مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 223نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 223

223

223

 

********

 

استدعى على الفور رئيسة الخادمات. 

 

وبعد فترة وجيزة، فتحت امرأة ذات بنية قوية الباب ودخلت.

 

“هل استدعيتني يا صاحب الفخامة؟”

 

ملأ باركاس كأساً فارغاً وهو يحدق في وجهها الذي كان يفيض بالتوتر، ثم فتح شفتيه قائلاً:

 

“أريد أن أعرف ماذا حدث للأميرة خلال غيابي. يبدو أن حالتها… قد تحسنت كثيراً خلال هذه الأشهر القليلة.”

 

 عندما انتهى من كلامه بنبرة غامضة لعدم عثوره على التعبير المناسب، مرت مسحة من المشاعر المعقدة على وجه رئيسة الخادمات.

 

صمتت رئيسة الخادمات لفترة وكأنها غارقة في التفكير، ثم بدأت تتحدث بحذر:

 

“أنا نفسي لا أعرف بدقة ما الذي غير مشاعرها. فبعد رحيلك يا صاحب الفخامة، ظلت سموها ترفض الطعام لفترة طويلة وتقبع في فراشها… ثم فجأة في أحد الأيام، أعربت عن رغبتها في حضور صلاة الفجر التي تقيمها الكاتدرائية الكبرى.”

 

 قطب باركاس حاجبيه؛ فبالنظر إلى الصراع الذي كان قائماً بينها وبين الكنيسة الشرقية، كان هذا التصرف غير مفهوم السياق.

 

يبدو أن رئيسة الخادمات أيضاً وجدت صعوبة في فهم مسارها، فتابعت حديثها ببطء مع تقطيب جبينها:

 

“منذ ذلك اليوم، أصبحت هادئة وكأنها شخص آخر. بدأت تطلب الطعام بنفسها، وتقضي وقتها في أعمال بسيطة مثل العناية بالزهور أو التطريز.” 

 

توقفت يد باركاس وهي تهم بالإمساك بكأس النبيذ وتصلبت.

 

“هي تقوم بالتطريز؟”

 

“في الآونة الأخيرة، بدأت حتى في تعلم كيفية نسيج القماش في غرفة الغزل. رغم أنها لا تزال تفتقر للخبرة، إلا أنها تمتلك حساً جمالياً رفيعاً، فتبتكر أنماطاً فريدة وجميلة. والنتائج تحظى بتقييم جيد جداً.”

 

 قالت رئيسة الخادمات ذلك بهدوء.

 

ظهرت تعبيرات الذهول على وجه باركاس للحظة، ثم انطلقت ضحكة ساخرة من بين شفتيه.

 

كان التطريز هواية شائعة بين النساء النبيلات، لكنها لم تبدِ يوماً اهتماماً بمثل هذه الأعمال البسيطة.

 

 فضلاً عن أن نسيج القماش يعد من الأعمال الشاقة التي لا يقوم بها عادة سوى الخادمات.

 

ربما لاحظت رئيسة الخادمات انزعاجه، فقالت وكأنها تبرر الأمر:

 

“كنت أعلم أن هذا العمل لا يليق بمقام دوقة، لكنني… لم أستطع منعها. شعرت أن وجود عمل تشغل به نفسها سيكون أكثر فائدة لسموها.”

 

“بنيتها الجسدية أضعف من الشخص العادي. ماذا لو تضررت صحتها بسبب هذا العمل الشاق؟”

 

“عذراً يا صاحب الفخامة، لكن لا أعتقد أن هناك داعياً لهذا القلق. الجميع يحرص على أن يتم العمل في حدود لا ترهق صحة سموها، كما أن طبيبها الخاص قال إن تحريك جسدها سيكون أكثر فائدة لها.”

 

 أصبحت نبرة رئيسة الخادمات حازمة بعض الشيء، وكأنها تخشى أن يمنع الدوقة من دخول غرفة الغزل.

 

أضافت المرأة مؤكدة على كل كلمة:

 

“في الواقع، بدأت سموها تستعيد استقرارها تدريجياً. كما أن علاقتها بالخادمات العاملات في الحصن الداخلي أصبحت أكثر ودية من ذي قبل. لذا…”

 

“ليس لدي نية لمنعها عما تفعله، فتوقفي عن محاولات الإقناع غير الضرورية.”

 

قاطعها باركاس بحدة.

 

 فقد شعر بضيق غريب من موقف رئيسة الخادمات التي كانت تتصرف وكأنه يمثل تهديداً لسلام الأميرة.

 

أفرغ باركاس ما تبقى من النبيذ في الكأس ثم أشار برأسه ببرود:

 

“يمكنك الانصراف.”

 

 انحنت رئيسة الخادمات باحترام وغادرت الغرفة بخطوات ثابتة.

 

أسند باركاس جسده إلى الكرسي ونظر من النافذة.

 

 رأى السحب السوداء تتجمع في أعماق السماء التي بدأت تظلم تدريجياً.

 

فجأة، شعر بمرارة شديدة في فمه.

 

‘ربما تكون عودتي بالنسبة لها أشبه بتلك السحب السوداء التي تخيم على السماء.’

 

مع هذا التفكير، رفع الكأس إلى شفتيه.

 

شعر بالسائل الذي يشبه النار وهو ينزلق في حلقه ويستقر في أحشائه. لكن مهما شرب من خمر قوية، لم يشعر بأي سكر.

 

أراح رأسه على ظهر الكرسي وأطلق تنهيدة عميقة.

 

*    *      * 

 

كما قالت رئيسة الخادمات، كانت تعيش حياة هادئة وبسيطة.

 

رغم أن الحاشية لا يزالون ينظرون إليها بعدم رضا، إلا أن العداء لدى الخادمات اللاتي يقضين الوقت معها بدا وكأنه قد خمد بشكل ملحوظ.

 

بدأ الموظفون يتعاملون معها براحة أكبر من ذي قبل، كما قلّت حدة تاليا في التعامل معهم بلا داعٍ.

 

كان بإمكان باركاس أحياناً أن يلمحها في الحديقة وهي تتبادل أطراف الحديث مع الخادمات.

 

 كانت تبدو هادئة ووديعة لدرجة تجعل من الصعب تصديق أنها كانت تلك المرأة التي تنصب أشواكها دائماً حذراً من الآخرين.

 

ما الذي غيرها بهذا الشكل؟

 

اتجه تفكيره تلقائياً نحو إدريك روبون.

 

كان رجلاً يمتلك موهبة الاندماج مع أي شخص دون تحفظ. فبالرغم من ضعف خلفية عائلته، ألم يندمج بسلاسة وسط الحرس الإمبراطوري المعروفين بتعصبهم؟ لابد أنه استغل قدرته الفائقة على التواصل لهدم جدران حذرها.

 

نظر من النافذة بنظرة مريرة.

 

كما يحدث دائماً في فترة بعد الظهيرة، كانت تاليا في الحديقة تتنزه برفقة مرافقيها. وبالطبع كان إدريك روبون من بينهم.

 

كان يتحدث بجانبها دون توقف. 

 

ويبدو أنه ذكر قصة ممتعة، فقد رأى الخادمات يغطين أفواههن ويضحكن بينما كانت تاليا، التي كانت جامدة الملامح في البداية، ترسم ابتسامة خفيفة على شفتيها.

 

راقب ذلك المشهد لفترة، ثم حول نظره نحو المكتب.

 

كانت الوثائق الرسمية والتقارير التي تتطلب توقيعاً عاجلاً تتراكم فوق المكتب الخشبي.

 

 يبدو أنهم لم يرسلوا له سوى الحد الأدنى من المهام مراعاة لإصابته، ومع ذلك كانت الكمية لا تستهان بها.

 

راجع بدقة مقترحات تعديل القوانين الواردة من مختلف المناطق، ثم ختمها وسلمها للخادم المنتظر.

 

 بعد ذلك، أمسك بقائمة النبلاء الذين سيتم دعوتهم لحفل الخطوبة، لكنه سمع صوت خطوات متسرعة بالخارج يتبعها طرق عنيف على الباب.

 

تحدث دون أن يرفع رأسه:

 

“ما الأمر؟”

 

“جئت لأسألك عن أمر ما يا أخي.” 

 

دوى صوت حاد يوحي بمحاولة كتم الغضب.

 

أشار باركاس برأسه للخادم ليفتح الباب.

 

دخلت لينا وقد شوه الغضب ملامح وجهها وهي تضرب الأرض بقدميها.

 

“هل صحيح أنك قررت منح ألين إقطاعية؟”

 

قطب حاجبيه، فلأنه منح إقطاعيات لعدة أشخاص مؤخراً، لم يتذكر فوراً عمن تتحدث.

 

بعد ثوانٍ معدودة، تذكر أنه اسم الشاب الذي سيصبح صهره، فأومأ برأسه.

 

“نعم. هناك قلعة في المنطقة الجنوب شرقية بحجم يناسب معيشتك. وهي منطقة تتبعها مدينة تجبى منها ضرائب كبيرة ومزرعة خيول ضخمة. هناك ستعيشين دون أن ينقصك شيء.”

 

“لقد أخبرتك بوضوح أنني أريد القصر الكبير الموجود شرق كالمور.” 

 

قالت شقيقته باحتجاج وهي تقترب من المكتب.

 

“ذلك القصر بناه والدي من أجلي! لقد وعدني أنني سأعيش فيه عندما أتزوج…”

 

“أنا أعرض عليكِ الآن مهراً يعادل ضعف حجم ذلك القصر.” 

 

قاطع باركاس حديثها بنبرة باردة وهو يضع الأوراق التي كانت بيده.

 

“ما الذي لا يعجبكِ بالضبط؟”

 

“لا تتظاهر بأنك تفعل ذلك من أجلي! أنت تريد فقط طردي من كالمور.” 

 

نظرت إليه لينا وهي تغالب دموعها.

 

“لقد سلبت مني والدي، وسلبت مني لوكاس، والآن تريد سلب المنزل الذي عشت فيه طوال حياتي، كيف لا أشعر بالاستياء!”

 

“لينا.”

 

تجمد كتفا شقيقته عند سماع ذلك الصوت الهادئ والناعم.

 

تابع باركاس حديثه بنبرة هادئة لكنها تقشعر لها الأبدان:

 

“بإمكاني، إذا أردت، أن أزوجكِ لنبيل عجوز في منطقة نائية دون فلس واحد. وبالنظر إلى ما ارتكبتِه من قلة أدب تجاهي وتجاه زوجتي، فمن الغريب ألا أفعل ذلك.”

 

شحب وجه لينا في لحظة.

 

واصل حديثه دون اكتراث:

 

“بما أنكِ ابنة عائلة شيركان ومن دمي، فلن أطردكِ خالية الوفاض. لذا، تقبلي هذا الكرم بامتنان بينما لا أزال أمنحه لكِ.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.