مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 285نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 285

 

**********

 

“اعذري وقاحتي. بدا عليكِ الارتباك، لذلك اصطحبتكِ إلى الداخل أولًا.”

 

قالتْ تيوران ذلك وهي تترك ذراعها.

 

أخذتْ تاليا تتلفت حول المكان المعتم بملامح حائرة.

 

كانت هناك مساحة ضيقة تبدو كأنها مطبخ، وقد تناثرت فيها الأدوات المنزلية هنا وهناك. رفوف مكتظة بالأواني الفخارية والأوعية الخشبية، وموقد يتسلل منه ضوء خافت، وطاولة طعام قديمة لكنها مرتبة بعناية، ودرج خشبي يصل إلى الطابق العلوي… كان من الواضح أن أحدًا يعيش في هذا المنزل بالفعل.

 

عادتْ تاليا بنظرها إلى تيوران.

 

“ماذا تفعلين في مكان كهذا؟”

 

“آه، الأمر هو…”

 

تيوران، التي لم تكن تتلعثم عادةً، أطالتْ آخر كلامها وكأنها في حرج، ثم أضافتْ بنبرة متكلفة:

 

“جئتُ بناءً على طلب أحد معارفي لأوصل دواءً إلى شخص ما.”

 

ضيّقتْ تاليا عينيها.

 

“أي دواء؟”

 

“إنه من نوع حساس قليلًا… لذلك يصعب عليّ أن أخبركِ.”

 

أطلقتْ تيوران ضحكة محرجة وحاولتْ تغيير الموضوع بسلاسة.

 

“على أي حال، يبدو أن الناس لا ينوون التفرق. أظن أن من الأفضل أن تنتظري هنا قليلًا حتى يهدأ الضجيج.”

 

لم تجبْ تاليا، بل ألقتْ نظرة إلى الخارج من خلال شقوق المصاريع. كان عشرات الأشخاص يطوقون المبنى من جميع الجهات. بل بدا أن الحشد قد ازداد بعدما انضم المارة واحدًا تلو الآخر.

 

أغلقتْ تاليا المصاريع بوجه مستاء. كان من الواضح أنها ستُحاصر بالناس من جديد إن خرجتْ في هذه الحالة.

 

“أليس لديهم ما يفعلونه؟”

 

“يبدو أن الجميع في حالة من الحماس، فهي أول مرة يُقام فيها مهرجان منذ مدة طويلة. وفوق ذلك، بما أن سموّكِ بهذا الجمال، فلا عجب أن تندلع ضجة كهذه.”

 

رمشتْ تاليا بعينيها أمام هذا المديح الصريح، ثم خفضتْ عينيها بحرج.

 

كانتْ ترتدي اليوم تنورة زرقاء مطرزة بنقوش الكروم، وفوقها رداءً خارجيًا من الحرير الأبيض. وعلى كتفيها لفتْ قطعة طويلة من القماش بلون أزرق سماوي فاتح تحمل النقوش ذاتها، بينما علّقتْ حول عنقها قلادة تتدلى منها أحجار كريمة متعددة الألوان أهداها إليها السكان، وربطتْ حول خصرها زينة معدنية تتدلى منها أجراس صغيرة.

 

كانت هذه هيئة شائعة بين النساء الثريات في المنطقة الشرقية عند خروجهن، لكن بشرتها البيضاء النادرة في هذه المنطقة، وشعرها الأشقر الطويل المنسدل، فضلًا عن الزهور التي زينتْ بها شعرها، جعلتْ مظهرها كفيلًا بلا شك بجذب أنظار الناس. ناهيك عن أنها كانت تتجول في الشوارع برفقة كان أيضًا، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحمس المحتشدون، الذين أثارهم جو المهرجان، وكأنهم عثروا على مشهد نادر يستحق الفرجة.

 

تنحنحتْ تاليا بلا سبب.

 

“لن تحصلي على شيء من التملق.”

 

“أنا لم أفعل سوى قول الحقيقة. ففي كل مرة تخرجين فيها من القصر، تضطرب المدينة بأكملها.”

 

أجابتْ تيوران بهدوء، ثم ألقتْ نظرة خاطفة إلى الخارج وأضافتْ:

 

“كانوا يكتفون طوال الوقت بالتلصص عليكِ من بعيد، لكن يبدو أن الجميع تحلّى بالشجاعة اليوم. أظن أن هذه الفوضى ستستمر فترة طويلة.”

 

أدركتْ تاليا القلق الخفي في صوتها، فتكدّر وجهها. فقد تسلل إليها شعور غامض بالقلق عندما تذكرتْ الهتافات الحماسية التي أطلقها الناس قبل قليل.

 

ربما كانت الكلمات التي تفوه بها أولئك الأشخاص دون تفكير، تحت تأثير حماسة المهرجان، لكن الكنيسة قد تتعامل معها بحساسية. وفي أسوأ الأحوال، قد تتخذ ذريعة وتتهمها بأنها تحرض على أفكار تيرامير.

 

‘أرجو ألّا ينتهي الأمر بمتاعب مزعجة.’

 

تنهدتْ بخفوت وهي تفرك رأسها الذي بدأ يؤلمها، فقالتْ تيوران وهي تسدل الستارة فوق النافذة:

 

“أولًا، من الأفضل أن ندخل كان إلى الداخل. إذا أبقيته في الخارج، فسيتجمع المزيد من المتفرجين.”

 

فتحتْ تاليا باب المدخل على الفور. وفي اللحظة ذاتها، رفع كان رأسه بسرعة، وكان جاثمًا أمام العتبة، وبدأ يهز ذيله بحماس. يبدو أنه كان يحرس المدخل بقلق، عاجزًا عن كسر الباب والدخول إليها.

 

وما إن رآها حتى أطلق كان صوت أنين خافت من أعماق حلقه، فأخذتْ تاليا تهدئه برفق وتقوده إلى داخل المبنى.

 

وبسبب ضخامة جسده، لم يكن من السهل عليه عبور الباب الضيق، لكنها تمكنتْ أخيرًا من إدخاله بعد أن جعلته يلوي جسده يمينًا ويسارًا عدة مرات.

 

قادته تاليا، ، إلى غرفة الطعام الأكثر اتساعًا نسبيًا لأنه كان يملأ المساحة الضيقة بأكملها تقريبًا، ثم نظرتْ نحو تيوران. كانت الأخيرة تضع قدرًا فوق الموقد وتغلي فيه شاي الأعشاب.

 

“هناك مريضة لا تستطيع الحركة في الطابق الثاني. سأصعد لأتفقد حالتها قليلًا، فاستريحي هنا.”

 

قالتْ تيوران ذلك وهي تصب السائل الذي أعدته في كوب صغير.

 

أومأتْ تاليا بلا اكتراث كبير. أخذتْ تيوران قليلًا من شاي الأعشاب في كوب خشبي صغير وقدّمته إليها أيضًا، ثم صعدتْ الدرج الخشبي.

 

أخذتْ تاليا ترتشف الشاي الذي أعطتها إياه تيوران، بينما ظلتْ تلقي نظرات متكررة إلى الخارج عبر النافذة.

 ووقعتْ عيناها على مشهد الناس الذين تجمعوا هناك وهم يتفرقون واحدًا تلو الآخر.

 

وبينما كانتْ تستعد للنهوض من مكانها، بعدما بدا لها أن الوقت قد حان للخروج، انفتح باب المدخل فجأة ودخلتْ فتاتان نحيلتان، وقد اسمرّت وجوههما من الشمس.

 

“أمي، لقد عدتُ…!”

 

كانتْ إحدى الفتاتين تصرخ بمرح، لكنها ما إن رأتْ كان الذي يملأ المطبخ وتاليا حتى اتسعتْ عيناها كأن صاعقة أصابتها.

 

وضعتْ تاليا الكوب الذي في يدها، وأخذتْ تنظر إلى الاثنتين بالتناوب. عندها فقط، وكأنها استعادتْ وعيها، فتحتْ إحدى الفتاتين فمها على اتساعه وانحنتْ على عجل.

 

“ص، صاحبة السمو الدوقة الكبرى!”

 

أما الفتاة الأخرى، فقد بدا أنها أدركتْ هويتها متأخرة هي الأخرى، فأسرعتْ إلى خفض رأسها.

 

“س، سموّكِ، ما الذي جاء بكِ إلى منزلنا…؟”

 

“جئتُ مع تيوران.”

 

أجابتْ تاليا بفتور، وأشارتْ بذقنها نحو الدرج الضيق.

 

“إنها في الأعلى، فإذا كان لديكِ أمر معها فاصعدي إليها.”

 

“آه… يبدو أنها تعتني بأمي. فهي منذ أن أصيبتْ في ظهرها قبل أسبوع لا تستطيع الحركة من السرير إطلاقًا.”

 

أخذتْ الفتاة تثرثر بكلمات لم تُسأل عنها، ثم راحتْ تنظر بالتناوب إلى تاليا وكان، وابتلعتْ ريقها بصعوبة.

 

وأمام مظهرها الذي أوحى بأنها على وشك الإغماء في أي لحظة، أطلقتْ تاليا تنهيدة عميقة.

 

“لن نأكلكِ، فلا تشغلي بالكِ بنا وافعلي ما عليكِ فعله.”

 

رمشتْ الفتاتان في الوقت نفسه. وبدا أنهما فوجئتا قليلًا من تصرفها وكأنها صاحبة المنزل.

 

لكن تاليا لم تكترث، ونهضتْ من مكانها وراحتْ ترتب ملابسها التي اختلّ ترتيبها. ثم توجهتْ برفقة كان إلى باب المدخل، وفي تلك اللحظة تحديدًا، رأتْ تيوران تنزل الدرج بعدما أنهتْ علاج المريضة.

 

حركتْ تاليا ذقنها نحو تيوران.

 

“هل انتهيتِ من علاجها؟”

 

“نعم، انتهيتُ تمامًا.”

 

“إذًا لنعد معًا. يبدو أن الخارج أصبح هادئًا قليلًا الآن.”

 

ترددتْ تيوران للحظة، وكأنها تتردد في أمر ما، ثم أومأتْ برأسها.

 

ألقتْ تاليا عليها نظرة استغراب للحظة، ثم خرجتْ من المبنى برفقة كان.

 

كانتْ الشوارع قد أصبحتْ أكثر هدوءًا بشكل ملحوظ. يبدو أن الحرس استدعوا قوات الأمن لتفريق المتفرجين.

 

نادَتْ تاليا أحد الجنود الواقفين على امتداد الطريق، وأمرتْه بإحضار العربة. وبعد وقت قصير، توقفتْ عربة كبيرة ذات أربع عجلات أمام المنزل.

 

دفعتْ تاليا كان إلى داخلها، ثم استدارتْ لتحث تيوران على الإسراع. لكنها عبستْ عندما رأتْ الأخيرة واقفة عند عتبة الباب تتهامس مع الفتاتين.

 

كانتْ تيوران تهمس بشيء في أذن إحدى الفتاتين، ثم أخرجتْ من بين ثيابها قارورة دواء صغيرة بحجم إبهام اليد ومدّتها إليها.

 

‘الآن بعدما فكرتُ في الأمر… لقد قالتْ إنها جاءت لتوصيل دواء من نوع حساس.’

 

هل هاتان الفتاتان هما من طلبتا منها الدواء؟

 

أمالتْ تاليا رأسها بحيرة. فلم تكن هناك أي علامة على المرض في أيٍّ من الفتاتين، بل كانتا تبدوان مليئتين بالحيوية والنشاط.

 

وقد أثار الأمر فضول تاليا، فتقدمتْ بحذر من خلفهما. عندها وصل إلى أذنيها صوت تيوران الخافت.

 

“لا تستخدمي أكثر من ثلاث قطرات في المرة الواحدة. إنه دواء غير ضار بجسم الإنسان، لكن تناوله بجرعة كبيرة قد يجهد القلب.”

 

“سأكون حذرة، فلا تقلقي.”

 

“وأيضًا، يجب استخدامه عندما تكونان وحدكما فقط. وإلا…”

 

“وما هذا الدواء أصلًا؟”

 

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.