الفصل 228
228
228
********
“الاختراق المباشر ليس سوى انتحار.”
قال أحد القادة التابعين للتحالف الإمبراطوري وهو يشير بأطراف أصابعه إلى الخريطة المفرودة على الطاولة.
“بمجرد دخول الجيش إلى المنحدر، سينهمر علينا وابل من الحجارة والسهام من فوق الأسوار. ولا توجد مسارات أخرى مناسبة للالتفاف.”
“ليست منعدمة تماماً، أليس كذلك؟”
تحدث دارين الذي كان يراقب التضاريس المعقدة الموضحة على الخريطة بتمعن وهو يكتف يديه، وتابع:
“ما رأيكم في التحرك شمالاً والاقتراب من خلف الحصن كما حاول سمو ولي العهد؟ إذا توخينا الحذر من الكمائن، أليس هذا المسار هو الحل الأكثر واقعية؟ إذا تمكنا من بناء معسكر خلف الحصن، فسنكون في موقع جغرافي أكثر تفوقاً.”
“سيكون الأمر كذلك إذا تمكنا من الدخول بسلام.”
أضاف كايلياس بحدة وهو يشير إلى ممر على الخريطة، وكان جالساً بوجـه متصلب عند طرف الطاولة الطويلة:
“للاقتراب من قاعدة المتمردين، يجب عبور طريق جبلي ضيق لا يتسع إلا لعربتين بالكاد. علاوة على ذلك، غالباً ما يتشكل ضباب كثيف في جبال يوتونغار حتى في وضح النهار. وإذا حالفنا سوء الحظ، قد نُحاصر وسط ضباب لا يسمح برؤية شبر واحد أمامنا.”
نطق الرجل بكل كلمة بتركيز وكأنه يصب غضبه، وهو يحدق في باركاس:
“وهذا هو السبب في أننا كنا بلا حيلة عندما وقعنا في الكمين.”
لم يرد باركاس بأي إجابة، وظل ينظر بصمت إلى الخريطة التي تصف تضاريس يوتونغار بدقة.
كان الحصن الذي يتمركز فيه المتمردون يستند من الشرق إلى جدار صخري شديد الانحدار يجعل الاقتراب منه مستحيلاً، ومن الجنوب يمتد منحدر هين نسبياً لكن مدخله الضيق يجعله غير مناسب لنشر قوات كبيرة.
وكما قال دارين، فإن الالتفاف نحو الشمال الغربي واستهداف الجانب الخلفي للحصن كان الطريقة الأكثر واقعية.
المشكلة كانت تكمن في أن العدو بالتأكيد يدرك هذه الحقيقة أيضاً.
وضع باركاس يده على صدغه وهو يتذكر الزحف المتهور لابن عمه.
لو أن غاريس أدار قواته بحذر أكبر قليلاً ووضع في حسبانه احتمال وجود كمائن في طريق الالتفاف، لما حدثت هذه الكارثة.
‘ربما استنتج بتسرع أن احتمال وجود كمين ضئيل، ظناً منه أنه هو من يباغت العدو.’
تنفس الصعداء بثقل.
حتى لو تجاوزنا رعونة غاريس التي ليست بالأمر الجديد، فإن سير الأمور بهذه الدرجة الكبيرة من المحاباة للمتمردين يجعل من الصعب اعتبارها مجرد مصادفة.
بالنظر إلى كيفية رمي الطعم لغاريس -الذي كان يشتاط غضباً من أخبار الخطوبة- لتحفيزه على هذا التصرف المفاجئ، ودقة توقيت الكمين المتناهية، فإن احتمال وجود متعاون داخلي يبدو كبيراً جداً.
اتجهت شكوكه فوراً نحو الشخص الذي قد يكون الأكثر ابتهاجاً بهذا الوضع.
إذا كانت تلك المرأة هي من يقف خلف كل هذه الأحداث…
قبض باركاس على جبهته التي كان الصداع يمزقها كطعنات السكين.
إذا كان تخمينه صحيحاً، فلا يمكن وصف تلك المرأة إلا بالمجنونة.
إذا كُشف أمر تعاونها مع المتمردين وتسببها في تفكك الإمبراطورية ودفع ولي العهد إلى الفخ، فلن تفلت من حبل المشنقة.
ولن يتوقف العقاب عند هذا الحد، بل سيطال عائلتها وحتى أطفالها…
“ما رأيك يا صاحب الفخامة؟”
توقفت حبال أفكاره المعقدة فجأة.
التفت باركاس ونظر إلى الرجل الذي طرح السؤال.
كان ثيوريك هارت، أحد الشخصيات المحورية في فرسان ‘رويم نايتس’، ينظر إليه بنظرات غارقة في التفكير.
“بدلاً من محاولة القيام بهجوم متهور الآن، أليس من الأفضل سد الممرات المؤدية إلى الحصن والانتظار؟ وبخصوص أمر سمو ولي العهد أيضاً…”
تابع الرجل بحذر وهو يختار كلماته بدقة:
“أعتقد أنه من المستحسن ترك مساحة للتفاوض. فقد ينتهي الأمر بتحميل فخامتك المسؤولية عن سلامة سمو ولي العهد.”
“لا تراجع عن القرار. سأتحمل كامل المسؤولية عن هذا الاختيار.”
نطق باركاس بحزم وهو ينهض ويستند إلى الطاولة. ثم التمس قلم الحديد بيده الأخرى ووضع علامة على الخريطة.
“سنقسم الجيش إلى قسمين؛ القوة الرئيسية ستبني معسكراً هنا في الجنوب. أما البقية، فستلتف نحو الشمال للاقتراب من الخلف. في البداية، ستعسكر عند سفح الجبل المؤدي للمدخل، وبمجرد إرسال الإشارة، تتحرك فوراً عبر المسار.”
“كما ذكرتُ مراراً، فإن طريق الالتفاف يحمل خطر التعرض لهجوم مفاجئ…!”
“كفى تدخلات لا داعي لها.”
قاطع باركاس اعتراض كايلياس بحدة، وأردف:
“لا أعتقد أن رأي جندي مهزوم سلم ولي العهد كرهينة للأعداء يستحق أن يُصغى إليه باهتمام.”
تصلبت وجوه جميع فرسان ‘رويم نايتس’ المتواجدين في الغرفة، وليس كايلياس وحده، إثر هذا النقد اللاذع الذي خرج بنبرة هادئة.
وواصل حديثه بهدوء غير مبالٍ بالجو المشحون:
“سأرسل وحدة استطلاع مسبقاً لتمشيط محيط الحصن بدقة. فلتختاروا عدداً مناسباً من الأفراد.”
“سأدفع بفرقتي الخاصة ككشافين.”
قال دارين الذي كان صامتاً وهو يرفع يده بخفة.
أومأ باركاس برأسه.
“يبدو أن الملامح العامة قد حُددت. انصرفوا الآن.”
أنهى الاجتماع من طرف واحد، فبدأ القادة ينهضون واحداً تلو الآخر وهم يتبادلون النظرات الجانبية.
راقب باركاس الفرسان وهم يتفرقون بتمهل، ثم خرج من الخيمة.
في تلك اللحظة، سمع صوت دارين من خلفه.
“يا صاحب الفخامة.”
التفت فرأى وجه مساعده الذي كانت تكسوه ملامح القلق.
أشار دارين برأسه نحو أطراف المعسكر وقال:
“هل يمكننا التحدث قليلاً؟”
لم يجادل باركاس، بل اتجه نحو الجهة التي أشار إليها.
عبروا موقع التخييم المكتظ بالخيام حتى وصلوا إلى أطراف الحوض حيث وُضعت حواجز دفاعية مؤقتة، فلفهم ظلام دامس.
توقف باركاس أمام السياج الذي انتهى الجنود من إصلاحه والتفت لمساعده.
“ما الذي تريد قوله؟”
“هل تنوي حقاً ترك سمو ولي العهد هكذا؟”
تحدث الرجل أخيراً بصوت منخفض بعد صمت طال وكأنه يرتب أفكاره المعقدة.
لم يرد باركاس، بل اكتفى بالنظر إلى السماء التي صبغها السواد.
تابع دارين بقلق:
“لا يمكن إنكار حقيقة أن سمو ولي العهد شخص مندفع للغاية وغير ناضج. لكن الأمير الثاني ليس أقل خطورة أيضاً.”
أصبح صوت دارين أكثر كآبة:
“خلف الأمير الثاني تقف سنيفير تارين. الإمبراطورة الحالية ستكون خطراً يفوق خطر ولي العهد.”
صمت الرجل لبرهة وهو يتفحص وجه باركاس بدقة، ثم أضاف بحذر:
“علاوة على ذلك، ألم تقسم للمغفور لها الإمبراطورة برناديت بأنك ستحمي ولي العهد؟ إذا عُرف أنك حنثت بعهد مقدس بذلت فيه روحك، فسيكون ذلك وصمة عار قاتلة في شرف فخامتك.”
“هل هذا كل ما لديك لتقوله؟”
سأل باركاس بصوت جاف وهو يخرج مطرة الماء من خصره ليبلل حلقه.
تابع دارين بنبرة حادة يملؤها الضيق:
“أنت تعلم جيداً أن الرأي العام تجاهك ليس جيداً بالفعل بسبب فسخ الخطوبة مع الأميرة الأولى من طرف واحد واتخاذ الأميرة الثانية دوقة لك. وفي خضم هذا، إذا عُرف أنك تجاهلت سلامة ولي العهد وواصلت الهجوم، فسيُعتبر أن عائلة الدوق قد انحازت تماماً لجانب الإمبراطورة.”
انطلقت ضحكة ساخرة جافة من بين شفتي باركاس الذي كان يستمع بصمت لحديثه المستفيض.
“يبدو أنك تخشى أن يُقال إن الدوق شيركان قد فتنته ابنة الإمبراطورة ففرط في عهده وشرفه.”
أطبق دارين شفتيه بقوة دون أن يؤكد أو ينفي.
أغلق باركاس غطاء المطرة واعتدل في وقفته بعد أن كان مستنداً إلى السياج.
“لا تقلق. لن أفعل ما يلطخ اسم العائلة.”
“ماذا تقصد بذلك…؟”
تجاهل باركاس السؤال والتفت نحو المكان الذي نُصبت فيه خيمته.
“سأذهب للراحة الآن. علينا ادخار بعض القوة إذا أردنا التحرك بمجرد بزوغ الفجر غداً.”
ثم قبض على كتف دارين بقوة لمرة واحدة قبل أن يفلته، وسار بخطوات رصينة وسط المعسكر الذي غمره الظلام.
* * *
في اليوم التالي، قاد باركاس الجيش نحو الشمال، وعندما بلغت الشمس كبد السماء، أوقف الزحف عند سفح الجبل.
ثم قسم القوات كما تقرر في اليوم السابق؛ فوضع القوة الرئيسية أمام الحصن، وجعل بقية القوات تلتف حول السلسلة الجبلية المحيطة بالحصن لتنتقل إلى الخلف.
وبعد فترة وجيزة، بدأ ما يقارب أربعة عشر ألف جندي في التحرك بنظام دقيق.
وبينما كانوا يبنون المعسكر وينصبون آلات الحصار، قاد باركاس حوالي ثلاثين جندياً واتجه شرقاً على طول السفح الوعر.
كانت التضاريس قاسية جداً والجبال منحدرة بشكل لا يصلح لتمركز قوات كبيرة، لكنها كانت مكاناً مثالياً لتحرك وحدة صغيرة بعيداً عن أعين الأعداء.
كان يقفز برشاقة فوق المنحدر الجبلي الذي يكاد يكون جرفاً، ويوجه الجنود الذين يتبعونه بإشارات يدوية.
بعد مسيرة طويلة…
عندما بدأت الشمس في الميلان، تمكنوا من الوصول إلى موقع يطل على حصن العدو.
وقف فوق صخرة كبيرة وتفحص هيكل الحصن الداخلي بنظرة حذرة.
“كان يمكنك ترك مهمة استطلاع الحصن لوحدة الكشافة. لماذا يتجشم فخامتك هذا العناء بنفسك؟”
تذمر إدريك روبون الذي ضاقت أنفاسه من ملاحقته، وكأنه لا يفهم السبب.
أشار باركاس نحو الطريق الجبلي الوعر بدلاً من الإجابة:
“سنتحرك لمسافة أبعد قليلاً.”
ثم بدأ في تسلق الجدار الصخري الحاد مجدداً.
وعندما وصل أخيراً إلى نقطة مناسبة، أمر الجنود الذين أنهكهم التعب بالراحة، وأخرج رقاً من صدره وبدأ في تدوين الهيكل الداخلي للحصن.
كان معقل العدو يتمتع بهيكل متين للغاية.
وحجم القوات المتمركزة هناك فاق التوقعات بكثير، كما أن المنشآت الدفاعية كانت محكمة البناء.
‘لن يكون الأمر سهلاً.’
نقر باركاس بلسانه بخفة ومسح شعره المبلل بالعرق بعنف. ثم شعر بنظرة غريبة فالتفت.
كان إدريك، الذي جلس على الأرض ليستعيد أنفاسه، ينظر إليه بتمعن.
قطب باركاس حاجبيه عندما لاحظ أن نظراته مستقرة عند خصره.
“إلامَ تنظر هكذا؟”
“لا شيء. شعرت بالقلق لأنك كنت بارداً حتى يوم رحيلك… لكنني تساءلت إن كنت قد سلمتها لك في النهاية.”
ضيق باركاس عينيه أمام الكلمات التي لم يفهمها، ونظر بطرف عينه إلى خصره.
كان معلقاً في الحزام الذي أعده الخادم كيس صغير مطرز بالطراز الشرقي.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.