الفصل 284
*******
نظرتْ بعينين يملؤهما الشوق إلى الحقول التي تفتّحت فيها الأزهار البرّية، وإلى غابة أرموند التي بدأت تتوشّح بزرقة الربيع.
حتى الآن، ظلّت الحرب الأهلية مستمرّةً بلا أيّ بوادر تشير إلى نهايتها، تراوح مكانها دون حسم. لكنّها سمعتْ في الآونة الأخيرة أخبارًا تفيد بأنّ الجيش الإمبراطوري بدأ يستعيد زمام المبادرة، بعدما تمكّن من إسقاط المدن الرئيسية في شرق فالتو واحدةً تلو الأخرى.
لا بدّ أنّ التحالف الشمالي مضطربٌ بشدّة في هذه الأثناء. وإذا استقرّت كفّة الحرب على هذا النحو، فمن المرجّح أن تنتهي الحرب قبل حلول نهاية هذا العام.
وإذا حالفها الحظّ، فقد تتمكّن من لقاء باركاس قريبًا.
وعندها، كانت تنوي أن تبادر هي بالاقتراب منه والتحدّث إليه.
“لقد عانيتَ كثيرًا طوال هذه المدّة. أنا سعيدةٌ لأنّك عدتَ سالمًا.”
لو ألقتْ عليه تحيّةً كهذه، تُرى كيف ستكون ردة فعله؟
تخيّلتْ تاليا في ذهنها مشهد لقائها مجددًا به. ولأنّها لم تكن طوال الوقت تنطق أمامه سوى بالكلمات اللاذعة، فقد بدا لها تصرّفها الودود غريبًا ومحرجًا للغاية.
ولا شكّ أنّ باركاس نفسه سيشعر بقدرٍ غير قليل من الارتباك أمام تغيّرها المفاجئ. ألم تكن علاقتهما طوال السنوات الماضية فاترةً إلى حدّ يجعل اسم «الزوجين» مجرّد كلمةٍ لا معنى لها؟ ولعلّه، بل ربّما، يشعر براحةٍ أكبر في وضعهما الحالي.
تراجعتْ قليلًا الآمال التي كانت تضطرب في صدرها عند التفكير في هذا الاحتمال.
ماذا ستفعل إن دفعها باركاس بعيدًا أو عاملها بجفاء؟ هل تستطيع أن تتحمّل مثل ذلك الموقف؟
وبينما كانت تاليا غارقةً في أفكارها شاردة الذهن، سرعان ما استجمعتْ شتات نفسها.
لم تكن تريد أن تخاف وتنكمش منذ الآن بسبب أمرٍ لم يحدث حتى. وبالنظر إلى ما فعلته هي بباركاس طوال هذه المدّة، فإنّ مجرّد توقّعها أن يفتح لها قلبه فورًا لم يكن سوى طمعٍ منها.
‘لا داعيَ للاستعجال.’
كانت تنوي أن تبدأ أولًا بمحادثةٍ عادية معه. فإذا تحدّثا مرارًا وتكرارًا، فربّما تتحسّن علاقتهما تدريجيًّا.
وبعد أن رتّبتْ أفكارها في لحظة، استأنفتْ تاليا سيرها بخطواتٍ نشيطة. كانت تنوي اليوم أن تتفقّد المراعي القريبة، وأن تشتري مسبقًا كمية الصوف التي سيُنتجها هذا العام.
كان معظم التجّار يرغبون في تأجيل بيع الصوف حتى سوق الصيف، حين يمكنهم بيعه بأعلى سعر، لكن لا بدّ أنّ من بينهم مَن يعانون ضائقةً مالية. وكانت تاليا تنوي أن تدفع لهم مقدّمًا، وفي المقابل تحصل على كميّات من الصوف بسعرٍ أقلّ قليلًا.
عبرتْ القرية متّجهةً نحو المراعي الواقعة في الشمال الغربي، وقد بدت عليها الثقة. وفي تلك اللحظة، وصل إلى مسامعها من بعيد صوت موسيقى مفعمةٍ بالحيوية.
أدارتْ تاليا رأسها بلا تفكير، ثم أبطأتْ خطواتها عندما رأتْ صفوفًا من الخيام الملوّنة والأعلام الممتدّة عند أطراف القرية. وبدا من رائحة الخبز الطازج المخبوز حديثًا، ورائحة الزيت، ورائحة النبيذ الحلو التي حملتها الرياح، أنّ احتفالًا ما يُقام هناك.
“ما مناسبة اليوم؟”
وحين التفتتْ إلى الخلف بوجهٍ ملؤه الاستغراب، هزّ الحارس الذي كان يتبعها بهدوءٍ كظلّ كتفيه وكأنّ الأمر لا يستحقّ الاهتمام.
“إنّه مهرجان استقبال الربيع. في مثل هذا الوقت من العام، يجتمع أهل القرية ويتقاسمون ما ادّخروه من الشراب والطعام طوال الشتاء، أو يبيعونه بأسعارٍ زهيدة.”
أجاب الرجل بنبرةٍ متصلّبةٍ بعض الشيء.
“إنّه احتفالٌ يشارك فيه الفلّاحون المتواضعون في الغالب، لذا لن يكون هناك ما يستحقّ المشاهدة بالنسبة إلى صاحبة السمو.”
لاحظتْ تاليا أنّ الرجل لم يكن مستسيغًا اصطحاب كان إلى مكانٍ يتجمّع فيه الناس، فعقدتْ حاجبيها بضيق. فمنذ أن شاهد الجنود كان وهو يطيح بأحد الخارجين عن القانون، صاروا يتوجّسون من ذئبها بصورةٍ أكثر صراحةً من ذي قبل.
حدّقتْ تاليا في الرجل بامتعاض، ثم استدارتْ متعمّدةً نحو المكان الذي يُقام فيه المهرجان.
وبعد أن سارتْ لبعض الوقت على الطريق الترابي غير المعبّد، أصبحتْ أصوات ضحكات الناس وأصوات الآلات الموسيقية أكثر وضوحًا.
دخلتْ تاليا برفقة كان إلى الطريق الذي اصطفت على جانبيه الخيام. وما إن فعلتْ ذلك حتى أخذتْ أصوات الطبول والمزامير التي كانت تدوي بصخبٍ تخفت تدريجيًّا، ثم اتّجهتْ إليها في اللحظة نفسها نظراتٌ لا تُحصى.
تجاهلتْ تاليا نظرات الناس المندهشة، وأخذتْ تتفقّد المكان من حولها بهدوء. كانت الجرار المملوءة بمختلف أنواع النبيذ الشرقي، إلى جانب شتّى الأدوات والاحتياجات اليومية، معروضةً بكثافة داخل الخيام المتناثرة هنا وهناك في الحقل. وفي إحدى الساحات الخالية، كان أشخاصٌ يُشبهون فرقةً استعراضية يؤدّون مختلف الحيل والمهارات.
وبينما كانت تتفحّص ذلك المشهد الغريب عنها، مرّتْ أمام خيمةٍ تكدّست أمامها أكوامٌ من الخبز الطازج والجبن المعتّق، فإذا بأحدهم يناديها بسعادة ويوقفها.
“صاحبة السمو الدوقة الكبرى!”
التفتتْ تاليا فجأةً، وضيّقتْ عينيها حين رأتْ رجلًا في منتصف العمر، صغير القامة لكن متين البنية، يلوّح لها بيده بسعادة.
اندفع الرجل نحوها بوجهٍ مشرق، وكأنّه لا يعلم أنّ إيقافها بهذه الطريقة قد يُعدّ تصرّفًا غير لائق، ثم خلع قبعته وحيّاها.
“مرحبًا بك! كنتُ في الواقع على وشك إرسال رسالةٍ إلى القصر، ولم أتوقّع أن ألتقي بك في مكانٍ كهذا.”
عندها فقط تذكّرتْ تاليا أنّ الرجل هو كبير الحرفيّين في ورشة الصباغة التي بدأتْ تتعامل معها حديثًا، فبسطتْ جبينها المعقود. فقد كانت مهارته متفوّقةً إلى حدّ يجعلها مستعدّةً للتغاضي عن بعض قلّة أدبه.
فتحتْ فمها بكرمٍ قائلةً:
“إذًا؟ ما الذي أردتَ إيقافي من أجله؟”
“لقد انتهيتُ من العمل على جميع الأقمشة التي عهدتي بها إليّ في المرة الماضية. ويمكنني البدء في الدفعة التالية في أيّ وقت.”
خفض الصبّاغ صوته إلى أقصى حدّ، وكأنّه يريد ألّا يسمعه الحراس، ثم همس.
ضيّقتْ تاليا أنفها بسبب رائحة العرق والخمر المنبعثة من الرجل، لكن عينيها لمعتا.
“هذه أخبارٌ جيّدة. سأرسل الدفعة التالية غدًا.”
«ما عليكي سوى أن تعهدي بها إليّ متى شئتي!»
ابتسم الرجل برضا، ثم تنحّى جانبًا.
تجاوزته تاليا فورًا، واتّجهتْ نحو الساحة الخالية حيث كان العرض يُقام. لكن هذه المرّة، أحاطتْ بها مجموعةٌ من النساء اللواتي كنّ يرتدين المآزر. كنّ جميعًا أراملَ وظّفتهنّ تاليا كغزّالات، فتمكّنّ بفضل ذلك من تأمين قوت يومهنّ طوال الشتاء.
لم تكترث النساء لوقوف كان شامخًا إلى جوارها، وبدأن يتسابقن في تقديم الخبز الطازج، وسلال الزهور والأعشاب، وأشياء أخرى مختلفة إليها.
ارتبكتْ تاليا من تصرّفهنّ وراحتْ تتراجع إلى الخلف، إذ كنّ يقدّمن إليها تلك الأشياء التي لا تكاد تختلف عن الخردة باعتبارها هدايا. ثم أرسلتْ إلى الحراس نظرةً تعني: “ألن تمنعوهنّ؟ ماذا تنتظرون؟”
لكن يبدو أنّ الجنود أساؤوا فهم نظرتها الحادّة، وظنّوا أنّها تأمرهم بالإسراع في قبول الهدايا.
فتقدّموا إلى الأمام وجمعوا الأشياء التي قدّمتها النساء، فما إن فعلوا حتى اندفع الناس المتجمّعون في الشارع نحوها دفعةً واحدة، وكأنّهم كانوا جميعًا ينتظرون الفرصة المناسبة.
وعندما رأتْ تاليا نظرات الترقّب في عيونهم، اضطرتْ على مضض إلى قبول الأشياء التي كانوا يقدّمونها إليها.
وبعد أن أحاط بها الناس لمدّةٍ لم تعرف مقدارها، رفعتْ رأسها أخيرًا وأدركتْ ما حلّ بها. فإذا بها قد تزيّنتْ في كلّ أنحاء جسدها بأزهارٍ مختلفة من كالمور، وبحليّ خشنة الصنع لكن زاهية الألوان، بينما كان كان أيضًا يجرّ ذيله إلى الأسفل، وقد عُلّقتْ حول جسده أكاليل الزهور وقلائد الأزهار التي قدّمها إليه الأطفال.
ولأنّ منظرها هي وكان على ما يبدو مسليًا للغاية، أخذ الناس يتوافدون إلى الشارع تدريجيًّا.
أخذتْ تاليا تنظر بوجهٍ مرتبك إلى الحشد المتجمّع على جانبي الطريق. وبدا أنّهم يظنّون أنّها تقيم موكبًا أو احتفالًا، إذ بدأ الواقفون على جانبي الطريق حتى بنثر الزهور أمامها.
“لتدُم البركة الأبدية على كالمور! ولتستمرّ الوفرة تحت حماية تيرامير!”
وحين رأتْ الناس يتوافدون إليها باستمرار، حاولتْ تاليا أن تغادر موقع المهرجان مسرعةً، لكنّ أحدهم صاح بصوتٍ عالٍ.
استدارتْ تاليا برأسها بسرعةٍ وقد فزعتْ، لكنها لم تتمكّن حتى من تحديد الشخص الذي أطلق ذلك القول الوقح، حتى بدأتْ عباراتٌ مشابهة من الدعاء والتمنّي تتعالى من أماكن مختلفة، الواحدة تلو الأخرى.
شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في عمودها الفقري، فأخذتْ كان واندفعتْ مسرعةً للخروج من بين الحشد. لكن، ولسببٍ ما، أخذ حماس الناس يزداد شيئًا فشيئًا.
نظرتْ تاليا إلى سكان القرية الذين كانوا يحدّقون إليها بأعينٍ يملؤها الافتتان، وقد بدت على وجهها أماراتُ الذعر، ثم أرسلتْ إلى الجنود نظرةً مستعجلةً تطلب منهم التصرّف بطريقةٍ ما.
لكنّ الحراس أنفسهم بدوا مصدومين من ردّة فعل الناس المتحمّسة بقدرها، إن لم يكن أكثر.
حدّقتْ تاليا في الجنود الذين أخذوا يتخبّطون عاجزين عن معرفة ما ينبغي فعله، ثم استدارتْ وأخذتْ كان معها متّجهةً نحو مدخل القرية.
وما إن فعلتْ ذلك حتى تبعها مئات الأشخاص دفعةً واحدة، كأنّهم ذبابٌ التفّ حول ذيل بقرة.
وفي اللحظة التي لم تعدْ فيها تاليا قادرةً على الاحتمال، وكانت على وشك أن تصرخ في وجوههم وتطلب منهم الانصراف، أمسك شخصٌ بذراعها فجأةً وسحبها إلى داخل مبنى يقع عند نهاية الطريق.
نظرتْ تاليا إلى الشخص الذي أمسك بها بوجهٍ مذهول.
كانت تيوران، وقد لفّت جسدها برداءٍ واسع، تنظر إليها بنظراتٍ غريبة.
*******
المترجمة مروة ♡
أهل الشرق متحمسين حبتين محسبين تاليا روح الأرض فعلا 😭
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.