مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 219نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 219

219

219

 

********

 

ازدادت حدة الهمهمات التي ملأت القاعة.

 

ثبت كبير الخدم نظراته على الدوق، الذي كان يرتشف من كأسه وكأنه غير معني بهذا الاضطراب، ثم طرح سؤالاً بنبرة استكشافية:

 

“هل في ذهن فخامتكم ابنة معينة؟”

 

“هل عليَّ أن أقرر حتى تفاصيل كهذه؟” 

 

أجاب الدوق وهو يضع كأسه الفارغة ببرود.

 

“يمكن لتحالف نبلاء الشمال اختيار المرشحة الأنسب لمنصب زوجة ولي العهد بأنفسهم.”

 

“إذا صدرت الموافقة الإمبراطورية، فسنشرع فوراً في اختيار المرشحين المناسبين.”

 

 انبرى زعيم تحالف نبلاء الشمال قائلاً وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة.

 

ظل كبير خدم الإمبراطور صامتاً لفترة وهو يداعب ذقنه، بنظرات تزن الأرباح والخسائر.

 

“لا يمكنني إعطاء أي رد قاطع في الوقت الحالي.”

 

“لا أنوي المطالبة برد فوري. كل ما عليك فعله هو إيصال اقتراحي إلى جلالة الإمبراطور.” 

 

قال الدوق بنبرة هادئة.

 

نهض كبير الخدم أخيراً من مقعده وهو ينظر إلى ذلك الوجه المسترخي بعدم رضا.

 

“حسناً. سأنقل كلمات الدوق إلى جلالته كما هي.”

 

لم يستغرق الأمر طويلاً حتى تمت الموافقة على مشروع المصاهرة بين ابنة عائلة بليستون وولي العهد؛ فقد كان الوفد الإمبراطوري يشعر في أعماقه بخطورة الغليان الشعبي في الشمال.

 

أرسلوا الرسل فوراً إلى العاصمة لطلب رأي الإمبراطور، ولم يلبث أن جاء الرد بالإيجاب.

 

سارعت عائلة بليستون بنشر الخبر في أنحاء الشمال كافة، في خطوة تهدف إلى تهديد غضب مواطني بالتو بخبر خروج إمبراطورة مستقبلية من أرضهم.

 

كان التأثير يفوق التوقعات؛ فبمجرد انتشار الخبر، بدأت شرارة التمرد الشعبي تخمد في مختلف مناطق بالتو.

 

 ويعود الفضل في ذلك أيضاً إلى استعانة نبلاء الشمال بالمروجين لتوجيه الرأي العام.

 

وبعد فترة وجيزة، بدأ أهالي بالتو ينظرون إلى خطبة ليدي بليستون وولي العهد كبشرى للسلام، وعزل تيار السلام الذي انتشر كالنار في الهشيم قوى التمرد في لحظات.

 

بدأت الميليشيات التي رفعت السلاح في وجه الجيش الإمبراطوري بالانحلال واحدة تلو الأخرى، والمدن التي كانت تعتصم فتحت أبوابها بصمت.

 

وهكذا، لم يتبقَّ من القوى المواجهة للإمبراطورية سوى بعض المناطق في أطراف الشمال وجيش بيورن بلودار هيمدال المتحصن في يوتونغار.

 

“كل هذا بفضل جهود فخامتكم الكبيرة.” 

 

قال الابن الثاني لعائلة بليستون بنبرة مرحة وهو يزور خيمة الدوق.

 

كان صوته مبتهجاً لدرجة تثير الريبة، خاصة وأنه سيضطر قريباً لمواجهة حليفه القديم كعدو.

 

رفع باركاس، الذي كان جالساً أمام الموقد يلمع سلاحه بالزيت، عينيه الزرقاوين نحو الرجل.

 

 كان الرجل الذي وصل إلى يوتونغار يقود جيش التحالف الشمالي يبدو في غاية الأناقة بالنسبة لشخص سار لمئات الأميال؛ فحصت نظرات باركاس الباردة درعه اللامع وعباءته المخملية ثم عادت للأسفل.

 

“يبدو أن الاستعدادات لحفل الخطوبة تسير على ما يرام؟”

 

“كل شيء يسير بسلاسة حتى الآن. رغم وجود معارضة من بعض النبلاء، يبدو أن أغلب كبار أعضاء المجلس المركزي يتقبلون هذا الزواج بإيجابية. ومن المقرر إقامة حفل خطوبة مهيب فور عودة سمو ولي العهد بجيشه.”

 

أجاب الرجل بنبرته المسترخية المعتادة، ثم تفحص الصناديق المكدسة قرب المدخل.

 

“هل يخطط فخامتكم للعودة إلى الشرق؟”

 

“صدرت الأوامر لجيش التحالف الإمبراطوري بالتراجع للخلف فور وصول جيش التحالف الشمالي.” 

 

أجاب باركاس وهو ينهض، مدخلاً سيفه المصقول في غمده.

 

“سأعسكر بالقرب من جبال يوتونغار لفترة، لكننا لن نكون في الواجهة بعد الآن. مهمة تصفية ما تبقى من المتمردين تقع الآن على عاتق التحالف الشمالي.”

 

“كان هذا هو الشرط لتصبح أنيستير زوجة لولي العهد، لذا لا حيلة لنا.” 

 

تنهد الرجل تنهيدة قصيرة، ثم نظر إليه فجأة بنظرة جادة.

 

“على أية حال، أشكركم مرة أخرى على جهودكم في إتمام هذه المصاهرة. وبفضل ذلك، يبدو أن معاهدة الهدنة ستُبرم بسلاسة أيضاً.”

 

“لا داعي للشكر. لقد دفعتُ بالأمر لأنني رأيت فيه مصلحة لي أيضاً.”

 

 تقبل باركاس شكر الرجل بلا مبالاة، ثم التقط معطفه وخرج.

 

خلف الخيام المتراصة والحواجز العالية، ظهرت القمم الصخرية الرمادية الشاهقة. جال ببصره بين سفوح الجبال المغطاة بالثلوج والوديان الواقعة بينها، ثم توجه نحو أطراف المعسكر.

 

وعند وصوله لنهاية الثكنات، ظهرت أمامه مشاهد جنود الشمال وهم ينصبون خيامهم.

 

بمجرد أن ينهوا بناء معسكرهم، كان ينوي قيادة جيشه إلى الطرف الجنوبي من جبال يوتونغار.

 

من هناك، سيتمكن من مراقبة أراضي الأطراف الشرقية بما فيها تارلين، وفي الوقت نفسه الاستجابة الفورية وفقاً لتطورات الحرب في الشمال. والأهم من ذلك، أن المسافة إلى كالمور لن تستغرق سوى عشرة أيام تقريباً، مما سيمكنه من تلقي أخبار قلعة رايدغو بشكل متكرر.

 

اتكأ باركاس بذراعه على السياج، وأخرج قنينة من خصره وبلل شفتيه بنبيذ قوي. لم يكن يحب الشرب بشكل خاص، لكنه بدأ يعتاد عليه كعادة منذ وقت ما.

 

شعر بالحرارة وهي تتدفق في مرئه وكأنها تحرقه، وزفر نفساً طويلاً.

 

في تلك اللحظة، اختلط صوت حوافر الخيول كالرعد بالرياح العاتية.

 

تأهب للحظة ظناً منه أنه هجوم مفاجئ للعدو، لكنه سرعان ما قطب حاجبيه عندما رأى فرقة فرسان بالدروع الذهبية تنحدر على طول المنحدر الشمالي الغربي للجبال.

 

كانت الأوامر الإمبراطورية قد صدرت لولي العهد بالتحرك فوراً مع القوة الرئيسية إلى المنطقة الجنوبية الغربية من بالتو. فما الذي جاء بهذا الشخص إلى هنا، بينما يفترض أن يكون في طريقه إلى سيفرون؟

 

اجتاز الثكنات فوراً وتوجه نحو نقطة التفتيش.

 

بمجرد مروره من المدخل، ظهر غاريس روم غيرتا وهو يمتطي جواداً ذهبياً.

 

 ابتلع باركاس تنهيدته عندما رأى وجهه الذي يفيض بالرغبة في القتل؛ يبدو أنه قطع كل تلك المسافة ليصب جام غضبه عليه.

 

“سمو ولي العهد.”

 

تقدم نحو مقدمة فرقة الفرسان المصطفة وأدى التحية، فقفز ولي العهد من فوق حصانه واقترب منه بحدة.

 

“تبدو بخير.”

 

تفحصته عيناه الخضراوان الداكنتان ببطء.

 

استطاع باركاس أن يقرأ في هاتين العينين غضباً يوشك على الانفجار. زم غاريس شفتيه بابتسامة وحشية وأضاف بخشونة:

 

“ظننتُ أن عقلك قد أصابه مكروه من آثار طعنة السيف المسموم.”

 

“يؤسفني حقاً أنني تسببتُ بالقلق لسموكم.”

 

 أجاب باركاس بجفاء.

 

حدق به غاريس بنظرة تكاد تقتله، ثم التفت فجأة نحو مدخل نقطة التفتيش وزمجر قائلاً:

 

“حتى دون هذا، الشائعات تملأ المكان بأن العلاقة بيننا لم تعد كما كانت، ولا حاجة لصب الزيت على النار. اتبعني فوراً.”

 

ثم انطلق مخترقاً الثكنات نحو الخيمة الكبيرة في وسط المخيم. تبعه باركاس بصمت.

 

بمجرد دخولهم الخيمة، قبضت يد برونزية ضخمة برزت عروقها على تلابيبه. 

 

وفي الوقت نفسه، اندفع أنفاس كأنفاس ثور هائج نحو وجهه.

 

“لن أسألك عما كنت تفكر فيه وأنت ترتكب هذه الحماقة. ارفع الآن التماساً لجلالة الإمبراطور تعارض فيه هذا الزواج. وحينها سأغفر لك قيامك بهذا العمل من تلقاء نفسك.”

 

“معذرة، لكنني لا أستطيع فعل ذلك.”

 

أجاب باركاس بوقار وهو يبعد يد الآخر عنه بلطف.

 

 وأمام ذلك الموقف المتعالي، برز عرق غليظ على رقبة ولي العهد البرونزية.

 

“هل تعني أنك تعصي أمري الآن؟”

 

“نعم، هذا صحيح.”

 

عدّل باركاس هندامه المبعثر وتابع بنبرة هادئة:

 

“لقد تمت هذه المصاهرة بموافقة جلالة الإمبراطور. وحتى لو رفعتُ التماساً الآن، ففرصة التراجع ضئيلة جداً.”

 

“لا تضحكني! أنت من خطط لكل هذا! الشائعات تملأ قارة لوفيدن بأنك تطوعت للعب دور الخاطبة، فمن تحاول خداعه؟”

 

“أنا من اقترح هذا الزواج بالفعل، لكن من وافق عليه هو مجلس الإمبراطورية وجلالة الإمبراطور. لو رأوا أن هذا الاتحاد لن يعود بالنفع على الإمبراطورية وسموكم، لما تمَّ مهما كانت المكائد التي أقوم بها في الخفاء.”

 

الآن، لم يعد وجه ولي العهد أحمر فحسب، بل صار داكناً كأنه سينفجر.

 

ركل صندوقاً خشبياً مكدساً في جانب الخيمة بساقه العضلية الطويلة وصرخ:

 

“من أجلي؟ لا تتفوه بهذا الهراء! أنت فقط تريد إنهاء هذه الحرب في أسرع وقت ممكن! هل تظن أنني لا أعرف أنك تتوق للعودة بأسرع وقت إلى الشرق حيث تنتظرك تلك المرأة؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.