الفصل 281
281
********
أجابَ الجنديُّ بنبرةٍ جادةٍ:
”إنَّ السيدَ الشابَ لوكاس يقودُ فرقةَ القمعِ ويفتشُ أطرافَ كالامور. ومن الأفضلِ ألا تخرجي من القريةِ حتى يتمَّ القضاءُ على الفلولِ.”
نظرت تاليا حولَها بملامحَ متجمدةٍ. وعندها فقط لمحت بضعةَ فرسانٍ مدججين بالسلاحِ يصطفون عند نهايةِ التلِّ الممتدِ بلطفٍ.
وضعت يدَها دون وعيٍ على قفا كان، وقبضت على حفنةٍ من فرائه الناعمِ.
”ما حجمُ الأضرارِ؟”
”تعرضت إحدى القوافلِ التجاريةِ التي كانت تغادرُ كالمور للهجومِ. فقد سبعةُ أشخاصٍ أرواحَهم، و نُهبت جميعُ البضائعِ المحملةِ على العرباتِ.”
تنهد الجنديُّ بحسرةٍ، واسترقَ النظرَ إلى الحراسِ الذين اقتربوا من تاليا وأضافَ:
”من الأفضلِ أن تعودي إلى القلعةِ مبكرًا اليومَ. فلا أحدَ يعلمُ أين يختبئُ أفرادِ الـ زرام.”
”شكرًا على النصيحةِ.”
أومأ الحارسُ ببرودٍ وأشارَ إلى تاليا.
”فلنكتفِ بهذا القدرِ من الجولةِ اليومَ ونعد.”
نظرت تاليا إلى الحارسِ بتعبيرٍ غيرِ راضٍ، لكنها استدارت في النهايةِ. ورغمَ شعورِها ببعضِ الخيبةِ لأنها لم تتمكن من التحققِ فورًا من إمكانيةِ تنفيذِ فكرةِ العملِ التي خطرت لها مؤخرًا، إلا أنه لم يكن هناك سببٌ للمخاطرةِ.
شعرت بالهواءِ المريبِ، فربتت ببطءٍ على كان الذي كان يستكشفُ ما حولَه وفراؤه منتصبٌ من شدةِ التوترِ، وبدأت تسيرُ مجددًا على الطريقِ الذي جاءت منه.
”انتظري هنا لبرهةٍ من فضلكِ. سأجهزُ العربةَ سريعًا.”
وعندما ابتعدوا عن جانبِ الجدولِ ووصلوا إلى مدخلِ القريةِ، توقف أحدُ الحراسِ الذين يسيرون في الأمامِ على جانبِ الطريقِ وتحدثَ.
جلست تاليا دون اعتراضٍ على السياجِ المقامِ على جانبِ الطريقِ. ثم مسحت على قفا كان، وراقبَت الجنودَ وهم يقتربون من العربةِ المتوقفةِ في الساحةِ العامةِ بالقريةِ، وفجأةً سمعت صرخةً حادةً من الأزقةِ المقابلةِ.
التفتت تاليا بسرعةٍ، ورأت الناسَ المارين على جانبِ الطريقِ يتراجعون في حالةِ ارتباكٍ، ففزعت وعانقت رقبة كان. وفي الوقتِ نفسه، ضربت صرخةٌ حادةٌ مسامعَها.
”أمسكوه! لا تدعوه يهرب!”
ومع صيحاتِ الجنودِ المذعورةِ، ركضَ رجلٌ ذو مظهرٍ رثٍّ واخترقَ الحشودَ.
عندما رأت تاليا وجهَه، حبست أنفاسَها دون أن تشعرَ. فقد كان منتصفُ وجهِ الرجلِ منخمصًا بشكلٍ غريبٍ.
تجاوزَ الرجلُ الذي بدا وكأنَّ أنفه قد قُطعَ بالسكينِ الشارعَ وهو يدفعُ المارةَ بعنفٍ.
وعندما أدركت تاليا أنه يحاولُ اتخاذَها رهينةً، نهضت بسرعةٍ من مكانِها وركضت نحو الحراسِ.
في تلك اللحظةِ، قفزَ كان كالبرقِ وصرعَ الرجلَ الضخمَ على أرضِ الشارعِ. وحدث الأمرُ في لحظةٍ سريعةٍ بحيث لم يكن هناك وقتٌ لمنعه.
شاهدت تاليا كان وهو يمزقُ إحدى ذراعي الرجلِ من جسدِه، فغطت فمَها بيدَيها. وسرعان ما مزقت صرخةُ الرجلِ المأساويةُ الشارعَ.
ألقى كان الذراعَ التي كان يعضُّها، وأمالَ رأسَه نحو قفا الرجلِ الذي كان يتخبطُ من الألمِ.
صرخت تاليا بدعرٍ:
”كان، لا!”
توقف حركةُ كان فجأةً.
واستغل الرجلُ تلك الفرصةَ، فزحفَ من تحتِ كان واستندَ بيده المتبقيةِ على الأرضِ محاولاً النهوضَ بجهدٍ كبير. ولكن قبل أن يخطوَ بضعَ خطواتٍ، ألقى الجنودُ الملاحقون القبضَ عليه وسقطَ على أرضِ الشارعِ مجددًا.
تدفقت من فمِ الرجلِ أصواتٌ معدنيةٌ بلغةِ الشرقِ القديمةِ متتاليةً. ولكن ذلك الصوتَ المليءَ بالغلِّ سرعان ما خفتَ ليتحولَ إلى أنينٍ ضعيفٍ. ويبدو أنه فقد وعيَه بسببِ النزيفِ الحادِّ.
نظرت إليه بتعبيرٍ خائفٍ. كان الدمُ الأحمرُ يتدفقُ بلا توقفٍ من الكتفِ التي مُزقت منها الذراعُ ليبللَ أرضَ الشارعِ. كانت كميةُ النزيفِ تكفي لإنهاءِ حياتِه في الحالِ.
ويبدو أنَّ الأسيرَ كان قد أُبقيَ حيًّا عن قصدٍ، إذ خلعَ الجنودُ معاطفَهم بسرعةٍ وبدأوا بالضغطِ على جرحِ المعتدي.
شاهدت تاليا ذلك المشهدَ بذهولٍ ثم التفتت نحو كان، فرأت الذئبَ الواقفَ بجمودٍ بجانبِ بركةِ الدماءِ يدورُ ويركضُ نحو مكانٍ ما.
”كان!”
وعندما حاولت ملاحقتَه بسرعةٍ، التفت ذراعٌ صلبةٌ حول خصرِها بقوةٍ كالحبلِ.
رفعت تاليا رأسَها بسرعةٍ، وحبست أنفاسَها عندما التقت بعينين ذهبيتين تلمعان بين شعرِه الأسودِ المائلِ للبنيةِ والـ مُتلبدِ. ويبدو أنه كان قد خاضَ معركةً منذ فترةٍ قصيرةٍ، فقد كان لوكاس يلتقطُ أنفاسَه بصعوبةٍ ويثورُ صدرُه ملوثًا بآثارِ الدماءِ والعرقِ.
”ألم تري ما فعله للتو؟ لا يجوزُ لكِ ملاحقتُه!”
”اتركني!”
دفعت تاليا ذراعَه وتخبطت.
لكنَّ لوكاس لم يتحرك قيدَ أنملةٍ.
”سنتولى أمرَ ذلك الذئبِ بأنفسِنا. ابقي هنا يا زوجةَ أخي.”
ثم أصدرَ تعليماتِه للجنودِ الذين وصلوا متأخرين:
”طاردوا الـ دايرولف فورًا! واقضوا عليه بمجردِ رؤيته!”
”لا!”
صرخت تاليا بعنفٍ.
”إن لمستُم منه إصبعًا واحدًا فلن أدعَكم وشأنَكم! سأقتلُكم جميعًا!”
عادت نظراتُ لوكاس اليها مجددًا.
”ذلك الوحشُ هاجمَ إنسانًا. لم يعد بإمكانِنا تركه بجانبِكِ يا زوجةَ أخي.”
”كان كان يحاولُ حمايتي! لو لم يتهجم كان عليه، لكنتُ قد وقعتُ في أيدي ذلك البربريِّ!”
اقترب وجهُ تاليا المحمرُّ غضبًا من وجهِه وهي تتخبطُ بشدةٍ، ثم أطلقت ضحكةً عصبيةً.
”أم أنك ترى أنَّ ذلك كان أفضلَ؟ هل أردتَ أن تراني أموتُ على يدِ الناهبين، وتبحثُ عن الانتقامِ لأنَّ كان أفسدَ عليك ذلك؟”
تجمد وجهُ لوكاس الرجوليُّ بشراسةٍ لبرهةٍ.
جزَّ لوكاس على أسنانِه وقال كأنه يبصقُ الكلماتِ:
”أنا أحاولُ حمايتَكِ.”
”أنا لا أحتاجُ إلى حمايتِك! من حماني هو كان وليس شخصًا مثلك!”
صرخت تاليا بصوتٍ حادٍّ، ورفعت رأسَها إلى الأقصى وعضت الجزءَ السفليَّ من رقبةِ لوكاس بلا رحمةٍ. وأطلقَ لوكاس أنينًا قصيرًا من ذلك الهجومِ القاسي، ثم أرخى الذراعَ التي تلفُّ خصرَها. وسحبت تاليا جسدَها فورًا وركضت نحو الاتجاهِ الذي اختفى فيه كان. وانقبضَ قلبُها خوفًا من أن يكونَ كان قد ابتعدَ وتركَها.
”كان! أين أنت!”
صرخت كاللمجنونةِ وهي تركضُ على الطريقِ الترابيِّ غيرِ المستوي، وسرعان ما لحق بها لوكاس وأمسكَ بمعصمِها.
نفضت تاليا يدَه بعنفٍ.
”لا تلمسني!”
في تلك اللحظةِ، سمعت صوتَ خريرِ ماءٍ من مكانٍ ليس ببعيدٍ.
التفتت تاليا بسرعةٍ. ورأت كان يقفُ بجسدِه الضخمِ منحنيًا عند نهايةِ الجدولِ.
نزلت تاليا المنحدرَ دون ترددٍ وعانقت قفا كان المبتلَّ بشدةٍ.
”كيف تتركني وترحلُ يا أيها الأحمقُ الغبيُّ!”
واحمرت عيناها من الراحةِ التي غمرتها فجأةً، فأمسكت بوجنتي كان وهزت رأسَه يمينًا وشمالاً بعنفٍ.
وانحنى كان الذي ابتلت جميعُ أجزاء جسدِه بماءِ الجدولِ الباردِ كالجليدِ، وأطلقَ خوارًا خفيفًا من حلقِه. ورخت كلُّ التوتراتِ في جسدِها مع ذلك الصوتِ المثيرِ للشفقةِ.
جلست تاليا على العشبِ المبتلِّ على جانبِ الجدولِ وسحبت رأسَ كان الضخمَ إلى أحضانِها.
”لا تركض بعيدًا بمفردِك مجددًا بعد الآن. أفهِمت؟”
ثم بدأت تفركُ خدَّ كان، بعد وقت اقتربَ لوكاس وأمسكَ بكتفِها وأبعدَها عن كان.
نظرت إليه تاليا بنظراتٍ ملؤها الانزعاجُ. فقد كانت تتضايقُ شديدًا من لوكاس الذي بدأ يتدخلُ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ تخصُّها ويحاولُ تقييدَ تصرفاتِها.
”إن لمستَ جسدي بمفردِك مرةً أخرى، فسأعضُّ تلك الأصابعَ وأمزقُها هذه المرةَ.”
تنهد لوكاس بحسرةٍ جراءَ ذلك التهديدِ الخافتِ وتراجعَ خطوةً إلى الخلفِ. لكنه لم يكن ينوي رفعَ حذرِه تجاهَ كان، إذ وضعَ إحدى يديه على مقبضِ السيفِ وكان جسدُه متوترًا بالكاملِ.
أمسكت تاليا برقبة كان وسحبته من الماءِ لتريه للوكاس.
”اخرج الآن. فلنعد إلى القلعةِ.”
ورغم تصرفِها القاسي، خرجَ كان من الماءِ ببطءٍ وطاعةٍ كالحملِ الوديعِ وذيلُه بين قدميه.
نظرَ لوكاس إلى ذلك المشهدِ بعنايةٍ ثم رفعَ يدَه عن مقبضِ السيفِ في النهايةِ.
”بالتأكيدِ، يبدو أنه مطيعٌ لكِ يا زوجةَ أخي.”
”ألم أقل لكَ ذلك مرارًا؟”
”ولكن حتى لو كان الأمرُ كذلك، لا يمكننا الاطمئنانُ تمامًا. فالوحوشُ ليست كائناتٍ يمكن استئناسُها كالماشيةِ. فلا أحدَ يعلمُ متى وأيَّ تصرفٍ مفاجئٍ قد تبدرُ منها.”
أطلقت تاليا ضحكةً ساخرةً بصوتٍ عالٍ.
”لا تختلقِ الأعذارَ. لو لم تفقدوا السيطرةَ على السجينِ، لما كان على كان التدخلُ من الأساسِ. وبسببِ تقصيرِ قوةِ الأمنِ، كادت دوقةُ الشرقِ الكبرى تُتخذُ رهينةً، وكان هو من منعَ ذلك.”
انعقدَ فمُ لوكاس بصلابةٍ وكأنه لا يملكُ حجةً للردِّ.
صعدت تاليا المنحدرَ وهي تقودُ كان، وألقت تحذيرًا باردًا من فوقِ كتفِها:
”أليس من الأفضلِ لكلينا ألا نكبرَ هذا الأمرَ؟ لذا فلنغلقِ الموضوعَ ونتجاوزه. وأنتَ بالتأكيدِ لا تريدُ أن تُثارَ مسألةُ مسؤوليةِ القيادةِ، أليس كذلك؟”
”…….”
تقبلت تاليا صمتَه كموافقةٍ ضمنيةٍ، ورتبت معطفَها المبعثرَ وأضافت بلا مبالاةٍ:
”عليك أن تضبطَ ألسنةَ أهلِ القريةِ بنفسِك. وإن انتشرت شائعاتٌ سيئةٌ عن كان، فسأظلُّ ألاحقُ عجزَ القوةِ الأمنيةِ حتى النهايةِ، لذا من الأفضلِ أن تسويَ الأمرَ جيدًا.”
**********
المترجمة مروة ~♡
تطور سلاح تاليا من الأظافر للعض 🌹
الفصل يضحك 😭😭
************
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.