مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 217نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 217

217

 217

 

 

*********

 

أجاب الرجل بنبرة مثقلة بالهموم وهو يرمقه بنظرة حزينة:

 

“لقد تمزق الشريان الأبهر. لو تأخرنا قليلا، لما تمكن حتى الكهنة من فعل أي شيء.”

 

لم يظهر باركاس أي رد فعل يذكر رغم سماعه أنه كان على وشك فقدان حياته.

 

وبدلا من ذلك، رفع ذراعه وبدأ يثني مفاصل أصابعه ويفردها مرارا وكأنه يتفقد حالة أداة ما، ثم سأل بنبرة هادئة:

 

“كيف يسير وضع المعركة؟”

 

“لقد نجحنا في استعادة أماسيك، لكن تصفية المتمردين لا تزال تراوح مكانها. تأكدنا من أن قوى المتمردين بقيادة بيورن بلودار هيمدال قد أنشأت قاعدة جديدة في يوتونغار، ولكن…..تضاريس المنطقة وعرة للغاية لدرجة تمنع دخول الجيش، لذا نحن نحافظ على حالة المواجهة حاليا.”

 

استمع باركاس لتقرير دارين بعناية وهو يسترجع تضاريس الشمال في ذهنه.

 

كانت يوتونغار سلسلة جبال وعرة تفصل بين الشمال والشرق. ممرات ضيقة ومنحدرات حادة تتشابك كالمتاهة، مما يجعل زحف جيش ضخم بنظام أمرا يقرب من المستحيل؛ إنها حصن طبيعي لا يضاهى.

 

علاوة على غناها بالموارد، فلن يكون هناك مكان أنسب منها لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد قوات تفوقهم عددا بمرات.

 

‘هل ينوي كسب الوقت إذا؟’

 

تذكر باركاس تلك العينين الحمراوين اللتين كانتا تلمعان بوهج متقد خلف الخوذة الفولاذية.

 

كان خصما متهورا ومندفعا، لكن حسه في قراءة مجريات المعركة كان باردا وحاسما بشكل مخيف.

 

بمجرد أن أدار تحالف نبلاء الشمال ظهورهم له، استمال شعب بالتو وأعاد بناء قوته.

 

ربما كان هو نفسه من حرض على اندلاع الانتفاضات في أنحاء بالتو.

 

 لا بد أنه حسابيا قد استنتج أن كسب عام أو عامين آخرين سيؤدي إلى انهيار الإمبراطورية من الداخل تدريجيا.

 

حاليا، قامت سلالة رويم الإمبراطورية بالضغط على الأمراء والنبلاء في كل مكان لجمع جيش ضخم لقمع تمرد الشمال. وإذا استمر الضغط لطلب تعزيزات إضافية، فإن استياء النبلاء سيصل إلى مستوى لا يمكن الرجوع عنه.

 

وفي النهاية، ستضطر الإمبراطورية لتقديم حلول وسط.

 

‘لقد استخدم عقله جيدا.’

 

أطلق باركاس ضحكة جافة ساخرة، ثم رفع جسده العلوي ببطء. 

 

هذه المرة لم يمنعه دارين، بل اكتفى بنظرة تنم عن السأم من عناده.

 

تجاهل باركاس تلك النظرة وجلس على حافة السرير، ثم زفر الهواء من رئتيه وسأل:

 

“أين نحن الآن؟”

 

“في قلعة دولاكان.” 

 

جاءت الإجابة من جهة الباب.

 

التفت باركاس نحو مصدر الصوت ليجد الابن الثاني لعائلة بليستون، فضيق عينيه.

 

دخل الرجل الغرفة بخطوات واسعة دون استئذان، وواصل شرحه بنبرة سلسة:

 

“لقد اقترحتُ على محاربي عائلة شيركان إحضار فخامتكم إلى هنا. بما أن الوفد الإمبراطوري والكبير الكهنة من أوسيريا يقيمون في هذه القلعة، فقد رأيت أن ذلك سيساعد في علاجكم.”

 

“أنا مدين لك.”

 

عندما ألقى باركاس هذه التحية الشكلية، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي الرجل.

 

“لا داعي للشكر. لو أن فخامتكم فارقت الحياة، لذهبت خططنا أدراج الرياح، أليس كذلك؟”

 

قطب دارين حاجبيه ونظر للرجل بريبة. يبدو أن باركاس لم يكشف له بعد عن الاقتراح الذي قُدم له.

 

أطلق باركاس ضحكة مشوبة بالازدراء:

 

“لهذا السبب أحضرتني إلى هنا إذا. هل تريد مني أن أطرح ذلك الموضوع بنفسي في قاعة المفاوضات؟”

 

“كما تعلم، نحن لسنا في وضع يسمح لنا بالتجرؤ على فتح هذا الموضوع. ولكن إذا تقدمت فخامتكم بنفسك، فستسير الأمور بسلاسة أكبر.”

 

لوى باركاس طرف فمه بسخرية.

 

بدا أن الرجل ينوي تثبيت هذا الزواج كشرط أساسي وجوهري لإبرام معاهدة الهدنة.

 

“يبدو أنك مستعجل للغاية.”

 

“لقد مضت ثلاث سنوات تقريبا على بداية الحرب. كيف لا أستعجل وشمالنا بأكمله يتحول إلى خراب؟”

 

“لو كنت ترغب في حماية بالتو، لما كان عليك التفكير في التمرد منذ البداية.”

 

“كل إنسان معرض للخطأ.”

 

 مرت ابتسامة مريرة على شفتي الرجل فجأة.

 

“أليس المهم هو ما سيحدث مستقبلا؟ لقد اتخذت عائلة بليستون قرارا بإنهاء هذه الحرب الآن. حتى لو اضطررنا لتصفية بيورن بلودار هيمدال بأيدينا.”

 

“……”

 

“أفترض أن فخامتكم ترغب أيضا في إنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن.”

 

لم يرد باركاس. 

 

وبعد أن حدق الرجل في وجهه لبرهة، تنهد تنهيدة صغيرة وتراجع للخلف.

 

“لا أتوقع من فخامتكم التوجه لقاعة المفاوضات فورا. ركز أولا على استعادة عافيتك.”

 

وبعد ذلك، غادر الزائر غير المرغوب فيه الغرفة.

 

اقترب دارين، الذي كان واقفا جانبا يستمع للحوار بصمت، وسأل فورا:

 

“ما هو هذا الاقتراح الذي يتحدث عنه؟”

 

“طلب مني ترشيح ابنة عائلته لتكون زوجة لولي العهد.”

 

قال باركاس ذلك بلا مبالاة وهو يتناول كأس الماء الموضوع على الرف ليبلل فمه.

 

“يبدو أنهم بحاجة لضمانة (تأمين) كي لا تنقلب الإمبراطورية ضدهم بعد توقيع معاهدة الهدنة.”

 

انفغر فحم دارين ذهولا؛ فقد بدا مذهولا من وقاحة عائلة بليستون. 

 

ومع ذلك، وبصفته شخصا يملك عقلا واقعيا للغاية، سرعان ما حسب المكاسب التي قد يجنيها هذا الاقتراح.

 

“في الوقت الحالي، يبدو هذا الحل الأكثر سلمية لإنهاء الحرب الأهلية. كما أنه حل لتهدئة استياء أهل الشمال.”

 

 قال ذلك وهو يداعب ذقنه.

 

اتكأ باركاس برأسه على حافة السرير وهو يشعر بجسده يزداد ثقلا، وزفر تنهيدة متعبة:

 

“سيكون كذلك، هذا إذا قبل ولي العهد بالأمر ببساطة.”

 

“بل يجب عليه أن يقبل.”

 

ظهرت ملامح حادة على وجه الرجل فجأة.

 

“ولي العهد يتحمل مسؤولية كبيرة في اندلاع الانتفاضات الشعبية في بالتو. وإصلاح هذا الأمر هو واجب يقع على عاتقه كفرد من العائلة الإمبراطورية.”

 

رفع باركاس حاجبا بعد أن قرأ العداء الصريح في نبرة صوته.

 

كان معظم نبلاء الشرق يكنون مودة ضمنية لغاريس لكونه من سلالة عائلة شيركان.

 

 لكن يبدو أن تصرفاته المتهورة التي شهدوها خلال الحرب قد استنزفت تلك المودة تدريجيا. وتابع دارين بنبرة باردة:

 

“لا يمكن لدوق الشرق أن يستمر في تنظيف فوضى العائلة الإمبراطورية للأبد. فلتكن هذه المصاهرة هي الخاتمة، وبعدها، أرجو من فخامتكم العودة إلى كالمور.”

 

خرجت ضحكة ساخرة خافتة من بين شفتي باركاس:

 

“هل تطلب مني الآن عصيان أوامر جلالة الإمبراطور؟”

 

“لقد كنت على وشك فقدان حياتك يا صاحب الفخامة.”

 

 قال دارين بنبرة كئيبة وهو يتفحص حالته.

 

“إذا كان لدى جلالته ذرة من ضمير، فلن يجرؤ على دفع الدوق إلى ساحة المعركة أكثر من ذلك.”

 

“……”

 

“لقد حان وقت راحتك. منذ أن توليت منصب الدوق وحتى الآن، لم تحظَ بلحظة واحدة لالتقاط أنفاسك.”

 

نظر إليه باركاس بتعبير ينم عن دهشة نادرة. 

 

ربت الرجل على كتفه بلمحة من الشفقة ثم نهض من مكانه.

 

بعد فترة وجيزة، جاء الكهنة لتفقد حالته.

 

راقب باركاس الشمس وهي تغرب من النافذة بينما كانوا يفككون الضمادات ويصبون أدوية مجهولة الهوية على جرحه.

 

وعندما انتهى العلاج، أشعل خادم عجوز النار في موقد صغير وأحرق أعشابا لها مفعول مسكن للآلام. كان إجراء غير ضروري، لكن باركاس لم يمانع.

 

بينما كان يستنشق الدخان الكثيف، فكر في الحلم الذي رآه أثناء غيابه عن الوعي. فكر فيها، في تلك التي كانت تنظر إليه بنظرات مليئة بالعتاب.

 

كيف سيكون رد فعلها عندما تسمع خبر إصابتي؟

 

‘اذهب ولا تعد أبدا.’

 

شعر بمرارة في فمه وكأنه ابتلع رمادا.

 

هل ستصابين بخيبة أمل عندما ترينني أعود حيا وبخير؟ أم أنكِ…..

 

توقفت أفكاره التي كانت تنساب بضبابية وكأن عائقا قد اعترض طريقها.

 

 

وبعينين غلبهما مفعول الدواء، راح يراقب السماء التي أصبحت حالكة السواد، ثم أسند رأسه إلى الحائط بتعب.

 

 

كان الظلام العميق يبتلع الليل بلا نهاية.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.