الفصل 220
220
220
**********
رمقه باركاس بنظرة جليدية.
ولي العهد، الذي كان ليرتعد في العادة أمام تلك النظرة، بدا هذه المرة عاجزاً تماماً عن كبح جماح غضبه؛ فبدأ يثور ويدوس بقسوة على الملابس الملقاة على الأرض.
“لقد ضحيت بي من أجل تلك اللقيطة القذرة! لقد خنتني للمرة الثانية بسببها!”
تحطمت زجاجة الخمر التي قذفها ولي العهد عند قدمي باركاس، ونثرت سائلًا أحمر داكناً.
نظر باركاس إلى البقع التي انتشرت على السجادة كآثار الدماء، ثم خرجت من بين شفتيه تنهيدة تنم عن الضيق والسأم.
“إلى متى تنوي التصرف كطفل غير ناضج؟”
تشوه وجه ولي العهد بشكل قبيح جراء شعوره بالإهانة.
وجه باركاس كلامه إليه بصرامة، مشدداً على كل كلمة كأنما يغرس مسماراً:
“أنت ولي عهد هذه الإمبراطورية. إن استقبال ابنة عائلة اختارها المجلس هو واجب لا مفر منه. إذا كان ذلك سيهدئ من روع أهل بالتو ويعزز تماسك الإمبراطورية، فعليك أن تقبله برضا….”
“ابنة عائلة اختارها المجلس؟”
انطلقت ضحكة ساخرة علنية من فم غاريس.
تقدم بخطوات واسعة و هو يدوس على شظايا الزجاج المحطم.
“هاه! تقصد فتاة من عائلة رفعت السلاح ضد العائلة الإمبراطورية. في الوقت الذي لا يكفي فيه وضع جميع خونة الشمال على المقصلة ليشفي غليلي، تطلب مني أن أجعل من تلك الدماء القذرة زوجة لولي العهد؟ لا تضحكني!”
دفع غاريس كتف باركاس بقوة.
لمعت عيناه الخضراوان أمام وجه باركاس وكأن الشرار يتطاير منهما.
“ثم، هل تعتقد أنك في وضع يسمح لك بالحديث عن الواجب؟ أنت الذي تُبقي على امرأة لا أمل في إنجابها لوريث في منصب دوقة وتكتفي بحمايتها وتدليلها، كيف تجرؤ على وعظي؟”
أصبح وجه باركاس خالياً من التعبيرات كأنه يرتدي قناعاً.
ويبدو أن غاريس لم يدرك أن غضب الآخر قد وصل إلى ذروته، فاستمر في ثرثرته:
“إذا أردت أن تأمرني وتنهاني، فاذهب أولاً واطرد تلك المرأة. لو تخليت الآن عن تاليا روم غيرتا وتزوجت من آيلا لتكون دوقة، فسأفعل كل ما تطلبه مني، سواء كان زواجاً أو غيره.”
في تلك اللحظة، شعر باركاس بأن حبل الصبر الذي كان يتمسك به قد انقطع تماماً.
وبيد امتدت قبل أن يدرك عقله ذلك، قبض على ياقة ولي العهد.
تصلب جسد غاريس وتوقف تفكيره من الصدمة؛ فلم يسبق لأحد أن تجرأ على معاملته بهذا الأسلوب الفظ.
سحبه باركاس بعنف نحو وجهه، ونفث بكلمات ذات نبرة منخفضة يكسوها الصقيع:
“لقد بدأت أملّ من الاستماع إلى تذمرك هذا.”
شحب وجه ولي العهد من أثر الصدمة.
نظر باركاس مباشرة في عينيه المتسعتين وأضاف بنبرة مخيفة:
“إن كنت لا ترغب في الزواج حقاً، فافعل ما يحلو لك. أنا أيضاً متشوق جداً لرؤية رد فعل جلالة الإمبراطور الذي يقاتل لمنع انقسام الإمبراطورية. ومتشوق لرؤية ما سيفعله الشمال الذي تعرض لإهانة إلغاء الخطوبة، وهل سيستمر بقية النبلاء في دعم ولي عهد مستهتر وغير مسؤول كإمبراطور قادم، وما هي المكيدة التي ستدبرها الإمبراطورة هذه المرة، وهي التي تتوق لتنصيب ابنها الصغير على العرش….”
“……..”
“أعتقد أن مراقبة ذلك ستكون ممتعة للغاية.”
مرت لمحة من الخوف على وجه ولي العهد الذي كان يفيض بالغطرسة منذ قليل.
كز الرجل على أسنانه محاولاً إخفاء خوفه، فحدق به باركاس بنظرة باردة ثم أفلت يده. وبينما كان يهم بالالتفاف لمغادرة الخيمة، جاءه صوت مختنق من خلف ظهره:
“الآن…. هل تنوي التخلي عني؟”
التفت باركاس إليه بنظرة يملؤها الازدراء.
وعلى وجه ولي العهد المشوه بشعور الخيانة، تداخلت صورة صبي صغير كان يصرخ لفقدان أمه.
صرخ الرجل الذي كبر جسده وظل عالقاً في تلك الحقبة بحقد:
“أمي هي من أنقذتك! لقد آوتك أمي واهتمت بك بينما تخلى عنك حتى والدك الحقيقي! لقد بذلت كل جهدها لتجعلك كائناً بشرياً سوياً بعد أن كنت محطماً تماماً…! كيف يمكنك أن تدير ظهرك لي ولآيلا من أجل ابنة تلك العاهرة القذرة التي دفعت أمي إلى الموت!”
أغمض باركاس عينيه بقوة ثم فتحهما. ورسم خطاً فاصلاً بصوت لم يشبه أي اهتزاز:
“لقد بذلت قصارى جهدي للوفاء بوعدي للمغفور لها الإمبراطورة. أنت هو من سحق جهودي تلك في كل مرة.”
“كف عن هذا الهراء! أنت تفضل تلك اللقيطة علينا….”
“لا تقحمها في أمور لا علاقة لها بها. تاليا لم ترتكب أي خطأ في حقكم.”
ارتجف ولي العهد وأطبق فمه أمام نبرته الشرسة.
تابع باركاس وكأنه يجز على كلماته:
“إذا أردت الانتقام من سنيفيير، فسأتعاون معك لأي حد يمكنني حتى أن أجعل تلك المرأة تجثو على ركبتيها أمامك. لكن زوجتي خطٌ أحمر. هي ليست ‘تارين’ ولا ‘غيرتا’. هي ‘شيركان’.”
مع ازدياد حدة لهجته، احتقنت عينا ولي العهد بالدماء.
شاح باركاس بوجهه عن ذلك الوجه الذي يفيض بالرغبة في القتل، وأضاف ببرود:
“إذا أردت أن أبقى في صفك حتى النهاية، فمن الأفضل أن تتقبل هذه الحقيقة.”
* * *
يبدو أن تحذيره قد آتى أكله؛ فبعد فترة وجيزة، غادر غاريس يوتونغار يقود القوة الرئيسية.
راقب باركاس من فوق برج المراقبة راية ولي العهد وهي تبتعد، ثم أمر جنوده بتفكيك المعسكر.
بدأ الجنود على الفور بطي الخيام واقتلاع الأوتاد.
وبما أنهم كانوا مستعدين للتراجع للخلف منذ أسابيع، لم يستغرق توضيب الأمتعة وقتاً طويلاً.
وبينما كان الجنود يحملون الصناديق المكدسة على مئات العربات، جال هو في أرجاء المعسكر للتأكد من كمية الإمدادات المتبقية.
كانت هناك مؤن تكفي للصمود لعدة أشهر، لكن لم يكن بالإمكان أخذها كلها؛ فقد كان عليه تسليم كمية كبيرة منها لجيش التحالف الشمالي الذي سيتسلم مهام الدفاع عن يوتونغار.
استدعى ضابط الإمداد وأمره بنقل ثلثي المخزون الكلي إلى جانب التحالف، ثم توجه نحو الخيمة التي يجتمع فيها قادة الوحدات.
في تلك اللحظة، رأى دارين يقترب مخترقاً الثكنات.
وعندما لمح البرقية في يده، توقف باركاس مكانه.
فقد طلب منه مراقبة الأوضاع في الشرق؛ فهل وصلت أخبار سيئة؟
التفت باركاس وتوجه نحوه فوراً:
“ما الخطب أيضاً؟”
“آه، لقد وصل التقرير الدوري من الشرق وأردت تسليمه لك فقط.”
أخرج الرجل رسالة مختومة بختم العائلة وأضاف بنبرة هادئة:
“ألقيتُ نظرة سريعة عليها، ولا يبدو أن هناك خطباً ما. يبدو أن خبر إصابتك تسبب في بعض الفوضى لفترة، لكن الأمور استقرت الآن. ومع ذلك، يبدو أن هناك مطالبات كثيرة من التابعين بضرورة التعجيل بزواج السيد لوكاس والآنسة راينا.”
أخذ باركاس الوثيقة الجلدية وفتحها، فظهرت تجاعيد بسيطة حول عينيه.
كما قال دارين، كانت معظم محتويات الرسالة تتعلق بزواج لوكاس وراينا.
“يبدو أن مشروع زواج السيد لوكاس يراوح مكانه، لكن الآنسة لينا اختارت شريكها على ما يبدو. إنها ترغب في إقامة حفل خطوبة مع الابن الثاني لعائلة سكارت.”
كانت عائلة سكارت إحدى العائلات النبيلة التي أظهرت ولاءً طويلاً لعائلة الدوق لسنوات عديدة.
قلب الصفحات بسرعة وأومأ برأسه:
“لقد اختارت شريكاً مناسباً. أبلغهم بموافقتي.”
“التابعون يأملون أن يشرف الدوق بنفسه على المراسم.”
رفع باركاس رأسه ونظر إليه بينما كان يكمل قراءة الرسالة. استند دارين على السياج وتابع بنبرة إقناع:
“هذه هي المرة الثانية التي توشك فيها على الموت. ألن يكون من الجيد إظهار قوتك وحضورك في هذه المناسبة؟”
نظر باركاس إلى الصفحة الأخيرة من الرسالة بنظرة غارقة في التفكير.
الأخبار المتعلقة بها لم تتجاوز بضعة أسطر.
قرأ تلك الجملة الباردة التي تقول إنها تقضي وقتها بهدوء دون إثارة أي مشاكل، ثم كرمش الوثيقة الجلدية بيده.
********
سبحان الله و بحمده
سبحان الله العظيم
♡♡♡♡♡
Insta : Maxi_mine06♡
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.