مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 218نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 218

218

218

 

*********

 

دوت صرخات غاضبة داخل قاعة المأدبة في قلعة دولاكان أكثر من أي وقت مضى، وذلك بسبب اشتداد حدة المواجهة بين تحالف نبلاء بالتو والوفد الإمبراطوري.

 

المفاوضات التي كان من المتوقع أن تنتهي في غضون بضعة أشهر، استمرت لنصف عام دون أي تقدم مذكر، مكتفية بتكرار السجالات المستهلكة.

 

 ومع وصول صبر الوفد الإمبراطوري إلى حدوده القصوى واتخاذهم موقفا متشددا، بدأت تسود المكان أجواء مشحونة توحي بأن القتال قد ينشب في أي لحظة.

 

“بدأت أشك في نوايا تحالف نبلاء الشمال، وما إذا كانت لديهم رغبة حقيقية في إبرام معاهدة الهدنة أصلا.”

 

تحدث ثيودوسيوس ليون، كبير خدم الإمبراطور ورئيس الوفد، بنبرة متهكمة وتابع:

 

“ألا تحاولون المماطلة في هذه المفاوضات لمراقبة الوضع، والعودة لصف الخونة إذا سنحت لكم الفرصة؟”

 

“كفّ عن هذه الظنون المبالغ فيها!”

 

انفجر رد فعل فوري من جانب تحالف نبلاء بالتو:

 

“نحن نطالب فقط بحد أدنى من ضمانات الأمان. كما قلنا مرارا، إذا تم ضمان الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به نبلاء الشمال سابقا، فنحن مستعدون تماما لوضع أختامنا على ورقة المعاهدة.”

 

“أعتقد أن رد الإمبراطورية على هذا الطلب قد نُقل إليكم بوضوح وكفاية.”

 

زفر ثيودوسيوس تنهيدة متعبة وهو يضغط على صدغيه بضيق وتابع:

 

“لقد أدار تحالف نبلاء بالتو ظهره للإمبراطورية مرة واحدة بالفعل. وقد تفضل جلالته بالعفو وقرر عدم المحاسبة على ذلك الجرم، لكنه أوضح تماما أن المدن الرئيسية في بالتو ستخضع لرقابة إداريين ترسلهم الإمبراطورية لفترة من الوقت.”

 

“وهذه ‘الفترة’ تعني إلى متى بالضبط؟”

 

سأل شاب من نبلاء الشمال كان يجلس بهدوء عند طرف الطاولة وهو يكتف ذراعيه.

 

هز كبير خدم الإمبراطور كتفيه بلا مبالاة:

 

“هذا أمر يعتمد على مدى سرعة استعادتكم لثقة الإمبراطورية.”

 

سادت نبرة عدائية وجوه نبلاء بالتو جراء أسلوب كبير الخدم المتغطرس، لكن الرجل واصل كلامه بنهج استعلائي دون أن يبدو عليه أي ارتباك:

 

“هذه المفاوضات هي الرحمة الأخيرة التي يمنحكم إياها جلالته. ليس أمام تحالف نبلاء الشمال سوى طريقين: إما قبول اقتراح جلالته بتواضع، أو دفع ثمن عدم الولاء.”

 

“كف عن هذا الأسلوب الذي يوحي بأنك تتفضل علينا بمنة من جانب واحد.”

 

تحدث كونت عجوز من الشمال كان يلتزم الصمت طوال الوقت بنبرة رزينة:

 

“أليس جلالة الإمبراطور هو الآخر يرغب في إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن؟ هل تظن أننا لا نعرف أن حكام المناطق الأخرى يشعرون باستياء عارم؟”

 

“لا بد لي من تذكيرك بأن هذا الاستياء موجه نحو بالتو أيضا.” رد الرجل بحدة.

 

“إن قارة لوفيدن بأكملها تعاني بسبب التمرد الذي أندلع في بالتو. إذا علم الجميع أنكم تهملون هذه المسؤولية وتنشغلون فقط بتأمين مناصبكم، فإلى أين ستوجه سهام غضبهم برأيك؟”

 

أطبق الكونت العجوز فمه إثر ملاحظة الرجل. ولم يتوقف كبير الخدم عند هذا الحد، بل واصل ضغطه بقوة:

 

“إذا لم تنتهِ هذه الحرب بسرعة، فسيتم وصم بالتو كعدو مشترك لقارة لوفيدن.”

 

ضرب أحد الشماليين الطاولة بقوة ردا على هذا التهديد الصريح:

 

“جلالة الإمبراطور هو من اقترح مفاوضات الهدنة! هل هذه هي الرحمة التي تتحدثون عنها؛ أن توجهوا تهديدات كهذه لنا نحن الذين جئنا إلى هنا واثقين في جلالته؟”

 

“لقد رفع تحالف نبلاء الشمال السيوف في وجه الإمبراطورية! ومع ذلك، كان جلالته هو من مد يد الصلح والمسامحة أولا. لكنكم تردون على ذلك بوضع شروط سخيفة! إلى متى تتوقعون أن يصبر جلالته على وقاحتكم هذه؟”

 

انفجرت صرخات غاضبة من جانب الوفد الإمبراطوري الذي نفد صبره أيضا، لتتحول القاعة في لحظة إلى ساحة من الفوضى.

 

من مقعد بعيد، راقب إريك، الابن الثاني لعائلة بليستون، هذا المشهد بزفرة ثقيلة. بدا أن المفاوضات على وشك الانهيار التام.

 

“هل يمكن حقا إصلاح هذا الوضع؟”

 

همس سيدريك، ابن شقيقه، الذي كان يجلس بجانبه بقلق وهو يتململ في مقعده.

 

تأمل إريك بوجوه النبلاء المحيطين بالطاولة الطويلة بنظرات غارقة في التفكير.

 

بسبب انتصارات بيورن بلودار هيمدال، أصبح نبلاء الشمال أكثر تشككا في معاهدة الهدنة.

 

ففي ظل وصول عداء مواطني بالتو للإمبراطورية إلى ذروته، يخشون أن يُوصموا بلقب ‘خونة الأمة’ إذا انحازوا للإمبراطورية بتهور في هذا الوقت.

 

ومع ذلك، لم يظهر الوفد الإمبراطوري أي نية للتراجع خطوة واحدة وسط هذا الاضطراب؛ فقد كانوا يخشون المساس بكرامة وهيبة الإمبراطورية أكثر من أي شيء آخر.

 

“بالتأكيد… في ظل هذا الوضع، قد يؤدي طرح موضوع الزواج إلى نتائج عكسية.” 

 

اعترف إريك بذلك على مضض.

 

رغم أن حاكم الشرق يتمتع بعلاقة وطيدة مع العائلة الإمبراطورية، إلا أن إقناع الإمبراطور العنيد وحاشيته المخلصين لن يكون أمرا سهلا.

 

‘هل يجب تعديل الخطة؟’

 

نقر إريك على الطاولة بأطراف أصابعه وهو يتذكر دوق الشرق الشاب الذي بدا وكأنه منحوت من الثلج.

 

كان شابا يتمتع بنزعة قتالية عالية، على عكس ملامحه الرقيقة التي تبرز فيها دماء الأوسيريين.

 

فهل يستطيع ذلك ‘الناشئ’ الذي بدا فضا ومتهورا بعض الشيء التعامل مع هذا الموقف المعقد ببراعة؟

 

بينما كان إريك يداعب ذقنه بتعبير مشكك، نهض من كرسيه.

 

رغم الشائعات التي تقول إن دوق شيركان وولي العهد كالأخوين، إلا أن الأنباء عن توتر علاقتهما بعد فشل مشروع زواجه من الأميرة الأولى كانت منتشرة بكثرة.

 

‘ربما يكون من الأفضل البحث عن مخرج آخر.’

 

قال إريك بصوت يملؤه الارتباك بعد وصوله لهذا الاستنتاج:

 

“يبدو أن البقاء هنا هو مضيعة للوقت. لنغادر.”

 

وبينما كان يهم بالمغادرة مع ابن شقيقه، دخل شخص ما إلى قاعة المفاوضات.

 

حبس جميع النبلاء أنفاسهم وهم يلتفتون غريزيا نحو الباب. 

 

فقد دخل الرجل ذو الملامح الجميلة بشكل غير واقعي إلى القاعة، يقوده فارسان يبدوان كأنهما مساعدان له.

 

خرجت تنهيدات خافتة من أفواه بعض النبلاء الذين عرفوا وجهه.

 

“دوق شيركان….”

 

كان هو حاكم الشرق، الذي نُقل إلى قلعة دولاكان قبل أسابيع قليلة وهو في حالة تقرب من الموت.

 

تفحصت عشرات الأعين المذعورة وجه الرجل المنحوت وجسده القوي.

 

وفقا لشهادات الجنود، فإن سيفا طويلا مطليا بالسم كان قد اخترق خاصرة ذلك الرجل وخرج من ظهره. 

 

ألم تكن الشائعات تقول إن حالته خطيرة لدرجة لا تضمن الشفاء رغم تدخل كبير الكهنة فورا؟

 

لكن لم يكن هناك أي أثر للإصابة في هيئة الرجل الذي كان يعبر القاعة.

 

“أرجو المعذرة لدخولي المفاجئ دون طلب إذن مسبق.”

 

قال الرجل الذي اتخذ مقعد الصدارة كأمر طبيعي، وهو يبتسم ابتسامة هادئة:

 

“لقد تملكني فضول لا يقاوم لمعرفة كيف تسير المفاوضات التي تراوح مكانها منذ نصف عام.”

 

“….سمعنا أنه لم يمضِ وقت طويل على استيقاظك. هل من المناسب أن تتحرك هكذا بالفعل؟” 

 

سأل كبير خدم الإمبراطور بنظرة مليئة بالحذر.

 

أمسك الرجل بكأس وبلل شفتيه، ثم قال بنبرة ودودة:

 

“كما ترون، لقد استعدت عافيتي تماما الآن.”

 

“هذا أمر يدعو للسرور حقا. جلالته سيشعر بالراحة أيضا.”

 

“إنه لأمر مؤسف حقا أنني تسببت بالقلق لجلالة الإمبراطور.”

 

تحدث الرجل بنبرة جافة وهو يتكئ بظهره على الكرسي، وأرخى أزرار سترته المشدودة بإحكام. 

 

ذكرت هيئته تلك بـحيوان مفترس من فصيلة القطط يخفض جسده بهدوء قبل الانقضاض على فريسته.

 

عاد إريك للجلوس بعد أن كان قد نهض.

 

يبدو أن دوق شيركان ينوي الوفاء بوعده له. 

 

لا بأس من الانتظار لنرى كيف سيعالج هذا الرجل الموقف قبل تحديد الوجهة القادمة.

 

بينما كان يفكر في ذلك واضعا يديه المتشابكتين على الطاولة، واصل الرجل كلامه بنبرة مسترخية:

 

“لا تهتموا بوجودي وواصلوا حديثكم. فأنا متلهف جدا لمعرفة النتيجة التي ستؤول إليها هذه المفاوضات.”

 

“ألا تتولى فخامتكم منصب القائد العام لقمع المتمردين؟ ألا يجب أن تهتم بذلك الجانب بدلا من هذه المفاوضات……”

 

“يا لها من كلمات جافة. هل تطلب من شخص نجا من الموت للتو أن يعود لساحة الحرب بمجرد فتح عينيه؟”

 

أطلق الرجل ضحكة ساخرة وكأنه سمع نكتة ممتعة، ثم رفع كأسا فارغة نحو الخادم الواقف خلفه.

 

 سارع الخادم لتعبئة الكأس الفضية، فارتشف منها الرجل رشفة ثم قال وهو يبتسم ابتسامة ناعسة نحو خادم الإمبراطور:

 

“هل يرغب جلالته في أن أموت ميتة مبكرة في هذه الأرض؟”

 

“كيف يمكنك قول ذلك…!”

 

رفع كبير خدم الإمبراطور صوته بذهول.

 

“هل تحمل الإمبراطورية مسؤولية إصابتك؟ كل ذلك كان بسبب…..!”

 

“إصابتي هي نتيجة تقصيري الخاص. هل تعتقد حقا أنني سألوم جلالة الإمبراطور على أمر كهذا؟”

 

قاطع الدوق كلام كبير الخدم بأسلوب غير مبالٍ، ثم وضع الكأس على الطاولة بقوة أحدثت صوتا. ظهر توتر شديد على وجه كبير الخدم.

 

فمنذ لحظات فقط، كان يصرخ بأن استياء النبلاء موجه لبالتو وليس للإمبراطورية.

 

 والآن، يبدي أحد هؤلاء النبلاء، وهو دوق شيركان، استياءه علنا، مما جعله في موقف محرج للغاية.

 

وبعد أن راح يقلب عينيه بتعبيرات متجهمة، قال الرجل بلهجة استرضائية:

 

“جلالة الإمبراطور يقدر تضحيات الدوق بعمق. وقد أوصى مرارا بعدم ادخار أي جهد في تقديم كل الدعم اللازم لاستعادة صحتك.”

 

“هذه كلمات تستحق الشكر حقا.”

 

تمتم الرجل بنبرة خالية من المشاعر ثم مال بجسده نحو الطاولة:

 

“لكن ما أحتاجه ليس معالجا، بل إنهاء الحرب. إذا كان جلالته يهتم حقا بتابعيه، فسأكون ممتنا أكثر لو بذل كل ما في وسعه لإنهاء هذه الحرب.”

 

تصلب وجه كبير الخدم الشاب. 

 

وفي المقابل، ظهرت علامات الاستبشار على وجوه نبلاء الشمال؛ فقد اعتقدوا أن الموقف بدأ يميل لصالحهم. تفحص الرجل وجوههم بنظرات جافة، ثم تحدث مجددا:

 

“كلما طال أمد هذه المماطلة، ضعف تماسك الإمبراطورية أكثر. أليس من غير المنطقي الاستمرار في تجاهل هذه الحقيقة البديهية؟”

 

“إذا، هل تطلب من جلالة الإمبراطور أن يتذلل للخونة الآن؟”

 

 قال كبير الخدم الشاب وهو يجز على أسنانه.

 

 وبصفته ابنا لعائلة مخلصة تعمل كذراع يمنى للإمبراطور عبر الأجيال، بدا أنه لا يستطيع قبول تصريحات الدوق التي تبدو وكأنها تتحدى السلطة الإمبراطورية.

 

نظر الدوق الشاب بهدوء إلى الرجل الذي ظهرت العروق في جبهته وكأنه شهد خيانة عظمى، ثم زفر تنهيدة مليئة بالتعب وقال:

 

“هل يعقل أن أفعل ذلك؟”

 

وتابع كلامه بنبرة ودودة:

 

“جوهر كلامي هو التوقف عن هذا التصرف الغبي المتمثل في التشبث بصراع على الكرامة لا يحقق أي مكسب حقيقي، مما يجعلنا نفقد جوهر أمن الإمبراطورية. لقد تأسست إمبراطورية رويم على مبادئ الوحدة والانسجام. حتى شعبنا، شعب ‘كان’ الذي عارض الإمبراطورية لسنوات طويلة، احتضنه الإمبراطور المؤسس ‘داريان روم غيرتا’ كجزء من الإمبراطورية. والآن، بينما تواجه إمبراطورية رويم خطر الانقسام، نحن بحاجة لإحياء روح الانسجام تلك مجددا.”

 

ساد صمت غريب في القاعة بعد هذا الخطاب البليغ الذي خرج من فم رجل عُرف بصمته.

 

وبعد أن ظل كبير الخدم مذهولا لفترة، سأل بنبرة عصبية بعض الشيء:

 

“ما الذي تريد قوله بالضبط؟”

 

“أريد القول إنه لإنهاء هذا النزاع، نحن بحاجة لرمز للاتحاد يربط الإمبراطورية والشمال معا مرة أخرى.”

 

حينها، اتسعت عينا كبير الخدم الشاب وكأنه أدرك أخيرا ما يرمي إليه.

 

وسط تمتمات الحضور في القاعة، واصل الدوق كلامه بسلاسة:

 

“تحتاج الإمبراطورية لضمانة بأن الشمال لن يتمرد مرة أخرى، ويريد الشمال ضمانات مؤكدة بأنهم سيتمتعون بنفس مكانتهم السابقة كجزء من الإمبراطورية. إن الارتباط بين ابنة عائلة تمثل الشمال وسمو ولي العهد؛ هل هناك رمز لإعادة الوحدة أقوى من هذا؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.