مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 224نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 224

224

224

 

******

 

 

عضت لينا على شفتيها وقبضت يدها بقوة وكأنها كانت تهم بالرد، لكن يبدو أن الخوف من أن يفسد شقيقها الطاغية زواجها جعلها تتراجع.

 

نظرت إليه الفتاة بعينين محمرتين من الغضب، ثم استدارت فجأة وخرجت من الغرفة وهي تصفق الباب خلفها.

 

أما هو، فقد استأنف التوقيع على الوثائق الجلدية ببرود وكأن شيئاً لم يكن.

 

“أريد أن يتم حفل خطوبة لينا بأكبر قدر من البساطة، لا تدعُ سوى نبلاء العائلات المتنفذة ليكونوا شهوداً على العقد.”

 

“يا صاحب الفخامة، الآنسة لينا هي الأميرة الوحيدة لعائلة الدوق، ألا تخشى أن يؤدي حفل باهت إلى خدش سمعة عائلة شيركان…؟”

 

“الحرب لم تنتهِ بعد، ومن المبكر جداً إقامة احتفالات باذخة.”

 

 قاطع باركاس نصيحة رئيس الخدم بحدة، ومد إليه الوثيقة الموقعة مضافاً إليها:

 

“في المقابل، سأقيم لها حفل زفافٍ مهيباً، إذا أبدى أحد من الحاشية تذمره فأخبره بذلك.” 

 

صمت الخادم ولم يجد ما يضيفه.

 

بعد أن راجع باركاس ما تبقى من الوثائق الرسمية، ارتدى معطفه وخرج.

 

لم تكن هي في الجوار، ويبدو أنها أنهت نزهتها وانتقلت إلى مكان آخر.

 

وقف في منتصف الحديقة محدقاً في الزهور التي كانت تتأملها، ثم حول وجهته نحو الإسطبل؛ فقد انتوى القيام بجولة لتفقد المقاطعة بعد طول غياب.

 

أخرج حصانه تورك، الذي كان يستمتع باستراحة قصيرة، واقتاده خارج القلعة.

 

بمجرد عبور الخندق المائي والنزول إلى الساحة، امتلأ بصره بمشهد المدينة المزدهرة.

 

 المدينة التي عانت لفترة من نهب الزرام ومطاردات الهرطقة، بدت الآن وكأنها تغرق في هدوء وسلام تامين.

 

تفحص باركاس الشوارع المزدحمة بالتجار، ثم انطلق بحصانه نحو البوابة الشمالية. 

 

وبمجرد اجتياز البوابة المقوسة، اندفعت أمامه المروج الواسعة وكأنها تنهمر عليه.

 

عبر المراعي الشاسعة دفعة واحدة، ثم أوقف حصانه عند قمة التلة.

 

امتلأت عيناه بالسماء الممتدة بلا نهاية، والحقول التي تعصف بها الرياح، وغابة أشجار الصنوبر المتلألئة ببياض شاحب.

 

تفحص ذلك المشهد على طول منحدر التلة، ثم أدار رأس حصانه باتجاه المزرعة.

 

في تلك اللحظة، عصفت ريح قوية بالأرض.

 

سمع باركاس صوت عواء حيوان وسط صرخات الأشجار المهتزة، فالتفت خلفه بحدة.

 

كانت الأشجار ذات اللحاء الأبيض تتشابك وتصرخ بفعل الريح. 

 

شعر باركاس بغرابة مريبة وكأن شيئاً ما يراقبه من الداخل، فوضع يده على مقبض سيفه، لكن ذلك الحضور الذي جعل شعر رقبته يقف اختفى في لمح البصر.

 

بقي فوق التلة يتفحص الغابة المضطربة، ثم حث حصانه وانطلق.

 

بعد بضعة أسابيع، أقيم حفل خطوبة لينا في مصلى قلعة رايدغو.

 

امتلأت مقاعد المصلين بنبلاء رفيعي المستوى، وعلى رأسهم عائلة الكونت سكارت ليكونوا شهوداً، بينما جلس في صدارة القاعة المحامون الذين يمثلون مصالح العائلتين، والقساوسة الذين سيحيون الطقوس، وحاشية عائلة الدوق. ساد الحفل جو من الوقار الشديد.

 

وقفت لينا بوجه متجهم أمام عريس المستقبل الذي بدا متصلباً من التوتر، وتبادل ممثلو العائلتين وثائق الخطوبة وتم ختمها بأختام العائلات.

 

 بعد تسليمها للمحامين، بدأت مراسم تبادل الهدايا.

 

كانت الصناديق الفاخرة المغلفة بالمخمل تنتقل ذهاباً وإياباً، بينما يسجل الكُتّاب قائمة الهدايا المتبادلة على رقائق الجلد، وكان من بينها خاتم صاغه أمهر الحرفيين الأقزام.

 

رفع العريس الخاتم أولاً ووضعه في إصبع عروسه، وكذلك فعلت لينا في يد من اختارته زوجاً لها.

 

عندها تقدم رئيس الكهنة نحو المذبح وأعلن بصوت خاشع إتمام الخطوبة بين العائلتين.

 

بمجرد انتهاء الإجراءات، غادر الضيوف المصلى وتوجهوا إلى قاعة المآدب، حيث اصطفت طاولات طويلة تفيض بصنوف الطعام والشراب في قاعة زينت بجمالية فائقة.

 

جلس الضيوف في أماكنهم المخصصة، فرفع باركاس كأسه معلناً بدء المأدبة، وانطلقت في تلك اللحظة أحاديث الضيوف التي كانت مكبوتة.

 

رفع باركاس الكأس إلى شفتيه وهو يتفحص القاعة بدقة.

 

رأى لينا تقف بتجهم في زاوية القاعة قبل أن تصعد الدرج وهي تضرب الأرض بقدميها، بينما بدا العريس غارقاً في استقبال التهاني بابتسامة عريضة لا تفارق وجهه.

 

نظر باركاس إلى ذلك المظهر المبتذل وأطلق ضحكة ساخرة خافتة.

 

يبدو أن الرجل لا يبالي بمشاعر المرأة التي ستصبح زوجته مستقبلاً. 

 

وهذا ليس غريباً؛ فبهذا الزواج سيضع يده على ثروة وأراضٍ شاسعة، فما الذي يهمه من تذمر عروس المستقبل؟

 

أطلق باركاس تنهيدة خافتة وجلس في نهاية الطاولة الطويلة، فسارع الكونت سكارت والحاشية للحديث معه وكأنهم كانوا ينتظرون الفرصة.

 

بدأ الحديث بتبادل التحايا ثم انتقل إلى نقاشات حول الحرب والأوضاع السياسية القادمة.

 

أجاب باركاس على الأحاديث بلا مبالاة وهو يرتشف من كأسه، ثم شعر بثقل في جسده فنهض من مكانه.

 

“عذراً، سأنصرف الآن، حالتي الصحية ليست على ما يرام.”

 

“آه، تذكرت أننا سمعنا عن إصابتك البالغة، يبدو أنك لم تتعافَ تماماً بعد.” 

 

قال الكونت سكارت الذي كان يتحدث بحماس موجهاً نظرة مليئة بالقلق.

 

رسم باركاس ابتسامة رسمية على شفتيه.

 

“ليس أمراً يدعو للقلق، لكن قدرتي على التحمل لم تعد كما كانت.”

 

“إذاً اذهب وارتح فوراً، نشكرك على حضورك شخصياً للإشراف على الخطوبة رغم إصابتك.”

 

“لا داعي للشكر، فهذا شأن يتعلق بزواج شقيقتي الوحيدة، ومن الطبيعي أن أشرف عليه بنفسي.” 

 

نطق باركاس بتلك الكلمات الدبلوماسية دون أن يرف له جفن، ثم غادر القاعة.

 

عند صعوده الدرج، رأى أشعة الشمس المائلة تلون جدران القلعة باللون الأحمر.

 

 تأمل المنظر للحظة، ثم حول نظره نحو المبنى الملحق في جانب الحديقة الخلفية.

 

لقد اعتذرت عن حضور الحفل بحجة المرض.

 

 ورغم أن هذا التصرف قد يسبب مشكلة لمقام الدوقة، إلا أنه لم يجبرها على الحضور.

 

فالشائعات السيئة التي تحيط بها لم تهدأ تماماً بعد، ولم يكن يرغب في تعريض المرأة التي استعادت استقرارها للتو لنظرات النبلاء القاسية، وفوق كل ذلك، كان يخشى أن تفتعل راينا مشكلة ما.

 

كتم باركاس تنهيدة خافتة ودخل غرفته، ثم جلس بوهن على السرير. 

 

شعر بخمول في أطرافه وثقل في رأسه، ولعله بسبب قلة النوم خلال الأيام الماضية.

 

ضغط على جفنيه اللذين بدأا يغيبان عن الوعي، ثم تناول كأساً من فوق الرف.

 

كان عليه أن ينام الآن وإلا ساء وضعه حقاً.

 

تجرع جرعة كبيرة من الكحول القوي، ثم فتح الدرج وأخرج عود بخار معطر كان قد أخذه مسبقاً من المعالج.

 

 وضعه في الموقد وأشعله، فبدأت جفونه تثقل وتلاشى الصداع الذي كان يمزق رأسه ليحل محله ضباب هادئ.

 

أسند رأسه إلى الوسادة وأغمض عينيه.

 

لا يدري كم مر من الوقت، لكن وعيه عاد إليه فجأة لتلتقط عيناه مشهد الغرفة المحاطة بضوء خافت.

 

 قطب حاجبيه للحظة، ثم رأى ظلاً صغيراً يقف أمام المدفأة، فانتفض واقفاً.

 

كانت تاليا تنظر إليه بنظرات هادئة، وقد ضفرت شعرها الكثيف وتركته يتدلى فوق كتفها.

 

تصلب في مكانه أمام هذا المشهد الذي يشبه الخيال، ثم أنزل ساقيه عن السرير.

 

“ما الذي تفعلينه هنا؟”

 

كان صوته هجومياً للغاية حتى في أذنيه هو.

 

ويبدو أن صوته وصل إليها ببرودة أشد، فقد ظهر توتر طفيف على وجهها الذي كان هادئاً.

 

“أنا آسفة لدخولي دون إذن، لكنني جئت لأطلب منك معروفاً…”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.