الفصل 276
الفصل 276
********
أطلقتْ تيورانُ ضحكةً خفيفةً ومشتْ إلى أمامِ المدفأة، ثمَّ غرفتْ بمغرفةٍ شايًا عشبيًّا ساخنًا مِنَ القدرِ. أخذتْ تاليا الشايَ الَّذي قدمتْهُ لها ورشفتْ منهُ لترطيبِ حلقِها، ثمَّ سجلتْ الميزانيةَ المتبقيةَ في الدفترِ.
لمْ تنفقْ اليومَ مبلغًا كبيرًا، لكنَّ إبرامَ عقدٍ رسميٍّ لشراءِ كمياتٍ كبيرةٍ مِنَ الغزلِ والأصباغِ، ودفعَ تكاليفِ الموادِ الفرعيةِ وشحنِها، كانَ سيستنزفُ مبلغًا لا بأسَ بِهِ مِنَ المالِ.
سيستغرقُ الأمرُ شهرينِ على الأقلِ حتَّى يكتملَ القماشُ ويُعرضَ في السوقِ، لذا ستستمرُ المصاريفُ لبعضِ الوقتِ دونَ أيِّ دخلٍ.
وإذا لمْ يُنتَجْ شيءٌ صالحٌ للبيعِ أو هبطتْ أسعارُ الأقمشةِ، فقدْ تتعرضُ لخسارةٍ كبيرةٍ.
عضتْ شفتَها السفلى بقلقٍ. حتَّى لو فشلَ مشروعُ النسيجِ، فلنْ تتأثرَ ماليتُها الشديدةُ، لكنَّ انكشافَ أمرِ ضياعِ مهرها سيجلبُ لها العارَ لا محالةَ.
كانَ عليها الحذرُ وعدمُ لفتِ الأنظارِ حتَّى تتمكنَ الخادماتُ مِنْ إنتاجِ أقمشةٍ ذاتِ جودةٍ ثابتهٍ وبشكلٍ مستقرٍ.
“سأخبرُ مَنْ حولي أنني أطلبُ منهنَّ حياكةَ ملابسَ جديدةٍ لي”
بعدَ أنْ أنهتْ تاليا التسجيلَ، وضعتْ القلمَ ومشتْ نحوُ السريرِ.
عندما رأى كانُ ذلكَ، اقتربَ منها ببطءٍ وجلسَ موليًا ظهرَهُ لها.
يبدو أنَّهُ غضبَ بشدّة لأنَّها تركتهُ وحدَهُ في القلعةِ طوالَ اليومِ تجنبًا للأنظارِ، إذْ جلسَ طوالَ الوقتِ وأذناهُ مطويتانِ إلى الخلفِ ينظرُ إلى الجدارِ، ويبدو أنَّ صبرَهُ قدْ بدأَ ينفدُ.
كانَ يضربُ ذيلَهُ بالأرضِ كأنَّهُ يحتجُ علنًا، فبدا منظرُهُ مضحكًا وأثار ضحكتَها، فاستدارَ الذئبُ الَّذي كانَ يراقبُ حركتَها بطرفِ عينِهِ فجأةً، وأرسلَ إليها نظرةً ملؤها عدمُ الرضا.
دغدغتْ تاليا أذنَ كانَ بلطفٍ وهيَ تضحكُ بصوتٍ خفيضٍ.
“يبدو أنَّ كلبي غاضبٌ جدًّا”
زمجرَ الذئبُ باستياءٍ، لكنَّهُ سرعانَ ما أمالَ رأسَهُ نحوُ يدِها مستسلمًا لمداعبتِها.
طبعتْ تاليا قبلةً حنونةً على وجهِ الذئبِ العابسِ.
“اهدأْ ولا تغضبْ، فلنْ أتركَكَ وحدَكَ غدًا أبدًا”
نظرَ إليها الذئبُ بجمودٍ بعينيهِ الزرقاوينِ الجوهريتينِ، ثمَّ أخرجَ لسانَهُ ولعقَ وجهَها وكأنَّ غضبَهُ قدْ زالَ. أطلقتْ تاليا ضحكةً ودفنتْ وجهَها في فرائِهِ الكثيفِ.
في اليومِ التالي، وبمجردِ أنْ أنهتْ تناولَ الفطورِ، زارتْ غرفةَ النسيجِ وتفقدتْ المساحةَ الداخليةَ بدقةٍ.
كانتْ الغرفةُ نَفْسُها واسعةً إلى حدٍ ما، لكنَّ مغازلًا قديمةً وأكوامًا مِنَ الصناديقِ التي تحتوي على الأقمشةِ وخيوطِ الغزلِ كانتْ متراكمةً في كلِّ مكانٍ، فلمْ تكنْ المساحةُ القابلةُ للاستخدامِ الفعليِّ واسعةً.
ولتركيبِ ثمانيةِ أنوالٍ إضافيةٍ، كانَ مِنَ الضروريِّ نقلُ الأغراضِ غيرِ المهمةِ إلى المستودعِ وإعادةُ ترتيبِ المعداتِ القديمةِ بالكاملِ.
“يجبُ نقلُ الأكوامِ المتراكمةِ إلى غرفةِ الكتانِ، وإزالةُ الرفوفِ المثبتةِ على الجدارِ أيضًا”
قالتْ تاليا ذلكَ لكبيرةِ الخادماتِ الواقفةِ عندَ البابِ وهيَ تطوي ذراعيها وتتفقدُ ورشةَ العملِ.
أشارتْ كبيرةُ الخادماتِ فورًا إلى الخدمِ المنتظرينَ.
“انقلوا القماشَ والخيوطَ إلى الغرفةِ المجاورةِ، وأزيلوا الأثاثَ الَّذي لا حَاجَةَ لهُ الآنَ”
“أمرُكِ”
بينما كانَ الخدمُ ينظفونَ الغرفةَ، راقبتْ هيَ كبيرةَ الخادماتِ المسنةَ وهيَ تعلمُ الخادماتِ الصغيراتِ طريقةَ حياكةِ القماشِ.
“يجبُ الضغطُ على الدواساتِ بالتناوبِ هكذا. إذا ضغطتُنَّ على الجهةِ نَفْسِها مَرَّاتٍ متتاليةً، فلنْ تتشابكَ الخيوطُ بشكلٍ صحيحٍ”
ضغطتْ كبيرةُ الخادماتِ على الدواسةِ اليمنى لتجربتِها.
وعندئذٍ ارتفعَ نصفُ خيوطِ السداةِ المشدودةِ إلى الأعلى، وتكونتْ فجوةٌ طواليةٌ بينَ الخيوطِ.
أدخلتْ كبيرةُ الخادماتِ المكوكَ الملتفَ بخلالِ خيوطِ اللحمةِ عبرَ الفجوةِ حتَّى الناحيةِ الأخرى، ثمَّ سحبتْ إطارَ المشطِ المزودَ بمقبضٍ نحوُ جسمِها لضغطِ خيوطِ اللحمةِ بقوةٍ نحوُ القماشِ المنسوجِ بالفعلِ. وبعدَ ذلكَ ضغطتْ على الدواسةِ المجاورةِ، فارتفعتْ هذهِ المرةَ خيوطُ السداةِ السفليةُ وهبطتْ العلويةُ، مما ثبتَ خيوطَ اللحمةِ التي دفعتها للتوِ بقوةٍ.
“كلما تبادلتُنَّ الضغطَ على الدواساتِ هكذا، تتشابكُ خيوطُ السداةِ صعودًا ونزولًا. وتمررنَ المكوكَ بينَها لتمريرِ اللحمةِ، ثمَّ تدمجنَ الصفوفَ صفًا صفًا بوساطةِ إطارِ المشطِ”
مررتْ المكوكَ مِنْ اليمينِ إلى اليسارِ مجددًا، وسحبتْ خيوطَ اللحمةِ بقوةٍ مناسبةٍ، ثمَّ واصلتْ الشرحَ بهدوءٍ:
“يجبُ الحذرُ وإعطاءُ قوةٍ متساويةٍ ومنتظمةٍ عندَ سحبِ المكوكِ أو إنزالِ المشطِ. إذا كانتْ القوةُ متذبذبةً، فستصبحُ حياكةُ القماشِ غيرَ مستويةٍ، ويتغيرُ عرضُ القماشِ بينَ اتساعٍ وضيقٍ بشكلٍ عشوائيٍ. ومثلُ هذا القماشِ يصعبُ الحصولُ على سعرٍ جيدٍ مقابلَهُ”
ثمَّ بدأتْ تحركُ قدميها بالتناوبِ على الدواساتِ وكأنَّها تضبطُ الإيقاعَ، وتحركُ المكوكَ بسرعةٍ ثابتهٍ مِنْ اليسارِ إلى اليمينِ ومنْ اليمينِ إلى اليسارِ.
ومعَ تكرارِ الحركةِ نَفْسِها، أُضيفتْ أسطرٌ جديدةٌ خطًا خطًا فوقَ القماشِ المنسوجِ جزئيًا، وارتفعَ طولُ القماشِ تدريجيًا.
راقبتْ تاليا المشهدَ باهتمامٍ. رغمَ أنَّها رأتْ الخادماتِ ينسجنَ القماشَ مِنْ قبلُ، إلا أنَّ هذهِ كانتْ المرةَ الأولى التي تلاحظُ فيها الأمرَ عنْ قربٍ هكذا.
“كيفَ تُصنعُ النقوشُ؟”
أجابتْ كبيرةُ الخادماتِ بسرعةٍ وكأنَّها كانتْ تنتظرُ السؤالَ:
“إذا كانتْ خطوطًا بسيطةً أو مربعاتٍ، فيكفي تغييرُ ألوانِ خيوطِ السداةِ واللحمةِ. لكنْ لإدخالِ نقوشٍ مائلةٍ أو معينةِ الشكلِ، يجبُ زيادةُ عددِ أطرِ النيرِ والدواساتِ إلى ثلاثةٍ أو أربعةٍ، ثمَّ الضغطُ عليها بترتيبٍ محددٍ. فبحسبِ ترتيبِ الضغطِ على الدواساتِ، تتغيرُ طريقةُ تشابكِ الخيوطِ وتنطبعُ النقوشُ”
شحبتْ وجوهُ الخادماتِ اللاتي كنَّ يستمعْنَ إلى شرحِ كبيرةِ الخادماتِ بقلقٍ. يبدو أنَّ الاستخدامَ الأكثرَ تعقيدًا مِمَّا توقعْنَ قدْ جعلَ الرؤيةَ تظلمُ أمامهنَّ.
مسحتْ كبيرةُ الخادماتِ وجوهَ الخادماتِ وأضافتْ لمواساتِهنَّ:
“تعلمْنَ طريقةَ نسجِ النقوشِ ببطءٍ، وتعلمْنَ أولًا ضبطَ عرضِ النسجِ السادةِ وحياكتَهُ بانتظامٍ”
عندئذٍ فقطْ أشرقتْ وجوهُ المتطوعاتِ قليلًا. وسرعانَ ما انقسمنَ إلى مجموعتينِ وبدأنَ في تعلمِ حياكةِ القماشِ بالتناوبِ.
وقفتْ تاليا عندَ البابِ تراقبُ ذلكَ المشهدَ، ثمَّ أخذتْ كانَ وتوجهتْ نحوُ منطقةِ التفريغِ أمامَ بوابةِ القلعةِ. وبعدَ أنْ تحققتْ هناكَ مِنْ أنَّ البضائعَ التي طلبتْها بالحيالِ قدْ وصلتْ بشكلٍ صحيحٍ، خرجتْ مباشرةً مِنْ القلعةِ عبرَ البابِ الخلفيِّ.
كانتْ تخططُ لتفقدِ أسعارِ تداولِ الأقمشةِ في سوقِ القريةِ خارجَ القلعةِ، وفي الوقتِ نَفْسِهِ تمشيةِ كانَ في المرعى لأولِ مرةٍ منذُ فترةٍ طويلةٍ.
“إذا كنتِ بحاجةٍ إلى ملابسَ جديدةٍ، أليسَ مِنْ الأفضلِ استدعاءُ خياطٍ إلى القلعةِ أو الذهابُ إلى تاجرِ أقمشةٍ في المدينةِ؟ هلْ هناكَ داعٍ لكبدِ المشقةِ والذهابِ إلى سوقِ قريةٍ نائيةٍ كهذهِ؟”
سألها الحارسُ الَّذي كانَ يرافقُها ويتفقدُ المتاجرَ المصطفةَ على جانبي الطريقِ الترابيِّ دونَ أنْ يفهمَ السببَ.
لمْ تجبْ تاليا. فلو كشفتْ لهُمْ عنْ نيتها بالتفصيلِ، لكانَ مِنْ المؤكدِ أنَّ الخبرَ سيتسربُ إلى مسامعِ باركاسَ فورًا.
تجاهلتْ تاليا نظراتِ الحراسِ المليئةَ بالشكِ، ورفعتْ قطعةَ قماشٍ صوفيٍّ سميكٍ متراكمةٍ على طاولةِ العرضِ.
“بكمْ هذا؟”
“بليرامٍ واحدٍ للياردةِ الواحدةِ. والقماشُ المصبوغُ باللونِ الأحمرِ هنا بليرامينِ للياردةِ”
“وماذا عنْ هذا؟”
بعدَ أنْ قلبتْ الأقمشةَ لفترةٍ، أشارتْ تاليا هذهِ المرةَ إلى قماشٍ صوفيٍّ ذي نقوشٍ معقدةٍ وبارزةٍ.
أجابَ التاجرُ بترددٍ:
“تلكَ السلعةُ بسبعةِ ليراماتٍ للياردةِ الواحدةِ. لقدْ صنعَها أفضلُ حائكٍ في القريةِ، لذا فأنَّ سعرَها مرتفعٌ قليلًا”
لمعتْ عينا تاليا.
بالنظرِ إلى ملمسِ القماشِ، لا يبدو أنَّهُ استخدمَ خيوطًا جيدةً جدًّا. فتكلفةُ الغزلِ لنْ تصلَ حتَّى إلى عشرِ سعرِ البيعِ.
إذا نجحَ مشروعُ النسيجِ واستقرَ، فستتمكنُ مِنْ تحقيقِ أرباحٍ تضاعفُ المبلغَ المستثمرَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ.
وإذا توسعَ المشروعُ لاحقًا وأمكنَ معالجةُ كلِّ الصوفِ المنتَجِ في كالمورَ وتحويلُهُ إلى أقمشةٍ صوفيةٍ مِنْ الفئةِ المتوسطةِ العاليةِ وبيعِهِ، فستتمكنُ كالمورُ مِنْ النموِ لتصبحَ مدينةً أثرى مِمَّا هيَ عليهِ الآنَ.
أخفتْ تاليا حماسَها وأشارتْ إلى القماشِ الصوفيِّ المنسوجِ بنقوشٍ موجيةٍ كثيفةٍ.
“اقطعْ لي خمسَ يارداتٍ مِنْ هذا”
قصَ تاجرُ الأقمشةِ القماشَ فورًا وسلمَهُ لها.
فكّتْ القماشَ الصوفيَّ الملفوفَ ولفّتْهُ حولَ عنقِ كانَ الواقفِ بجانبِها. هزَّ كانُ جسدَهُ بخفة كأنَّهُ غيرُ مرتاحٍ، ثمَّ أنزلَ ذيلَهُ باستسلامٍ.
ضحكتْ تاليا بَخْتًا وأخذتْ كانَ متجهةً نحوُ أطرافِ القريةِ.
وبعدَ المرورِ بالمنازلِ المتناثرةِ، امتدتْ أمامَ عينيها حقولٌ تتلونُ باللونِ البنيِّ الداكنِ.
خطتْ ببطءٍ فوقَ الأعشابِ التي تتماوجُ معَ نسيمِ الريحِ.
كانتْ درجاتُ الحرارةِ تنخفضُ بسرعةٍ أكبرَ فأكبرَ.
وربما في الأسبوعِ القادمِ سيهبطُ الصقيعُ الأولُ، ويبدأُ الشتاءُ الثاني دونَ وجودِ باركاسَ.
********
المترجمة مروة ~♡
فصل عادي و خفيف بس عالأقل قربت تخلص السنتين اللي غابهم باركاس دام دخلنا الشتاء الثّاني 🦦
********
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.