الفصل 216
216
216
********
حاول باركاس التشبث بالسرج بضغط فخذيه بكل قوته، لكن جسده كان قد وصل بالفعل إلى أقصى حدوده.
وفي النهاية، سقط هوى على الأرض الجليدية الباردة.
“صاحب الفخامة!”
بالكاد تمكن أحدهم من تلقف جسده وهو ينزلق عن فرسه.
وعلى الرغم من كونه جاثيا على ركبتيه يحاول التقاط أنفاسه، إلا أنه نفض الأيدي التي حاولت مساعدته، واستخدم رمحه كركيزة ليرفع جسده المائل ويقف مستقيما.
لكن الرؤية بدأت تتشوه وتدور من حوله مرة أخرى.
اتكأ برأسه على الحربة منتظرا أن تخف حدة الدوار، ثم ألقى نظرة خاطفة على بطنه.
يبدو أن الجرح قد انفتح بسبب تحركاته العنيفة؛ فالدماء كانت تتدفق بغزارة من الفجوة التي أحدثها السيف في درعه.
صرخ أحد الفرسان وهو يمزق رداءه الخارجي ليحاول سد الجرح بسرعة:
“استدعوا ساحرا حالا!”
عندما أدرك باركاس أنه لم يعد قادرا على الحراك، استسلم أخيرا واستلقى بظهره فوق الجليد.
لم يعد يشعر بالألم، لكنه كان يدرك بوضوح شديد تلك البرودة والتعب اللذين يكتسحان جسده.
‘ربما يكون هذا هو المشهد الأخير الذي تراه عيناي.’
فكر في ذلك وهو يرمق السماء بنظره؛ حيث كان لون الكوبالت الجميل في وقت ما بعد الظهيرة ينسكب داخل شبكية عينيه.
في تلك اللحظة، سرى إحساس باللوعة في أعماق صدره.
كان أمرا غريبا؛ فالطعنة كانت في خاصرته بلا شك، فلماذا يشعر وكأن ثقبا قد أُحدث في قلبه؟
أغمض باركاس عينيه المتعبتين بعد أن رمش بجفنيه الذابلين بضع مرات.
* * *
داعبت وجهه نسمة عليلة محملة برائحة العشب الشذية.
وعندما أدرك أن هناك رائحة ثمار حلوة تمتزج بها، غير باركاس اتجاه خطواته فورا.
ولم يمضِ وقت طويل حتى وجد الفتاة التي ظل يبحث عنها لساعات عند ضفة البركة التي اصطبغت بلون الشفق الأحمر.
نظر باركاس بامتعاض إلى الفتاة التي كانت تجلس على غصن شجرة غليظ يرتفع بمستوى كتفه، وهي تحرك قدميها الحافيتين.
“ألم يتجاوز سنكِ تسلق الأشجار؟”
اتجهت العينان الزرقاوان اللتان كانتا ترقبان البحيرة الأرجوانية الهادئة نحوه بلمحة خاطفة.
“ليس بعد. يمكنني فعل أي شيء أريده حتى أبلغ الخامسة عشرة.”
رفع حاجبا واحدا بتعجب؛ فبنات العائلات النبيلة عادة ما يتعلمن أصول التصرف كسيدات منذ سن الثامنة أو التاسعة.
أراد الاعتراض، لكنه تنهد بدلا من ذلك ومد يده إليها.
“الوقت تأخر. هيا انزلي الآن.”
نظرت إليه الفتاة بنظرة غريبة، ثم أدارت وجهها بتكبر.
“لا أستطيع.”
ضيق عينيه بشك.
وتحت وطأة نظرته الضاغطة، حركت الفتاة قدميها البيضاويتين تحت طرف فستانها المرفوع حتى ساقيها.
“أترى هذا؟ أنا حافية القدمين، لذا لا يمكنني التحرك من هنا أبدا.”
“….وأين ذهب حذاؤكِ هذه المرة؟”
“لا أدري. سقط في مكان ما هناك.”
أشارت نحو الشجيرات الكثيفة أسفل المنحدر المؤدي إلى البحيرة.
كتم باركاس تنهيدة، ثم نزل إلى الأسفل وبدأ في البحث بين الشجيرات، حتى عثر أخيرا على زوج من الأحذية المخملية بحجم كف يده.
بعد أن نفض عنه الغبار، عاد إلى تحت الشجرة، لتمتد قدم الفتاة أمام وجهه وكأنها كانت تنتظره.
“تفضل.”
شعر بضيق لبرهة من معاملتها له – وهو الفارس ووريث الدوق – وكأنه خادم تافه، لكنه سرعان ما أمسك بإحدى قدميها وأدخلها في الحذاء بعناية.
حركت الفتاة أصابع قدميها الصغيرة وكأنها تشعر بدغدغة، ثم مدت قدمها الأخرى.
ألبسها الحذاء الآخر دون اعتراض، ثم وقف مستقيما وأمال رأسه جانبا وقال:
“هل انتهينا الآن؟”
“انتهينا من ماذا؟ يجب أن تنزلني الآن.”
ومدت ذراعيها نحوه بوجه طفولي.
وقف باركاس يراقبها للحظة، ثم تنهد باستسلام ورفع جسدها بين ذراعيه.
وبينما كان يهم بوضعها على الأرض، التفت ذراعاها الناعمتان حول عنقه.
تصلب جسده من هذا التصرف غير المتوقع، وفي اللحظة التالية، قطب حاجبيه عندما اشتم رائحة نبيذ قوية.
يبدو أنها كانت تتذمر كثيرا لأنها سرقت خمرا وشربته في مكان ما.
حاول إبعاد الفتاة التي كانت تلتصق بصدره، وسألها بلهجة حازمة:
“من أين حصلتِ على النبيذ؟”
“سر.”
ضحكت الفتاة بضحكة مكتومة.
تلك الضحكة التي رنت بوضوح مثل نسيم عليل جعلت كل كلمات التوبيخ الحادة التي كانت تدور في فمه تتلاشى في لحظة.
نظر بعينين مندهشتين إلى وجهها الصغير الذي علاه احمرار خفيف.
لم يستطع إبعاد نظره عن الفتاة التي كانت تبدو دائما وكأنها ستموت من البؤس، وهي تضحك الآن دون أي هموم.
“انظر يا باركاس. هناك قمر في السماء.”
وأشارت فجأة إلى السماء التي بدأت تصطبغ باللون الأزرق الداكن.
تتبع طرف إصبعها، فرأى قمرا على شكل ظفر معلقا عند الحد الفاصل بين اللونين الأحمر والأزرق.
ظلت الفتاة تتطلع إليه لفترة طويلة وكأنها اكتشفت كنزا، ثم تمتمت بصوت حالم:
“بعد عام واحد، سأصبح في السادسة عشرة.”
أنزلت عينيها الزرقاوان المبللتين ببطء لتستقر عليه.
“أتعلم، عندما يحين ذلك الوقت. ……·”
انقطع صوتها الذي كان ينساب ببطء فجأة.
نظر باركاس بشرود إلى هيئة الفتاة وهي تتلاشى كأنها سراب.
هبت ريح عاتية من مكان ما واجتاحت جسده بقوة.
في اللحظة التالية، وجد نفسه واقفا في ساحة قلعة رايدغو.
رآها خلف الحديقة حيث كانت الزهور تتفتح بكثافة.
كانت تبتسم بسعادة تحت ضوء الشمس المشرق، وفي حضنها طفل صغير.
نظرت المرأة إلى وجه الطفل بنفس النظرة التي كانت ترمق بها القمر، ثم رفعت رأسها فجأة ورأته.
‘باركاس.’
اقترب بحذر من المرأة التي نادته، فأرتُه وجه الطفل وكأنها تمنحه نعمة خاصة.
‘انظر. أليس جميلا حقا؟’
قالت المرأة بزهو وكأنها تفتخر بكنز ثمين، ثم وضعت شفتيها الورديتين على وجنة الطفل الصافية.
راقب باركاس ذلك المشهد دون أن يرمش، ثم اتجه نظره نحو حضنها.
كان الطفل يملك وجها صغيرا يبدو وكأنه مزيج بينهما، وتلمع فيه عينان زرقاوان كالجواهر. وفي تلك اللحظة، مر أمامه وجه شاحب بارد داخل لفافة طفل.
هل كانت تكمن عينان زرقاوان كهذه خلف تلك الجفون التي انغلقت للأبد؟
فكر في ذلك بشرود، ومد يده ليلمس وجنة الطفل.
حينها، تلاشت تلك الرؤية الواهية والعابرة كأنها سراب.
واختفت هي أيضا بابتسامتها السعيدة في لمح البصر كأنها رماد تذروه الرياح.
راقب كل الأشياء المتألقة وهي تذوب في الريح دون صوت، وقبض يده الفارغة.
بعد ذلك، تحول كل ما حوله إلى اللون الرمادي وتحطم إلى شظايا.
واكتسحت الريح التي هبت من مكان ما كل ما تبقى من تلك الأوهام.
لم يتبق له الآن سوى جسده المتآكل وفراغ لا ينتهي.
جثا على ركبتيه فوق الأرض المنهارة، وظل يحدق في تلك الأنقاض اللامتناهية.
* * *
“هل استعدت وعيك الآن؟”
مع أنين خافت، فتح عينيه لتكون أول ما يراه هو وجه “دارين” الشاحب.
لماذا يتواجد الرجل الذي من المفترض أن يحمي “تارلين” بجانبه الآن؟
قطب حاجبيه، وسرعان ما أدرك أنه ليس في خيمة بل في غرفة نوم مؤثثة بفخامة، فحاول رفع جسده العلوي.
ذعر دارين عند رؤية ذلك وضغط على كتفه ليعيده للفراش.
“الجرح لم يلتئم تماما بعد. لا يجب أن تتحرك.”
نظر باركاس إلى جسده بملامح جامدة. كانت الضمادات البيضاء تلف بطنه العاري بإحكام.
ضغط عليها قليلا فشعر بشد شديد وألم نابض.
نظر إلى دارين باستغراب وسأله:
“لماذا لم تستخدم سحر الشفاء؟”
“وكيف لا نستخدمه؟ لقد انكب أربعة من كبار الكهنة على جرحك وصبوا كل قواهم المقدسة.”
قال الرجل وهو يجلس على الكرسي بتعب متنهدا:
“يبدو أن السيف كان مطليا بسم وحوش. لم يستجب الجرح لسحر الشفاء جيدا، مما اضطر الكهنة للمرابطة بجانبك لمدة أسبوعين كاملين لعلاجك.”
رفع باركاس حاجبه وسأل:
“كم قضيت غائبا عن الوعي بالضبط؟”
“لقد غبت عن الوعي لمدة أسبوعين وخمسة أيام بالضبط.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.