرٍ ضئيلٍ تتكاثفُ فيه الأعشابُ.

 

​اتّسعت عينا تاليا.

 

لم تتوقّع أن تبادرَ تيوران بنفسها لإخفاءِ الجثّةِ.

 

نهضت بتسلّلٍ وخطت نحو تيوران.

 

​حفرت تيوران الأوراقَ المتراكمةَ والتربةَ العفنةَ لبعضِ الوقتِ بغصنٍ سميكٍ التقطتهُ من مكانٍ ما، ثمّ ألقت جسدَ المرأةِ الملطّخ بالدماءِ هناك بترتيبٍ.

 

وحين همّت بحثوِ الترابِ عليه، التفتت حولها وكأنّها انتبهت مؤخّرًا إلى أنَّ الجزءَ الواقعَ فوقَ الكتفينِ فارغٌ.

 

​كان رأسُ ماريسين قابعًا تحتَ شجيرةٍ تبعدُ بضعَ خطواتٍ.

 

تناولتهُ تيوران بحذرٍ وهبطت ثانيةً إلى أسفلِ المنحدرِ لتضعهُ بجانبِ الجسدِ، ثمّ شرعت تجرفُ الترابَ والأوراقَ الجافّةَ لأغلاق الحفرةِ.

 

​وحين توارتِ الجثّةُ تمامًا، صعدت تيوران إلى أعلى المنحدرِ مجدّدًا، وقالت بنبرةٍ هادئةٍ:

 

“هناك نبعٌ على بعدِ مسافةٍ قصيرةٍ. من الأفضلِ أن نغسلَ الدماءَ هناك.”

 

​رمقتها تاليا بنظراتٍ ملؤها الشكّ.

 

لم تفهم سببَ اندفاعِ تيوران للمساعدةِ بهذا الشكلِ من أجلها ومن أجلِ كان.

 

غيرَ أنَّ الوقتَ لم يكن مناسبًا لاستجلاءِ الأسبابِ.

 

اصطحبت تاليا كان وتتبّعت تيوران على الفورِ.

 

​وكما قالت، لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى عثرتا على نبعٍ صغيرٍ بينَ أشجارِ السندرِ المتكاثفةِ.

 

اقتربت تاليا منه، ومسحت بقعَ الدماءِ المتلطّخةَ على فمِ كان وعنقهِ بماءِ النبعِ الباردِ كالثلجِ لتنظيفها.

 

​راقبتها تيوران بصمتٍ، ثمّ مدّت يدها نحوها.

 

“من الأفضلِ إزالةُ بقعِ الدماءِ عن ثيابِ سموّكِ أيضًا. أعطيني إيّاها.”

 

​خالعت تاليا معطفها فورًا وسلمتهُ إليها.

 

​غمرتهُ تيوران في ماءِ النبعِ لتغسلَ آثارَ الدماءِ، ثمّ عصرتهُ جيّدًا وعادت لتقدمهُ إليها وهي تقولُ:

 

“إذا توجّهنا نحو بوابةِ القلعةِ الآنَ، فسنلتقي بالجنودِ. هناك ممرٌّ سريٌّ، ومن الأفضلِ الذهابُ عبرهُ.”

 

​”ممرٌّ سريٌّ؟”

 

قطعت تاليا حاجبيها وتساءلت وهي تضعُ المعطفَ المبتلَّ على كتفيها.

 

​هزّت تيوران كتفيها بخفّةٍ وكأنّ الأمرَ لا أهميةَ له.

 

“إنّه ممرٌ عثرتُ عليه بالصدفةِ أثناءَ ترتيبِ المستودعِ. باستخدامهِ، سنتمكّنُ من الدخولِ إلى القلعةِ دونَ أن يرانا الجنودُ.”

 

​ثمّ أخذت بساعدها بطلبٍ، وشرعت تمشي بخطواتٍ سريعةٍ.

 

​سارتا لفترةٍ عبرَ طريقٍ وعرٍ تتكاثفُ فيه الأشجارُ والشجيراتُ.

 

وتحتَ منحدرٍ حادٍّ، ظهرت صخورٌ كبيرةٌ متراكمةٌ.

 

اقتربت تيوران منها، وأشارت إلى شقٍّ ضيّقٍ بينَ الجدرانِ الصخريّةِ الكبيرةِ قائلةً:

 

“مِن هنا.”

 

​تطلّعت تاليا بنظراتٍ مريبةٍ إلى داخلِ الكهفِ المظلمِ.

 

داخلَ الكهفِ الذي يبلغُ ارتفاعهُ نحو 5 كفيتات (حوالي 150 سنتيمترًا)، كانت هناك درجاتٌ حجريّةٌ منحوتةٌ بغشامةٍ تمتدّ إلى الداخلِ.

 

​دخلت تيوران إلى الداخلِ باعتيادٍ، وأشعلتِ النارَ بمصباحٍ معلقٍ على الجدارِ، ثمّ أومأت برأسها نحو تاليا.

 

“الأرضيةُ غيرُ مستويةٍ تحتَ الأقدامِ، لذا اتّبعيني بحذرٍ.”

 

​تردّدت تاليا مليًّا وهي تحتضنُ كان، ثمّ خطت بحذرٍ داخلَ الكهفِ.

 

​وبعدَ الهبوطِ على الدرجاتِ، ظهرَ ممرٌ واسعٌ نسبيًّا أمامَ أعيُنهما.

 

جالت بنظرها حولَ المكانِ بعنايةٍ.

 

كانتِ الأعمدةُ الحجريّةُ منتصبةً على جانبي الممرّ بمسافاتٍ منتظمةٍ، وتناثرت حلقاتٌ حديديّةٌ صدئةٌ هنا وهناك على الجدرانِ.

 

يبدو أنّه كان ممرّ طوارئٍ صُمّمَ منذُ زمنٍ بعيدٍ.

 

​”إلى أين يؤدي هذا النفقُ؟”

 

“يؤدّي إلى مستودعِ القصرِ الرئيسيّ السلفيّ. لن نحتاجَ سوى لعشرِ دقائقَ أخرى تقريبًا من المشي.”

 

​أجابت تيوران بهدوءٍ، ثمّ تقدّمت للسيَرِ مجدّدًا.

 

​فكرت تاليا بهذا التصرفِ الهادئَ لبعضِ الوقتِ، وأخيرًا نطقت بالشكّ الذي كان يجولُ في رأسها.

 

“منذُ متى عرفتِ بذلك……أنّ ماريسين كانت تؤذيني؟”

 

​توقّفت تيوران لبرهةٍ، ثمّ تابعت خطواتها وأجابت ببرودٍ:

 

“لقد ساورتني الشكوكُ منذُ أن انهارت سموّكِ فجأةً خلالَ الجولةِ الشرقيةِ.”

 

​تجمّدت تاليا من الصدمةِ.

 

“أكنتِ تشكّينَ في تلك المرأةِ منذُ ذلك الوقتِ البعيدِ؟”

 

“لم أكن أشكُّ منذُ البدايةِ في أنّ السيدةَ ماريسين تتعمّدُ إيذاءَ سموّكِ. بل ظننتُ فقط أنَّ هناك أمرًا مريبًا.”

 

​أردفت وكأنّها تبرّرُ: “في ذلك الوقتِ، لم تكن وصفاتي الطبيةُ بمستوىً يسبّبُ مثلَ تلك الآثارِ الجانبيّةِ. لذا شككتُ في احتمالِ حدوثِ تفاعلٍ سيّئٍ بينَ الدواءِ الذي وصفتهُ السيدةُ ماريسين والدواءِ الذي أعددتهُ.”

 

​أظلمَ وجهُ تاليا مع ذكراهَا التي لمعت فجأةً.

 

“على ذكرِ ذلك، أذكرُ أنّ ماريسين طلبت في ذلك الوقتِ فحصَ الدواءِ الذي صنعتهِ. قائلةً إنّها تريدُ التثبّتَ من مكوّناتهِ……”

 

​”كما توقّعتُ إذًا.”

 

هبطت ظلالٌ داكنةٌ على وجهِ تيوران.

 

“يبدو أنّ السيدةَ ماريسين كانت تمتلكُ معرفةً واسعةً جدًّا بالتفاعلاتِ السامّةِ بينَ العقاقيرِ. وبناءً على تلك المعرفةِ، ربما مزجت في المرهمِ أو البخورِ الذي كنتِ تستخدمينهُ آنذاك مكوّناتٍ ترفعُ من السميّةِ في العيّنةِ التي أعددتها.”

 

​شعرت تاليا بقشعريرةٍ تسري في ظهرها.

 

بالتأكيدِ، تذكّرت أنّ ماريسين ظلّت تعملُ بمفردها كمعالجةٍ خاصةٍ لها لفترةٍ بعدَ تلك الحادثةِ.

 

​إن صحّت شكوكُ تيوران، فقد أزاحت ماريسين الشخصَ الذي يعوقُ تنفيذَ مهمّتها بفاعليّةٍ.

 

​سألت بنبرةٍ صارمةٍ: “ولهذا السببِ طلبتِ العودةَ لتكوني معالجتي الخاصةَ؟ لأنّكِ ظننتِ أنّ ماريسين مريبةٌ؟”

 

​أومأت تيوران برأسها.

 

“نعم، أردتُ مراقبةَ وصفاتها ومراحلِ علاجها عن قربٍ. لم يكن بمقدوري اتهامُ شخصٍ بريءٍ لمجرّدِ شكوكٍ لا داعيَ لها، لذا نويتُ البحثَ عن دليلٍ قاطعٍ.”

 

​وفجأةً، انتشرت مرارةٌ حولَ شفتيها.

 

“لكن على عكسِ توقعاتي، لم تكن هناك أيّةُ نقطةٍ مريبةٍ في وصفاتها. لذا فكّرتُ لبعضِ الوقتِ في أنّ شكّي ربما كان في غيرِ محلّهِ.”

 

​تساءلت تاليا وكأنّها لا تفهمُ: “لم تكن هناك أيّةُ نقطةٍ مريبةٍ؟”

 

“نعم، كلّ دواءٍ صنعتهُ لم تكن فيه أيّ مشكلةٍ بمفردهِ. لكن، يبدو أنّها مزجت عدّةَ أدويةٍ بدهاءٍ لكي تظهرَ آثارٌ جانبيةٌ وأعراضُ تسمّمٍ متنوعةٌ عندَ استخدامها معًا. وحتى لا ألاحظَ ذلك، يبدو أنّها استخدمت كمياتٍ ضئيلةً للغايةِ من الأعشابِ السامةِ بالتناوبِ بينَ البخورِ والمراهمِ والجرعاتِ خاصتكِ.”

 

​تسرّبت تنهيدةٌ ثقيلةٌ من فمها.

 

“ثمّ مؤخّرًا، حينَ رأت تعافي صحةِ سموّكِ، تملكّها القلقُ فبدأت في استخدامِ أعشابٍ أكثرَ سميّةً. ونتيجةً لذلك، افتُضِحَ أمرها أمامي في النهايةِ.”

 

​لم تستطع تاليا قولَ أيّ شيءٍ لبعضِ الوقتِ.

 

​الهلاوسُ والتهيؤاتُ السمعيةُ التي عانت منها خلالَ تلك المدّةِ، والآلامُ الشديدةُ الموجعة والتشنجاتُ التي كانت تعذّبها كلّ ليلةٍ……. أكان كلّ ذلك من مكرِ تلك المرأةِ؟

 

​لمست ذراعها التي عادت تهزُلُ مجدّدًا في الأسابيعِ القليلةِ الماضيةِ.

 

الجلدُ الذي كان قد استردّ لونه النَضِرَ كما كانَ قبلَ سنواتٍ، صارَ شاحبًا بوضوحٍ حتّى في العتمةِ.

 

​حدقت تاليا في ظهرِ يدها النحيلةِ ذاتِ العروقِ البارزةِ بنظراتٍ تائهةٍ، وسألت بصوتٍ خافتٍ فجأةً:

 

“إذًا جسدي…… إلى أيّ حدٍّ تضرّرَ؟”

 

​توقّفت تيوران التي كانت تضعُ قدمها على الدرجِ في نهايةِ النفقِ، والتفتت لتنظرَ إليها.

 

​تجنّبت تاليا تلك النظراتِ وأخفضت عينيها، وحرّكت شفتيها بصعوبةٍ.

 

“أنا…… ألن أتمكّنَ من الإنجابِ مرّةً أخرى أبدًا؟”

 

​”الأمرُ ليس كذلك.”

 

قبضت تيوران على كتفها بيدٍ واحدةٍ، وقالت بنبرةٍ جازمةٍ:

 

“لأكونَ صادقةً معكِ، صحيحٌ أنّكِ ضعفتِ كثيرًا. لكنّ الأمرَ لم يصل بعدُ إلى مرحلةٍ لا يمكنُ تداركها.”

 

​رفعت تاليا عينيها الدامعتينِ لتنظرَ إليها.

 

​واصلت تيوران حديثها بلطفٍ وكأنّها تهدِئها: “سأساعدكِ، فلا تقلقي. طالَما عرفنا نوعَ الدواءِ الذي كانت تستخدمهُ، فلن يكونَ إبطالُ سمّيتهِ أمرًا صعبًا.”

 

تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو

 

* * * 

 

زرفت الفصل من مروة وترجمته لكم~~

 

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.