الفصل 282
********
“الآن، أتـهـددينني؟”
“أتظن أنني أرجوك مثلًا؟”
ردتْ تاليا ببرود، واستدارتْ بقسوة كأنها لم يعد لديها ما تقضيه. ويا للراحة، لم يلحقْ بها لوكاس بعدُ.
أخذتْ تاليا كَان المقطر بالماء عائدةً بخطواتها نحو مدخل القرية.
ولعلّه شعر بالخمول لأنه تلقى توبيخاً قبل قليل، فكان كَان يتبعها بهدوء ذيلُه مُتدلٍ بكسل. بينما كانت تاليا تتفحص مظهر كَان بطرف عينها، أطلقتْ تنهيدةً خفيفةً.
لقد خمد حماسُها تماماً حين رأتْ وحشاً انتزع ذراع رجل بالغ في لمح البصر، يطوي أذنيه إلى النصف ويراقب حذرها بخجل.
دلكتْ زوايا فمه التي بقيتْ فيها آثار دماء لم تُغسلْ بعدُ بطرف معطفها، وعاتبتْهُ بصوت حازم:
“لا يجوز لكَ أن تؤذي الناس جزافاً في المستقبل. إذا أظهرتَ هذه الشراسة مراراً، فسوف يخافُك الجميع. وحينئذٍ……”
قد يأخذونكَ مني.
ابتلعتْ تاليا الكلمات التي صعدتْ إلى حنجرتها، وأردفتْ بتكلف وكأن شيئاً لم يكن:
“لا بأس. لن أسمحَ برحيلِكَ مهما قالَ من حولنا.”
ولعلّه اطمأن لنبرتها التي صارتْ ألطف بكثير، فراح كَان يفرك رأسَه بجنبها.
أخذتْ تاليا تحك خلف أذني كَان بلطف والتفتتْ حولها.
ولعلهم تجمّعوا سماعاً للضجة، فقد وقف الجنود المسلحون على جانبي الطريق جُدراناً متراكبة. وبدتِ الحال وكأنهم يحاولون منع السكان من مشاهدة موقع الحادث المروع.
احتضنتْ تاليا رأسَ كَان بذراع واحدة بقوة وكأنها تحميه منهم، وسارتْ نحو العربة المتوقفة في نهاية الطريق.
أما الحراس، فمع أنهم أبقوا أيديهم على مقابض سيوفهم في حالة ترقب، إلا أنهم لم يمنعوا كَان من صعود مقصورة العربة. فقد خافوا أن يتحملوا المسؤولية إن أشاروا إلى خطورة كَان فكادتْ تحدث مصيبة تخص سلامة دوقة المستقبل.
أطلقتْ تاليا نفخةً من الأنف كاستهزاء “همفْ”، وما إن جلستْ على مقعد العربة حتى أغلقتِ البابَ بقوة مسموعة.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى بدأتِ العربةُ تتحرك.
رفعتْ تاليا الستائر المسدلة على النوافذ لتتفحص المشهد العام للقرية المضطربة. ومع أن الجنود كانوا يسيطرون على الشوارع بسرعة، إلا أن العديد من السكان كانوا قد تجمّعوا بالفعل في المناطق الخارجية سامعين بالضجة.
تفحصتْ تاليا وجوه الأشخاص الذين كانوا يهمسون لبعضهم البعض في آذانهم بنظرات مفعمة بالقلق، ثم ما لبثتْ أن أسدلتِ الستارة مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، رُنّتْ أجراسُ الكنيسة معلنةً صلاة الغروب.
وبينما كانت تصغي لصوت الأجراس الذي بدا وكأنّه يعلن نهاية السلام الآتي بعد عناء، دفنتْ تاليا وجهها في عُرف كَان لتطرد القلق الذي كان يتسلل ببطء.
أدرك هو أنه كان يحلم.
كأنما غُطّتْ أذناه بماء غامر، وبدتِ الحواس التي اعتادتِ التيقظ بحدةٍ لينة وراكدة كأنها كرات من القطن.
وقبل كل شيء، كانت الروائح المعقدة والمتنوعة التي تسري في الهواء قد تلاشتْ كأنها ذابتْ في الماء. وكل ما استطاع إدراكه كان رائحة أوراق الشجر الخفيفة ورائحة الزهور، وعطرَها الممتزج معها بإتقان.
“كم أنتَ جميل.”
شعر بضحكة طفولية خافتة تدغدغ أذنيه وهو يثني أصابعه. وحينها فقط استطاع إدراك حقيقة أن ذراعي إنسان وساقيه كانتا مثبتتين فيه.
وفي تلك اللحظة، اجتاحته رغبة قريبة من الذهول.
كان بطنه يكاد يذوب من الدافع للنهوض على قدميه فوراً واحتضانها بكل قوته بين ذراعيه.
أراد أن يلمس وجهه الناعم بأطراف أصابعه بلا ملل حتى يشبع، وأراد أن يهمس باسمها في أذنها الصغيرة حتى يرتوي.
إلا أن جسدَه الذي كان مسترخياً بشكل مائل لم يتحرك قط. كأن شخصاً آخر كان يستولي على جسده. وبدا أن هذا الدخيل الوقح كان ينوي التظاهر بالنوم مستمراً مع إغلاق جفنيه.
“سأجعلكَ تبدو كأنك أميرة أكثر.”
داعب أذنيه مرة أخرى صوت طفولي مشحون بالمكر. وبعد لحظات، شعر بشيء دقيق يلامس حافة أذنه.
كان الرجل يتنفس بانتظام وهو يتساءل في نفسه عن نوع المكر الذي تخطط له هذه الأميرة المشاغبة هذه المرة.
“أيها الغبي.”
تمتمتِ الفتاة بصوت غاضب ملؤه الضيق عما يُغضبها هكذا، وبدأتْ تغرز شيئاً فشيئاً في شعره.
وبعد برهة، أدرك أن ذلك كان زهور آذريون قطفتها من حديقة الزهور. ففي فصل الربيع، اعتادتْ رائحة زهور الآذريون المنعشة أن تحوم برقة خلف القصر الفرعي.
كانت تاليا تقطف تلك الزهور أحياناً لتصنع منها أساور أو قلائد للعب. ويبدو أنها خرجتْ لقطف الزهور هذه المرة أيضاً، فلما وجدته يستريح قررتْ المزاح معه.
أخذتِ الفتاة التي جلستْ بالقرب منه تضحك بخفة وتواصل دفع رؤوس الزهور بين خصلات شعره. ومع رضاها التام عن عملها، ارتفع صوت ضحكتها المكتومة قليلاً.
حاول بجهد ألا يعقد حاجبيه، وأدار رأسه ببطء نحو الجانب. وعندئذٍ، شعر بتاليا التي تيبستْ لفترة وجيزة وهي تتراجع للخلف خطوة بخطوة بحذر.
و عندما لم تلمحْ منه أي نية للنهوض، اطمأنتْ فاقتربتْ مجدداً لتتابع المزاح.
“حالتُكَ تسر الناظرين.”
تحمل هو بصعوبة أن تقوم هي بقطف بتلات الزهور ولصقها فوق وجهه بكثافة وبنوع من الدهشة الخفيفة.
أتراها تنوي حقاً ألا توقظه بحذر؟
كان ملمس بتلات الزهور الناعم الذي يداعب خديه، ورائحتها الحلوة التي تلامس أرنبة أنفه، وصوت الضحكات المختلط بنسمات الهواء، كل ذلك يداعب حواسه أجمعها.
قمع رغبته في فتح عينيه للتأكد من تعبير وجهها.
لم يكن يعلم لماذا يفعل ذلك. أكان يحزنه أن تنتهي هذه المزحة الغريبة بمجرد أن يفتح أجفانَه؟
وبينما كان يسأل نفسه في سرّه، وضعتْ هي بتلة زهرة صغيرة برقة تحت عينيه. ولبراعة انغماسها في الأمر، كان نسيمها الرقيق يلامس وجهه مباشرة.
فقد صبره أخيراً ورفع جفنيه. وفي تلك اللحظة، تدفق ضوء حاد إلى داخل شبكية عينيه.
شعر بألم لاذع وتنفس بعنف. وحينئذٍ، تدفقتْ روائح شديدة التنوع إلى أنفه لدرجة تُصيب بالصداع، توقِظ وعيه الضبابي دفعة واحدة.
شعر بالمشهد الحالم يتلاشى في لمح البصر، فتأمل المحيط حوله بعناية. دخلتْ إلى مجال رؤيته الواسع كوحشٍ معالم غرفة النوم الغارقة في الظلام.
جلس بلا حركة لفترة، متأملاً النافذة التي استقر عليها الهلال، والمدفأة التي كانت تنبعث منها نداءات الضوء الخافت، والمكتب المكدس بمختلف السجلات ووثائق الرقّ، ثم نهض ببطء واقترب من جانب السرير. وحينئذٍ، تبدتْ له تاليا وهي تتنفس بانتظام وبصوت ناعم بينما تنشر شعرها الأشقر الغزير كالمروحة.
تأمل مطولاً ذلك الوجه المصبوغ برقة بضوء المدفأة، ثم سحب اللحاف الذي كان متدلياً حتى صدرها إلى ما تحت ذقنها.
تقلبَتِ الفتاة بقلق كأن الأمر كان مزعجاً قليلاً، وأصدرتْ همهمة خفيفة. فأنزل اللحاف قليلاً وتأمل وجهها بشرود.
فخلال عامين ، كانت تاليا قد تحولتْ إلى صورة مفعمة بالحيوية بشكل لا يصدق. ولعل السبب يعود لكونه يأخذها للتجول في الخارج طويلاً، فقد عاد الإشراق يغمر بشرتها الشاحبة دائماً، وبدأ بريق ساطع يحل في عينيها اللتين كانت تكسوهما ظلال داكنة.
لكن أكثر ما تغير حقاً هو الجو المحيط بها.
فقد خفّ ذلك التوتر الذي كان يجعلها تحتاط لمن حولها دائماً، وأصبح ضحكها وغضبها أكثر عفوية بلا تردد.
ولم يكن هذا فحسب. فلم تعد تفعل أشياء مثل تفريغ غضبها فيمن حولها أو إيذاء جسدها لعدم قدرتها على السيطرة على مشاعرها. ولم تعد تتصرف وكأنها متعمدة لجلب الكراهية من المحيطين، ولم تعد تدفع نفسها نحو المآزق.
***********
المترجمة مروة ♡
أحلا شي بالفصل ذكرى طفولتهم🥹🤏🩷
أتمنى كيم سوجي تعمل فصول جانبية عن فترة حراسته لها لنعرف كيف علمها ركوب الخيل و ايش عاشوا مع بعض ذاك الوقت
مع اني راح أحس بخيانة لأنه بعد كل ذا خطب آيلا بس ستل أريد أشوف تاليا الصغيرة كيف كانت تتصرف☹️
*******
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.