الفصل 263
الفصلُ 263
♡♡♡♡
لمْ يستطعْ كانُ البقاءَ هادئًا ولوْ للحظةٍ، وكأنَّ جسدَهُ بالكاملِ كانَ يؤلمُهُ بسببِ النموِّ السريعِ لمفاصلِهِ وعضلاتِهِ.
كانَ غالبًا ما يتجوَّلُ في الغرفةِ طوالَ اليومِ، أوْ يقومُ بخدشِ الأرضِ المسكينةِ بمخالبِهِ الأماميةِ، وأحيانًا كانَ يعضُّ الفراشَ أوْ الأثاثَ.
ولأنَّهُ كانَ يبدو يعاني منْ البقاءِ هادئًا في مكانٍ محدودٍ، كانتْ تجعلُهُ يتجوَّلُ في الحديقةِ أوْ الفناءِ الخلفيِّ بانتظامٍ، ولكنَّ ذلكَ القدرَ لمْ يكنْ كافيًا لتهدئةِ حيويةِ كانَ الفائضةِ.
في النهايةِ، لمْ يكنْ هناكَ مفرٌّ منْ أخذِ ذئبِ الدايرِ ، الذي دخلَ فترةَ النموِّ، والخروجِ بهِ خارجَ أسوارِ القلعةِ ليركضَ في السهولِ يومًا بعدَ يومٍ.
“لا تذهبي بعيدًا جدًّا. إنَّ المنطقةَ التي يُرفعُ فيها علمُ عائلةِ شيركانُ هيَ أرضُ الصيدِ التي نديرُهَا، ولكنَّ ما بعدَهَا هوَ منطقةٌ خطيرةٌ. يجبُ عليكِ توخي الحذرِ الشديدِ حتى لا تغيبي عنْ أنظارِنَا.”
تاركةً تحذيرَ قائدِ الحرسِ المتعجرفِ خلفَ ظهرِهَا، بدأتْ تسيرُ عندَ أطرافِ الغابةِ التي غطَّاهَا الصقيعُ الأبيضُ.
دارَ كانُ حولَهَا بحماسٍ، ثمَّ انطلقَ بسرعةِ السهمِ فوقَ الميدانِ الثلجيِّ.
شعرتْ بالقلقِ لفترةٍ وجيزةٍ بسببِ ابتعادِهِ السريعِ، ولكنْ سرعانَ ما دارَ كانُ بينَ الأشجارِ وعادَ إليهَا، وهزَّ ذيلَهُ بقوةٍ.
ضحكتْ تاليا وخفضتْ يدَهَا لتمسكَ بحفنةٍ منْ الثلجِ المتراكمِ على الأرضِ، ثمَّ رشتْهَا بمرحٍ على رأسِ كانَ.
هزَّ كانُ، الذي أصابتْهُ أمطارُ الثلجِ المفاجئةِ، رأسَهُ بصخبٍ وأرجعَ أذنيهِ إلى الخلفِ.
وعندمَا رشتْ الثلجَ ثانيةً على رأسِ الذئبِ، أدارَ جسدَهُ فجأةً وركلَ الأرضَ بقوةٍ بقدميهِ الخلفيتينِ، مما تسبَّبَ في إثارةِ عاصفةٍ ثلجيةٍ صغيرةٍ.
نظرتْ تاليا، التي تغطَّتْ بالثلجِ، إلى كانَ بعينينِ ضيقتينِ، ثمَّ عانقتْ رقبتَهُ الكثيفةَ بالفروِ بقوةٍ ومسحتْ الثلجَ على وجهِ كانَ بما وقعتْ عليهِ يدُهَا.
وبدا أنَّ الذئبَ مستمتعٌ بتلكَ المزحةِ الطفوليةِ، فدارَ ذيلُهُ الكثيفُ بسرعةٍ تشبهُ طاحونةَ الهواءِ.
“طفلي الضخمُ.”
همستْ تاليا بلطفٍ وبصوتٍ مليءٍ بالضحكِ، وهيَ تسحبُ بمرحٍ أذنَ الذئبِ الذي كانَ يحكُّ وجهَهُ في رقبتِهَا.
بدا كانُ سعيدًا ومبتهجًا.
ولمعتْ عينا الذئبِ الرماديتانِ المائلتانِ للزرقةِ والمليئتانِ بالبقعِ الفضيةِ، ثمَّ بدأَ يلعقُ وجهَهَا بحرارةٍ بلسانِهِ الساخنِ والرطبِ.
تراجعتْ تاليا إلى الخلفِ لتتجنبَ هجومَ المودةِ المتدفقِ، ثمَّ استلقتْ فجأةً على الجليدِ ونظرتْ إلى السماءِ الشتويةِ الشاحبةِ.
كانتْ رقاقاتُ الثلجِ المتلألئةِ تتطايرُ بينَ الأغصانِ البيضاءِ الناصعةِ.
ظلتْ تتأملُ ذلكَ المشهدَ الجميلَ بذهولٍ لفترةٍ، ثمَّ نهضتْ مجددًا وبدأتْ تسيرُ في طريقِ الغابةِ.
ولمْ يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى انفتحَ أمامَ عينيهَا حقلٌ ثلجيٌ واسعٌ.
تطلعتْ إلى المنظرِ العامِ لكالمورَ بعينينِ بدتَا وكأنَّهُمَا تريانِهِ لأولِ مرةٍ.
وبدتْ الملامحُ الغامضةُ لمدينةِ القلعةِ الضخمةِ المحاطةِ بأسوارٍ رمليةِ اللونِ والحصنِ المهيبِ تظهرُ خلفَ السهلِ الشاسعِ.
وكانتْ غابةُ أرموندَ، التي تحيطُ بالسهلِ، تظهرُ بشكلٍ باهتٍ وهيَ مغطاةٌ بضبابِ الشتاءِ، بينما كانتْ غيومُ الثلجِ الخفيفةِ والمنخفضةِ فوقَهَا تتحركُ بسرعةٍ نحوِ الغربِ معَ الرياحِ.
فكرتْ لأولِ مرةٍ في أنَّ هذهِ الأرضَ جميلةٌ حقًّا.
“أعتقدُ أنَّهُ منْ الأفضلِ أنْ تعودي الآنَ.”
معَ اشتدادِ الرياحِ، اقتربَ قائدُ الحرسِ، الذي كانَ يتبعُهَا منْ مسافةٍ بعيدةٍ، وحثَّهَا على العودةِ.
لمْ تقلْ تاليا شيئًا، وسارتْ نحوِ المكانِ الذي تقفُ فيهِ العربةُ.
في تلكَ اللحظةِ، التقطتْ زاويةُ رؤيتِهَا شيئًا أسودَ يمرُّ بسرعةٍ بينَ الأشجارِ معَ صوتِ خشخشةٍ.
وقبلَ أنْ تدركَ ماهيةَ هذا الشيءِ، انطلقَ كانَ، الذي كانَ يهزُّ ذيلَهُ بلطفٍ بجانبِهَا، مثلَ السهمِ.
أطلقتْ تاليا صرخةً حادةً.
“كانُ!”
وكأنَّ ذلكَ الصوتَ كانَ إشارةً، استلَّ قائدُ الحرسِ الذي كانَ يقفُ على يسارِهَا سيفَهُ.
وفي الوقتِ نفسِهِ، دوى زئيرٌ وحشيٌ.
اندفعتْ تاليا دونَ تفكيرٍ في الاتجاهِ الذي ركضَ إليهِ كانُ.
وعندمَا مرتْ بينَ الأشجارِ الكثيفةِ، رأتْ كانَ يعضُّ رقبةَ خنزيرٍ بريٍ أسودَ.
وعلى الرغمِ منْ أنَّ الوحشَ الضخمَ، الذي بدا أكبرَ منْ حجمِهِ بخمسِ مراتٍ، كانَ يتخبَّطُ ويقاومُ بشراسةٍ، إلا أنَّ الذئبَ تمسكَ بجسدِهِ الثقيلِ بعنادٍ، وهوَ يغلقُ فكَّهُ القويَّ بإحكامٍ.
عندئذٍ، التوى الخنزيرُ البريُ وسحقَ كانَ تحتَهُ دونَ رحمةٍ.
انفجرتْ صرخةٌ منْ فمِ تاليا عندمَا رأتْ ذلكَ المشهدَ.
“أنقذْ كانُ فورًا! فورًا!”
ركضَ قائدُ الحرسِ إلى الأمامِ على الفورِ ولوَّحَ بسيفِهِ.
وبعدَ فترةٍ وجيزةٍ، هدأَ الجسدُ الثقيلُ للخنزيرِ البريِّ الذي كانَ يثورُ بعنفٍ.
اقتربتْ تاليا منْ كانَ بخطواتٍ ترتجفُ.
“كانُ، لا بأسَ. يمكنكَ التوقفُ الآنَ.”
رفعَ كانُ، الذي كانَ يهزُّ جسدَهُ بعنفٍ وهوَ يعضُّ رقبةَ الخنزيرِ البريِّ، رأسَهُ أخيرًا.
تراجعتْ تاليا وتوقفتْ دونَ أنْ تشعرَ.
لقدْ كانَ مظهرُ كانَ، الذي تلطَّخَ فمُهُ بالدمِ الأحمرِ الداكنِ، غريبًا جدًّا عليهَا.
“هذا خطرٌ، يا سموَّكِ! لا تقتربي!”
أثناءَ ترددِهَا، اقتربَ الحارسُ وسحبَ ذراعَهَا بقوةٍ بعضَ الشيءِ.
عندئذٍ فقطْ استعادتْ تاليا وعيَهَا، ونفضتْ تلكَ اليدَ بحدةٍ.
“أيُّ خطرٍ هذا! كلُّ ما في الأمرِ أنَّ كانُ قضى على وحشٍ خطيرٍ!”
ثمَّ عانقتْ جسدَ كانَ بينَ ذراعيهَا بكلتا يديهَا وكأنَّهَا تستعرضُ ذلكَ.
تصلَّبَ جسدُ الذئبِ للحظةٍ، ثمَّ استقرَّ بهدوءٍ بينَ ذراعيهَا.
تنفستْ تاليا الصعداءَ بصوتٍ خافتٍ.
“انظرْ. إنَّهُ هادئٌ.”
“حتى لوْ كانَ كذلكَ الآنَ، لا نعرفُ متى سيتغيرُ. بمجردِ أنْ يظهرَ عدوانيتَهُ…”
“اخرسْ! لوْ أنَّكُمْ قضيتمْ على ذلكَ الوحشِ أولًا، لَمَا اضطرَّ كانُ للقتالِ! كيفَ تجرؤُ على اتهامِ شخصٍ آخرَ وأنتَ لمْ تقمْ بواجِبِكَ حتى!”
تصلَّبَ وجهُ قائدِ الحرسِ بسببِ توبيخِهَا الشرسِ.
ولكنْ يبدو أنَّهُ لمْ يجدْ كلماتٍ للردِّ، فأغلقَ فمَهُ بإحكامٍ وأعادَ سيفَهُ إلى غمدِهِ عندَ خصرِهِ، ثمَّ أحنى رأسَهُ قليلًا.
“……أنا أعتذرُ، يا سموَّ الدوقةِ الكبرى.”
ثمَّ انحنى أمامَ الخنزيرِ البريِّ الممددِ على الأرضِ ليفحصَ حالتَهُ، وصرخَ بصوتٍ عالٍ نحوِ الجنودِ الذينَ وصلُوا متأخرينَ.
“لقدْ تسللَ خنزيرُ دايرٍ بريٌ إلى أرضِ الصيدِ. ابحثُوا عنْ وجودِ أيِّ خنازيرَ أخرى في الجوارِ!”
ثمَّ قالَ لهَا بنبرةٍ مهذبةٍ.
“يرجى منْ سموِّكِ الذهابُ إلى العربةِ. سننطلقُ بمجردِ تنظيفِ هذا المكانِ.”
التفتتْ تاليا على الفورِ.
ثمَّ تذكرتْ شيئًا فجأةً، ونظرتْ إليهِ منْ فوقِ كتفِهَا.
“لا داعي لإبلاغِ الدوقِ الأكبرِ بما حدثَ اليومِ.”
“لا يمكنُنَا…”
“إنَّهُ يعاني منْ الصداعِ بسببِ النزاعاتِ بالفعلِ، فهلْ يجبُ أنْ نجعلَهُ يقلقُ بشأنِ أمرٍ تافهٍ كهذا؟”
هتفتْ تاليا بصوتٍ يحملُ الوقارَ.
“لمْ يحدثْ أيُّ مكروهٍ لسلامتي! لا تجعلْ الضوضاءَ تثورُ بسببِ أمرٍ غيرِ ضروريٍّ!”
عقدَ الرجلُ حاجبيهِ.
لقدْ كانَ تعبيرُ وجهِهِ يوضحُ أنَّهُ أدركَ تمامًا نيتَهَا في إسكاتِهِ، خوفًا منْ أنْ يمنعَهَا باركاسُ منْ الخروجِ.
فصرختْ ببرودٍ متعمدٍ.
“هذا أمرٌ!”
“……علمتُ. سأفعلُ كما أمرتِ.”
أحنى الرجلُ رأسَهُ على مضضٍ.
عندئذٍ فقطْ بدتْ تاليا مرتاحةً، وركبتْ العربةَ وهيَ تقودُ كانُ.
ثمَّ التقطتْ البطانيةَ الملقاةَ بإهمالٍ على المقعدِ، وبدأتْ تمسحُ الدمَ عنْ فمِ كانَ.
ولكنَّ الآثارَ الحمراءَ الداكنةَ لمْ تختفِ بسهولةٍ.
وفجأةً، اجتاحَهَا شعورٌ قويٌ بالقلقِ.
لمْ يعدْ كانُ ذلكَ الحيوانَ الصغيرَ الذي يمكنُهَا احتضانُهُ وتهدئتُهُ بينَ ذراعيهَا.
سيزدادُ حجمُ جسدِهِ أكثرَ في المستقبلِ.
فهلْ ستتمكنُ منْ الاستمرارِ في رعايةِ كانَ حتى ذلكَ الحينِ؟
عضتْ تاليا شفتَهَا، ثمَّ أخرجتْ بطانيةً جديدةً ونظيفةً وغطَّتْ بها جسدَ كانَ.
ألقى الذئبُ رأسَهُ على ركبتِهَا وكأنَّهُ متعبٌ، وأصدرَ صوتَ زمجرةٍ خافتةٍ.
نظرتْ منْ النافذةِ وهيَ تمسحُ على رأسِ كانَ ببطءٍ.
وبعدَ لحظةٍ، بدأتْ العربةُ تتحركُ ببطءٍ.
راقبتْ تاليا غابةَ أرموندَ وهيَ تبتعدُ، ثمَّ أغلقتْ عينيهَا.
* * *
يبدو أنَّ الحرسَ قررُوا دفنَ الحادثِ الذي وقعَ في أرضِ الصيدِ بهدوءٍ.
ومعَ استمرارِ الحياةِ اليوميةِ كالمعتادِ لعدةِ أيامٍ، اجتاحَهُ شعورٌ غريبٌ يمتزجُ فيهِ الغضبُ والارتياحُ.
شعرَ باستياءٍ شديدٍ منْ تصرفاتِ مرؤوسيهِ الذينَ لمْ ينفذُوا أوامرَهُ بأمانةٍ، ولكنْ في الوقتِ نفسِهِ، كانَ منْ دواعي سرورِهِ ألا يصلَ ما فعلَهُ إلى ‘ذلكَ الرجلِ’. [بسولف عن حاله كأنه غريب 😭]
إذا تمَّ إبلاغُهُ بأنَّهُ أظهرَ عدوانيتَهُ وهاجمَ خنزيرَ الدايرِ البريَّ فجأةً، فإنَّ ذلكَ الرجلَ سيبعدُهُ عنْ جانبِهَا بغضِّ النظرِ عنْ السببِ.
وحتى لوْ كرهتْهُ هيَ بسببِ ذلكَ، فلنْ يهتمَّ.
لأنَّ ذلكَ الرجلَ لا يساومُ أبدًا عندما يتعلقُ الأمرُ بسلامتِهَا.
*************
المترجمة مروة ♡~
يضحكني باركاس لما يحكي عن حاله “ذلك الرجل✨️”😭😭
المهم نزلت مقابلة للكاتبة كيم سوجي ترجمتها و نشرتها بستوري الانستا بحسابي Maxi_mine06
بتلقوها بهايلايت مقابلة كيم سوجي 🫰🩷 (مؤلفة حقول منسية)
♡♡♡♡♡
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.