الفصل 233
233
233
********
رفع باركاس رأسه وأطلق صيحة مدوية هزت الأركان:
“من يلقِ سلاحه ويستسلم بسلام فله الأمان!”
خيّم صمت ثقيل على ساحة المعركة للحظات.
بدأ الجنود يتبادلون النظرات، ثم شرعوا واحداً تلو الآخر في إلقاء أسلحتهم.
انتشر صدى ارتطام السيوف والرماح بالأرض كالموجة انطلاقاً من مكانه.
ورغم استمرار أصوات الصراخ واحتكاك المعادن الحاد خلف أسوار القلعة، إلا أن الجنود الذين ملأوا الفناء لم يعد لديهم أي رغبة في القتال.
تفقد باركاس المحيط بعينين حادتين، ثم انتزع السيف من كتف الرجل، لتتسرب أنة خافتة من بين شفتي الرجل الذي كان يحاول كتم ألمه بضراوة.
وضع باركاس طرف سيفه الملطخ بالدماء على عنق الرجل، وأشار برأسه نحو الجنود:
“قيدوه.”
وما إن صدرت أوامره، حتى هرع جنود الجيش الإمبراطوري وأحكموا سيطرتهم على الرجل بعنف، وربطوا الحبال بإحكام حول معصمه المهشم.
وعندما انتهوا أخيراً من تقييده، أعاد باركاس سيفه إلى خصره وأضاف بنبرة باردة:
“سيمثل هذا الرجل أمام المحكمة الإمبراطورية ليُحاسب على جريمة الخيانة، حافظوا على حياته.”
ثم استدار فجأة لتفقد وضع القتال في الخلف، لكن ضحكة غليظة خرجت من أعماق حلق الرجل استوقفته
.
توقف باركاس والتفت بجبين مجعد وسأل:
“….. ما الذي يضحكك هكذا؟”
“آه، اعتذر إن تسببت في إزعاجك، لكن ولاء الدوق للإمبراطورية مثير للإعجاب حقاً، لم أستطع تمالك نفسي من الضحك.”
قالها الرجل وهو يهز كتفيه الضخمين المحاطين بالدرع بنبرة فاترة:
“أشعر وكأنني أنظر إلى كلب حراسة مدرب جيداً، يبدو أن الشائعات التي تقول إن كهنة أوشيريا قد روضوا وريث الدوق ليصبح خادماً مطيعاً للإمبراطورية لم تكن كذباً.”
في تلك اللحظة، تجمد الهواء من حولهم فجأة.
رفع أحد محاربي الشرق الغاضبين رمحه وضغطه على كتف الرجل وصرخ فيه:
“أيها المجرم! كيف تجرؤ على التفوه بهذا الكلام!”
رغم تدفق الدماء من جرحه، لم يبالِ الرجل، بل استمر في استفزازه وهو ينظر إليه مباشرة بعينين تتوهجان:
“أين ذهب كبرياء المحارب؟ لقد قاوم سلفك الإمبراطورية حتى النهاية. حتى الملك العظيم ‘شييركان’ الذي أرعب قارة روبيدن يوماً ما، تمكن من إصابة البطل ويغرو بجرح قاتل في معركته الأخيرة. والآن، وريث ذلك المحارب العظيم يرتضي لنفسه أن يكون خادماً لعائلة غيرتا… لابد أن أسلافك يذرفون دموعاً من الدم في العالم الآخر الآن.”
“…. كنت أتساءل عما ستقوله.”
ارتسمت سخرية خفيفة على شفتي باركاس وهو ينظر إلى الرجل بهدوء.
انحنى بجسده نحو الرجل ورد عليه بنعومة:
“ليس هناك ما هو أفرغ من خطابات الخاسرين.”
تصلب كتف الرجل قليلاً.
ورغم تعذر رؤية تعابير وجهه بسبب الخوذة، إلا أنه كان من السهل تخمين أن الضحكة قد فارقت محياه.
“هل لي أن أسألك سؤالاً أيضاً؟ ما هو شعورك وأنت تفقد كل شيء على يد ذلك ‘الكلب المدرب’ الذي سخرت منه؟”
“…….”
“طموحك قد سُحق تحت قدمي، وعائلة هاميدال قد أُبيدت، وقريباً سيختفي جسدك كحبات الندى على منصة الإعدام. وسيُسجل اسم بيورن بلودار هايمدال كقائد مهزوم لقي نهاية مأساوية بعد تمرد أهوج.”
أمسك باركاس بذقن الرجل وسأله بصوت منخفض:
“كيف تشعر وأنت تهوي إلى القاع؟”
“… قذر جداً.”
قالها الرجل من بين أسنانه، وانبعث نفسه البارد من خلال واقية الخوذة ليصطدم بوجه باركاس.
“لكنني سأوفر عليك شرح مدى قذارة شعوري، فصاحب الدوق سيتذوق هذا الشعور بنفسه قريباً.”
قطب باركاس حاجبيه.
في تلك اللحظة، سرت قشعريرة غريبة في عموده الفقري.
أدرك باركاس بغريزته أن الرجل لا يتفاخر فحسب، فركله في بطنه بحذائه العسكري.
سقط جسد الرجل جانباً مع صوت اصطدام ثقيل، ويبدو أن حزام الخوذة قد انقطع من الصدمة فارتفعت للأعلى.
أمسك باركاس بالخوذة ونزعها بضربة واحدة، ثم قبض بعنف على الشعر الأشقر البلاتيني الملطخ بالدماء وسحبه بقوة للأعلى.
“لا أعرف ما هي الخدعة التي تخطط لها، لكنك انتهيت بالفعل، فمهما حاولت المقاومة الآن، لن تتغير النتيجة…”
انقطع صوته البارد فجأة، فقد كشف ضوء الفجر الأزرق ملامح وجه الرجل بوضوح.
سأل الرجل بنبرة فاترة وهو يميل زاوية فمه:
“هل عرفتني؟”
خرج صوت مكتوم من بين شفتي باركاس المتصلبتين:
“رومان تاليس…”
“يسعدني أنك لم تنسني.”
زادت الابتسامة الغريبة على شفتي الرجل عمقاً.
شد باركاس قبضته على شعره وثنى رأسه للخلف بعنف.
ورغم اختلاف لون الشعر، إلا أنه كان بلا شك صائد المرتدين الذي كان يعيث فساداً في أراضيه قديماً.
سأله وهو يزمجر:
“ما الذي كنت تفعله في الشرق بحق الجحيم؟”
“لا تكن عجولاً هكذا. تماماً كما كنت تعبث في منطقتي لسنوات، قمت أنا أيضاً بالعبث قليلاً في منطقتك…”
هز الرجل كتفيه بخفة وضحك بضعفات متقطعة:
“لقد بذلت جهداً كبيراً طوال تلك الفترة، لابد أن كالمور الآن غارقة في الفوضى.”
تشوه وجه باركاس تدريجياً.
وعند رؤية ذلك، انطلقت ضحكة مدوية من فم الرجل:
“لماذا هذا التعبير؟ هل ظننت حقاً أن بيتك سيكون بخير بعد أن حولت منطقتي إلى خراب؟ ههه! إذا أفسدت مشروع حياة شخص آخر، فعليك أن تستعد لرؤية مشروعك الخاص يتحول إلى جحيم!”
هبطت قبضة باركاس المغطاة بالقفاز الجلدي على وجه الرجل بقوة، فمال وجه الرجل الذي كان يضحك جانباً بعنف.
وعندما شد شعره مرة أخرى، امتلأت رؤيته بذلك الوجه الملطخ بالدماء.
بصق الرجل الدم من فمه وتمتم ببطء:
“بينما كنت تؤدي دور الكلب الوفي للإمبراطورية، كانت تقام مأدبة من الدماء في الشرق. قلعتك وثروتك ستتحولان إلى رماد تلتهمه النيران، وعائلتك ستلقى نهاية مأساوية. أما امرأتك…”
ارتسمت ابتسامة غريبة على شفتيه الملطختين بالدماء:
“تلك اللطيفة، لقد أوصيتهم بالاهتمام بها بشكل خاص. لابد أنها تقضي وقتاً مثيراً جداً الآن مع رجال القبائل المتوحشين، ويؤسفني حقاً أنني لم أتمكن من الانضمام إليهم.”
تردد صدى ضحكاته المبتذلة بشكل مرعب في فناء القلعة الذي تحول إلى ساحة دمار.
“لابد أنها الآن في حالة يرثى لها… كخ!”
اندفع الدم من فم الرجل، وحينها فقط أدرك باركاس أنه قد غرز خنجراً في عنقه.
سمع أصوات شهقات الجنود المذهولين من حوله، لكن باركاس لم يشعر بأي عاطفة.
أمسك برأس الرجل من الخلف بقوة وغرز الخنجر بعمق، ثم حرك ذراعه ببطء جانباً.
امتلأت عينا الرجل اللتان طُعن عنقه وهو حي بالألم.
نظر باركاس مباشرة في تلك العينين وحرك النصل ببطء شديد، حيث كان النصل يقطع العضلات والأوعية الدموية والأعصاب شيئاً فشيئاً.
انطفأ الضوء من عيني الرجل الذي كان يحاول التنفس من خلال قصبته الهوائية المقطوعة.
سحب طرف النصل من الجهة الأخرى ورفع الرأس الذي ينزف دماً.
الجنود الذين شهدوا هذا المنظر عن قرب سقطوا على الأرض وهم يتقيأون.
لم يلقِ باركاس نظرة عليهم حتى، بل ألقى برأس قائد الأعداء أمام الفرسان.
“علقوه على السور.”
حتى الفرسان الذين اعتادوا على المناظر المروعة غلبهم الذهول، ولم يجرؤ أحد منهم على التقدم.
وبينما هم مترددون، عبر باركاس فناء القلعة بسرعة وهو يطأ الجثث المتراكمة كالجبال.
وعند وصوله قرب البوابة، رأى فرقة خيالة فولفرام وهي تعيد ترتيب صفوفها، فاقترب منهم وأصدر أوامره بصوت هادئ بشكل مرعب:
“اجمعوا كل القوات فوراً، سنتوجه إلى كالمور الآن.”
أدرك دارين أن أمراً خطيراً قد حدث، فقام بنفخ البوق دون تأخير لجمع محاربي الشرق.
جذب باركاس لجام حصانه “تورك” بعنف، وحملق في الشمس التي بدأت تبرز من بين القمم الجبلية السوداء.
شعر وكأن أشعة الشمس الحادة تطعن شبكية عينه كالإبر.
أغمض عينيه للحظة بسبب دوار مفاجئ، ثم فتحهما وامتطى سرج حصانه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.