الفصل 280
280
*********
عندما كانت تتجولُ مع كان حول أطرافِ القريةِ، كان خمسة أو ستة أطفالٍ يظهرون من مكانٍ ما ليحوموا حولهما، وكان بعضُهم يقوم بتصرفاتٍ مشاكسةٍ كالإمساكِ بذيلِ كان فجأةً أو شدِّ أطرافِ معطفِها.
لم يكن ذلك تصرفًا مبهجًا للغايةِ، لكنَّ تاليا تقبَّلت كلَّ تلك التصرفاتِ ببرود. فقد لاحظت أنَّ مواطني كالامور بدأوا تدريجيًّا يكنّون لها الودَّ.
لم تكن تسعى تحديدًا لنيلِ دعمِهم، لكنها لم تكن لتركلَ الرأيَ العامَّ المائلَ لصالحِها في مثلِ هذا الوقتِ المناسبِ. ألن يقللَ تعزيزُ مكانتِها من عبءِ باركاس أيضًا؟
وتحت تأثيرِ هذا الحساب، بدأت تاليا تظهرُ موقفًا متسامحًا بشكلٍ معتدلٍ. فكانت تردُّ بإيجازٍ عندما يتحدث إليها سكانُ الإقطاعيةِ، وتتغاضى بلطفٍ عن مشاكساتِ الأطفالِ طالما لم تتجاوزِ الحدَّ.
ولم يكن ذلك يعني أنها أظهرت موقفًا لطيفًا أو ردَّت بلطفٍ يفوقُ الحاجةَ، لكنَّ الناسَ استجابوا بحماسةٍ. ومنذ متى تحولت نظراتُ الحذرِ والخوفِ إلى نظراتِ إعجابٍ، وانقلبت أصواتُ الهمسِ ثناءً مشبوبًا بالانبهارِ؟
وبالطبع، لم يحدث هذا التغييرُ في جميعِ أنحاء كالمور. فكان أهل القلعةِ ما زالوا ينظرون إليها بعينِ السخطِ، بينما كانت الكنيسةُ الشرقيةُ تعتبرُها مصدرَ إزعاجٍ ولا تتورعُ عن توجيهِ الانتقاداتِ العلنيةِ لها. ولكن بدا أنَّ سكانَ كالمور على الأقلِّ لم يعودوا يعتبرونها غريبةً أجنبيةً.
”سموَ الدوقةِ الكبرى، هذا آخرُ تفاحٍ تم قطافُه لهذا العامِ. تفضلي بتذوقِ واحدةٍ.”
نظرت تاليا التي كانت تمرُّ بالشارعِ نحو الجهةِ التي جاء منها الصوتُ.
كانت امرأةٌ ذاتُ شعرٍ أبيضَ ترتبُ بسطتها في أحدِ جوانبِ المنطقةِ التجاريةِ بأطرافِ القريةِ، وقد اختارت تفاحةً ناضجةً ومدَّتها نحوها.
”لقد قطفتُها قبل أن ينزلَ الصقيعُ. وكان طعمُها الحلوُ استثنائيًّا هذا العامَ.”
نظرت تاليا إليها بنظراتٍ غيرِ راغبةٍ ثم أرسلت نظرةً خاطفةً إلى الحارسِ الواقفِ بخلفِها.
”ادفع ثمنَها.”
”يا الهي، لا تقولي ذلك. أنا أعطيكم إياها لتتذوقوها فقط.”
لوحتِ المرأةُ بيدَيها بوجهٍ مرتبكٍ.
بعد ترددٍ قصيرٍ، مدت تاليا يدَها بحذرٍ وأخذتِ التفاحةَ.
وحين فعلت ذلك، أخرجتِ المرأةُ التي ارتسمت على وجهها المتجعدِ ابتسامةٌ مشرقةٌ المزيدَ من التفاحاتِ من كيسِها.
تراجعت للخلفِ بوجهٍ مرتبكٍ.
”يكفي. لا حاجةَ لكلِّ ذلك.”
مع الردِّ الجافِّ نوعًا ما، خفتتِ الابتسامةُ التي كانت تحيمُ على وجهِ العجوزِ قليلاً.
تخلصت تاليا من شعورِها المزعجِ واستدارت بسرعةٍ.
في الشارعِ الذي دخلَ في أوائلِ موسمِ الراحةِ، زادتِ المتاجرُ الفارغةُ والبسطاتُ بشكلٍ ملحوظٍ. وكان ذلك بسببِ مغادرةِ التجارِ الخارجيين لكالمور واحدًا تلو الآخرِ.
بعد مرورِ شهرين تقريبًا، كانت أسواقُ الصوفِ التي تقام في أنحاء كالامور قد انتهت معظمُها، كما تمَّ تفكيكُ معظمِ الخيامِ والمستودعاتِ التي أقامها التجارُ مؤقتًا.
جالت بنظرتِها بين المتاجرِ المتبقيةِ بشكلٍ متفرقٍ في الشارعِ الهادئِ، ثم نقلت خطواتِها ببطءٍ نحو جهةِ الجدولِ حيث تصطفُ ورشاتُ الدباغةِ، ومشاغلُ الصباغةِ، وورشُ اللبدِ وغيرها.
الورشةُ التي كانت تعجُّ بعشراتِ العمالِ في يومٍ من الأيامِ أصبحت الآن خاليةً بشكلٍ ملحوظٍ.
تساءلت فجأةً كيف يعيشُ كلُّ أولئك العمالِ طوالَ فصلِ الشتاءِ.
’ربما أستطيعُ تكليفَهم باللبدِ بسعرٍ أرخصَ مما توقعتُ.’
ومهما يكنِ الأمرُ، فمن المؤكدِ أنَّ العديدَ من الورشِ قد انقطعت عنها الأعمالُ. وراودتها فكرةٌ بأنها قد تخفضُ بشكلٍ كبيرٍ التكاليفَ المستغرقةَ في المعالجةِ اللاحقةِ للمنسوجاتِ المصنوعةِ في القلعةِ.
دخلت تاليا إلى أقربِ ورشةٍ بقلبٍ يغمره التوقعُ.
بعد اجتيازِ السياجِ المتهالكِ والدخولِ إلى الفناءِ الواسعِ، رأت قناةً مائيةً ضيقةً تجذبُ مياهَ الجدولِ. وما إن ركعَ الرجلُ الذي كان ينظفُ برميلًا خشبياً أمامه وتعرفَ عليها حتى نهضَ بوعيٍ على عجالةٍ.
”سموَ الدوقةِ الكبرى، ما الذي أتى بكِ إلى مثلِ هذا المكانِ؟”
”أريدُ تكليفَكم بأعمالِ لبدٍ. أنوي معالجةَ أربعين لفةً أولاً، فكم من الوقتِ يستغرقُ ذلك؟”
اتسعت عينا الرجلِ من الدهشةِ، ثم تقدم خطوةً للأمامِ وبارقةُ لمعانٍ تلمع في عينيه.
”إذا جمعتُ العمالَ مجددًا فسيسغرقُ الأمرُ بين عشرةِ أيامٍ وخمسةَ عشرَ يومًا.”
”إذن، تعالجُ الأربعين لفةً أولاً. وبعد ذلك، سأقوم بتسليمِ عشرِ إلى خمس عشرة لفةٍ بانتظامٍ بفواصلَ زمنيةٍ مدتها نصفُ شهرٍ.”
احمرَّ وجهُ الرجلِ الأسمرُ خجلاً بفرحٍ لا يمكنه إخفاؤه.
”إنه لشرفٌ ما بعده شرفٌ أن توكلي إلينا الأعمالَ. سأقومُ بجمعِ العمالِ حالاً.”
انحنى الرجلُ بخصره، ثم دارت عيناه باستدارةٍ سريعةٍ وأضاف بحذرٍ:
”ولكن…… كم تفكرين بأن تكونَ الأجرةُ؟”
”عادةً، كم تتقاضون؟”
ظهرت على وجهِ الرجلِ مسحةُ ترددٍ للحظةٍ. بدا وكأنه كان يزنُ إن كان بإمكانِه جنيُ المزيدِ من المالِ في هذه الفرصةِ.
ثم نظرَ إلى الذئبِ الضخمِ الواقفِ بجانبه والحراسِ المنتظرين في مكانٍ بعيدٍ، ويبدو أنه تخلى عن رغبته في المخاطرةِ فصارحها بالأمرِ.
”حوالي تسعة ريلاماتٍ للفةٍ الواحدةِ.”
”إذن، لتكن سبعةَ ريلاماتٍ.”
ظهرت على وجهِ الرجلِ ملامحُ ارتباكٍ للحظةٍ.
”يا مولاتي، تسعةُ ريلاماتٍ هي الأجرةُ المتفقُ عليها في نقابةِ الأقمشةِ. وليست طلبًا مبالغًا فيه أبدًا. وإن كنتِ تشكّين في الأمرِ، فسأريكِ السجلاتِ.”
”أليست تلك الأجرةُ محددةً بناءً على موسمِ الذروةِ؟ ألم تنقطع عنكم الأعمالُ الآن وأصبحتم تمصّون أصابعَكم؟”
قالت تاليا وهي تلفُ بنظرتِها حول الورشةِ الهادئةِ.
”أنا أنوي تسليمَ أربعين لفةً فورًا، وبعد ذلك أفكّرُ في تسليمِ الكمياتِ بانتظامٍ كلَّ نصفِ شهرٍ. في ظلِّ تلك الظروفِ، لن تكونَ صفقةً خاسرةً حتى لو خفضتِ السعرَ بمقدارِ ريلامينِ تقريبًا.”
”حتى لو كان الأمرُ كذلك، فسبعةُ ريلاماتٍ تعتبر مبالغًا فيها للغايةِ…….”
”أنا لا أقولُ إننا سنبقي هذا السعرَ دائمًا. بعد انقضاءِ موسمِ الركودِ، سأقومُ بدفعِ المبالغِ بما يتوافقُ مع الأجرةِ التي تحددُها النقابةُ.”
صمتَ الرجلُ وأبقَى فمَه مطبقًا لفترةٍ طويلةٍ كأنه يحسبُ في عقده، وأومأ برأسه أخيراً.
”حسنًا. سأكتبُ العقدَ وفقًا للشروطِ التي ذكرتِها.”
أخرجت تاليا أدواتِ الكتابةِ من داخلِ ملابسِها مباشرةً. ثم نشرت رقّ الحيوانِ على طاولةِ العملِ وكتبتِ البنودَ المتفقَ عليها مع عاملِ اللبدِ بخطٍ بليغٍ.
”لتكنِ المدةُ ستةَ أشهرٍ. وبعد ذلك، ليتوافقِ الطرفانِ على الشروطِ من جديدٍ ليقررا ما إذا كانا سيمددانِ العقدَ أم لا.”
”حسنًا. جيدٌ للغايةِ.”
تهلل وجهُ الرجلِ وأومأ برأسه موافقًا على ما أضافته. ويبدو أنه كان راضيًا تمامًا لمجردِ ضمانِ عملٍ ثابتٍ لمدةِ ستةِ أشهرٍ.
وقَّعت تاليا أسفلَ رقِّ الحيوانِ، ثم سلمتِ القلمَ للرجلِ.
”هيا، وقِّع.”
فحص الرجلُ العقدَ بعنايةٍ من البدايةِ ثم كتبَ اسمه. وبعد ذلك، نسخَ وثيقةً بنفسِ المحتوى مرةً أخرى وقسما النسختين بينهما.
”سأرسلُ الشحنةَ الأولى غدًا.”
”حاضر، مولاتي. سأكون قد جمعتُ العمالَ للعملِ بحلولِ الغدِ.”
غادرت تاليا الورشةَ وهي تشعرُ بالرضا.
الأقمشةُ التي تصنعُها الخادماتُ قد لا تُعامَلُ كأقمشةِ صوفيةٍ فاخرةٍ تُبادَلُ بأسعارٍ باهظةٍ، لكنها مع تقليلِ التكاليفِ المستغرقةِ في الإنتاجِ والمعالجةِ اللاحقةِ بشكلٍ كبيرٍ، ستتمكنُ من توقعِ أرباحٍ جيدةٍ نوعًا ما.
بما أنها قللت تكلفةَ اللبدِ بمقدارِ ريلامينِ لكلِّ لفةِ صوفٍ، فإذا أنتجت وباعت مائتي لفةٍ في العامِ، فسيكونُ ذلك بمثابةِ جنيِ أرباحٍ إضافيةٍ قدرُها أربعمائة ريلامٍ، أليس كذلك؟
بينما كانت تاليا تدقُّ على المعدادِ في عقلِها بمشاعرَ ممتعةٍ، أوقفَت خطواتِها فجأةً.
هل يقتصرُ الأمرُ على اللبدِ وحدَه؟
توجَّهت نظرتُها تلقائيًّا نحو المراعي الموجودةِ في قمةِ التلِّ.
سيكون هناك في المزرعةِ مخزونٌ من صوفِ الغنمِ الذي لم يتمكنوا من بيعه في يومِ السوقِ. وإن تمَّ تركتُه متراكمًا في المستودعِ حتى يومِ السوقِ القادمِ، فستكون هناك تكلفةُ تخزينٍ، وإذا تعرضَ للرطوبةِ فستقلُّ قيمةُ السلعةِ، لذا سيودُّ أصحابُ المزارعِ أيضًا التخلصَ من المخزونِ حتى بأسعارٍ رخيصةٍ.
إن اشترت منهم الصوفَ وكلَّفتِ السكانَ الذين بلا عملٍ خلالَ الشتاءِ بأعمالِ الغزلِ، فستقللُ تكلفةَ الموادِ الخامِ وشراءِ خيوطِ الغزلِ في نفسِ الوقتِ. وحتى لو خفضت تكلفةَ خيوطِ الغزلِ الداخلةِ في لفةِ صوفٍ واحدةٍ بمقدارِ خمسةِ ريلاماتٍ فقط، لتمكنت من توفيرِ ألفِ ريلامٍ إضافيٍّ في العامِ.
استدارت تاليا نحو جهةِ المزرعةِ مباشرةً لمراجعةِ خطتِها المستحدثةِ. وكانت تنوي التحققَ بأنفسِها من كميةِ صوفِ الغنمِ غيرِ المباعِ المتبقيةِ، والمدى الذي قد يكون أصحابُ المزارعِ مستعدين لتقبله من الأسعارِ.
”سموَ الدوقةِ الكبرى، يبدو أنه من الأفضلِ ألا نغادرَ القريةَ اليومَ.”
في اللحظةِ التي دخلت فيها طريقَ المراعي، ركضَ أحدُ الحراسِ الذين يقومون بالدورياتِ واعترضَ طريقَها.
رفعت تاليا حاجبيها بتعبيرٍ مزعجٍ.
”ما الأمرُ؟”
”حدث هجومٌ من قِبَلِ ناهبين في منطقةِ الأطرافِ الغربيةِ.”
*********
المترجمة مروة ♡
الكاتبة لها فترة بتوخد اجازات مرضية بس رجعت اليوم 🦦
*******
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.