مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 286نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 286

 

*********

 

كانتْ تاليا تعقد حاجبيها وهي تستمع إلى ذلك الحديث المريب، فتدخلتْ فجأة بينهما. وما إن فعلتْ حتى شهقتْ الفتاة التي كانت تتفحص قارورة الدواء بعينين لامعتين، وسحبتْ يدها بسرعة.

 

نظرتْ تاليا إليها بريبة، بينما أطلقتْ الفتاة ضحكة محرجة وقالتْ بتلعثم:

 

“ربما لن تحتاج سموّكِ إلى هذا الدواء طوال حياتها.”

 

“إذًا ما هذا الدواء؟”

 

عندما أعادتْ تاليا السؤال بنفاد صبر، نظرتْ الفتاة إلى تيوران بوجه حائر. لكن تيوران أيضًا لم تفعل سوى أن أشاحتْ بنظرها بملامح محرجة.

 

شعرتْ تاليا بانزعاج شديد من تصرفها الذي بدا وكأنها تخفي عنها سرًا، فقالتْ بحدة:

 

“إن لم تجيبي، فسأبلغ عن وجود تجارة مريبة للمواد الدوائية في هذا المنزل.”

 

شحبتْ وجوه النساء الثلاث في الحال.

 

وفي النهاية، اقتربتْ إحدى الفتاتين من أذن تاليا واعترفتْ بصوت خافت يكاد لا يُسمع:

 

“هذا… جرعة حب.”

 

نظرتْ تاليا إلى وجه الفتاة بعينين متسعتين من الدهشة.

 

ثم أضافتْ الفتاة، وقد احمرّ خداها خجلًا، بصوت رقيق يحمل شيئًا من الدلال:

 

“إنه ليس دواءً خطيرًا على الإطلاق. إنه فقط… دواء يمنح الفتيات اللواتي يعانين من حمى الحب من طرف واحد قدرًا بسيطًا من الشجاعة، إن صحّ التعبير.”

 

لم تستطعْ تاليا سوى إطلاق ضحكة خاوية من شدة عبثية الكلام، لكنها سرعان ما أدارتْ رأسها نحو تيوران وحدقتْ في وجهها طويلًا.

 

“أنتِ حقًا صنعتِ جرعة حب كهذه؟”

 

“…إنه مجرد مستحضر يسبب وهمًا مؤقتًا يجعل المرء يشعر وكأنه وقع في الحب.”

 

قالتْ تيوران، وهي تمرر يدها على طرف فمها بحرج، ثم أطلقتْ تنهيدة عميقة.

 

“عند تناول هذا الدواء، يصبح الذهن ضبابيًا، وتتسارع ضربات القلب، وتشعر البشرة بالحرارة. كما ينتاب المرء شعور وكأنه وقع في حب عارم، ويشعر بانجذاب شديد للغاية إلى الشخص من الجنس الآخر الموجود بالقرب منه.”

 

ابتلعتْ تاليا ريقها الجاف، وظلتْ تحدق في قارورة الدواء التي كانت لا تزال في يد الفتاة.

 

ولعل تيوران لاحظتْ الاهتمام الشديد الذي ظهر عليها، فسارعتْ إلى الإضافة:

 

“لكن مفعول الدواء يزول بعد نحو نصف يوم. ولا يترك أي آثار جانبية تُذكر.”

 

أخفتْ تاليا خيبة أملها بصعوبة.

 

“إذًا لا معنى له أصلًا. سيعود المرء إلى حالته الطبيعية قبل أن يمر يوم واحد، فما الداعي إلى بذل كل هذا العناء بلا فائدة؟”

 

وعندما سخرتْ منها بصوت أبرد من المعتاد، راقبتْها الفتاة بحذر، ثم ردتْ بنبرة غاضبة:

 

“حتى لو استعنا بقوة الدواء في البداية، فقد يكون ذلك سببًا لبدء حب حقيقي بينهما، أليس كذلك؟”

 

“ألا تفكرين في احتمال أن يكرهكِ الطرف الآخر عندما يعرف أنكِ جعلتِه يتناول الدواء؟”

 

“فقط لا تدعيه يكتشف الأمر!”

 

رفعتْ تاليا أحد حاجبيها أمام الإجابة الوقحة، وفي تلك اللحظة، سمعتْ فجأة وقع خطوات ثقيلة.

 

أدارتْ رأسها فوق كتفها، فرأتْ أحد الحراس يقترب بخطوات واسعة، فعقدتْ حاجبيها. وقال الحارس بنبرة يشوبها الانزعاج:

 

“سموّكِ، أظن أن من الأفضل أن نغادر الآن. إذا واصلنا التلكؤ هنا، فسيتجمع الناس من جديد.”

 

“حسنًا. سنذهب، أليس كذلك؟”

 

ردتْ تاليا بفظاظة، ثم أمسكتْ برداء تيوران واقتربتْ من العربة من جديد. وبعد ذلك فتحتْ الباب وجلستْ على المقعد فوق الغطاء السميك المفروش عليه.

 

جلستْ تيوران بعد ذلك في المقعد المقابل، وسرعان ما بدأتْ العربة بالتحرك.

 

دفنتْ تاليا وجهها فورًا في حجرها، وأخذتْ تداعب كان الذي كان يتدلل عليها بحماس. ثم فتحتْ فمها قائلةً بخفوت:

 

“هل تصنعين أدوية كهذه كثيرًا في العادة؟”

 

“…أصنعها أحيانًا إذا طُلب مني ذلك.”

 

“حقًا؟”

 

رفع كان رأسه فجأة وحدق فيها مطولًا، وكأنه التقط شيئًا من التوق الكامن في صوتها.

 

تنحنحتْ تاليا وكأنها تحاول كبح ذلك الشعور، ثم أضافتْ بفظاظة:

 

“من الآن فصاعدًا، تحلّي ببعض ضبط النفس. فقد تتهمكِ الكنيسة بالهرطقة إذا واصلتِ صنع وبيع مستحضرات لم توافق عليها.”

 

“سأضع ذلك في اعتباري.”

 

ابتسمتْ ابتسامة لطيفة.

 

ظلتْ تاليا تحدق في وجهها طويلًا، ثم حولتْ نظرها في النهاية إلى خارج النافذة.

 

وبعيدًا خلف الحقول التي بدأ الظلام يهبط عليها تدريجيًا، كان لحن قديم من أغاني الشرق يتردد في الأجواء بخفوت.

 

*******

 

وصل خبر إبرام معاهدة تعزيز السلام بعد نحو أسبوعين من انتهاء مهرجان الربيع.

 

عندما سمعتْ تاليا الخبر للمرة الأولى، لم تعره اهتمامًا كبيرًا. فقد انتشرتْ شائعات انتهاء الحرب عدة مرات من قبل، لكنها كانتْ تتلاشى في كل مرة دون نتيجة.

 

لكن الأمر بدا مختلفًا هذه المرة. فبعد وصول تقرير يفيد بأن وفدي الإمبراطورية والتحالف الشمالي قد بدآ المفاوضات، وصل أيضًا نبأ يفيد بأن باركاس سيعود قريبًا.

 

غمر تاليا شعور بالسعادة يكاد يشبه القشعريرة.

 

باركاس سيعود.

 

ستتمكن من رؤيته بعد غياب دام نحو نصف عام.

 

كان مجرد ترديد هذه الحقيقة في ذهنها كفيلًا بجعل قلبها يمتلئ حتى يكاد ينفجر من شدة الفرح. كم عانتْ من القلق طوال هذه المدة! صحيح أنه كان متمركزًا في المناطق المحيطة بـ بالتو، وليس في الخطوط الأمامية، لكن لم يكن أحد يعرف متى أو كيف قد تتغير ظروف الحرب فجأة.

 

فقد تأمره الإمبراطورية بالتقدم إلى الأمام، أو قد تشن بالتو هجومًا واسع النطاق لاستعادة القلاع الموجودة في المناطق المحيطة.

 

وفي كل مرة كانتْ تتخيل فيها مثل هذه الاحتمالات، كانتْ تاليا تعاني من اكتئاب شديد. ولولا أن كان ظل إلى جوارها، لربما فقدتْ عقلها منذ زمن.

 

ومنذ اليوم الذي تلقتْ فيه النبأ، ظلتْ تاليا تتحقق من التاريخ عدة مرات في اليوم، وتنتظر عودته بفارغ الصبر. لكن شعورها بالبهجة والسعادة تلاشى بعد وقت قصير وكأنه لم يكن. فقد بدأتْ حالتها الجسدية بالتدهور في مرحلة ما.

 

في البداية، ظنتْ أن الأمر مجرد إرهاق. كانتْ أطرافها تشعر بالثقل كل صباح وكأنها مصنوعة من الرصاص، ومهما بقيتْ مستلقية فترة طويلة، لم تكنْ تشعر بالانتعاش بسهولة. كما انخفضتْ شهيتها بشكل ملحوظ. فبعد أن تجبر نفسها على تناول بضع ملاعق من الطعام، كان الغثيان ينتابها، فلا تعود قادرة على ابتلاع المزيد.

 

وبعد مرور بضعة أيام، ازدادتْ الأعراض سوءًا.

 

كانتْ تتصبب عرقًا باردًا بغزارة من دون سبب واضح، ثم يصيبها القشعريرة بعد ذلك بقليل، كما أصبحتْ تعاني كثيرًا من آلام في عضلات جسدها كله. وخصوصًا في الليل، كانتْ تشعر بحكة مزعجة في باطن ساقيها وبألم نابض في مفاصل عظامها، فلا تستطيع البقاء مستلقية بهدوء.

 

كانتْ تيوران تدلكها كثيرًا لتخفيف الأعراض، كما أن ماريسين أعدّتْ لها أدوية جديدة عدة مرات، لكن لم يظهر أي تحسن يُذكر. بل على العكس، كلما مر الوقت، ظهرتْ أعراض غريبة جديدة واحدة تلو الأخرى.

 

في ساعة مبكرة من الفجر، استيقظتْ تاليا بعدما شعرتْ بوخز شديد للغاية في جلدها، ففزعتْ عندما رأتْ سقف الغرفة مغطى بالكامل بفراشات ذات أجنحة حمراء.

 

ولم تدركْ إلا بعد عدة ثوانٍ أن ما تراه مجرد هلوسة.

 

لقد عادتْ الأعراض التي كانتْ قد خمدتْ لفترة من الزمن.

 

جلستْ تاليا على حافة السرير وأخذتْ تهدئ أنفاسها المتسارعة. وبقيتْ على تلك الحال فترة لا تعرف مقدارها، قبل أن تشعر فجأة بأنفاس دافئة تهب على مؤخرة عنقها.

 

رفعتْ تاليا رأسها، والتقتْ بعينين رماديتين مزرقتين تحدقان فيها بثبات، فمدتْ يدها إليه بكل ما أوتيتْ من قوة.

 

شعرتْ بأطرافها التي كانتْ ترتجف ارتجافًا خفيفًا وهي تستمد الدفء من جسد كان، وقد بدأتْ تسترخي تدريجيًا.

 

دفنتْ جانب وجهها في عنق كان الكثيف الفرو، وأخذتْ تتفحص الغرفة. وكانتْ أسراب الفراشات التي بلغ عددها آلافًا قد اختفتْ هي الأخرى دون أن تترك أي أثر.

 

أخذتْ تاليا تجول بنظرها بحذر في غرفة النوم التي تسلل إليها ضوء الفجر الخافت، ثم نهضتْ وسارتْ نحو النافذة.

 

فتحتْ النافذة على مصراعيها، وأخذتْ تدفع هواء الفجر البارد إلى صدرها المكتوم كما لو كانتْ تستنشق دخانًا، فرأتْ شخصًا يرتدي رداءً أسود يمر بسرعة في أحد أطراف الحديقة.

 

ضيّقتْ عينيها.

 

وعلى الرغم من أن الشخص كان يرتدي غطاءً يخفي وجهه، فإنها استطاعتْ معرفة هويته فورًا من هيئته وحدها.

 

‘تيوران؟’

 

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.