مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 215نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 215

215

 215

 

*******

 

مع تلك الصيحة، بدأ الجنود بالتحرك بنظام ودقة.

 

تسلم باركاس زمام فرسه “تورك” من مرافق الفرسان الذي ركض إليه بلهفة، واستوى على سرجه فورا.

 

وبينما كان يهم بالاندفاع عبر المعسكر إلى خارج نقطة التفتيش، صرخ الابن الثاني لعائلة بليستون الذي تبعه قائلا:

 

“يا صاحب الفخامة، سننضم نحن أيضا إلى القتال!”

 

نظر باركاس إلى وجه الرجل وهو ممسك بلجام فرسه، ثم أومأ برأسه بخفة.

 

“عليك الانضمام إلى الجناح الأيمن.”

 

انطلق الرجل دون كلمة إضافية إلى خارج نقطة التفتيش.

 

تابع باركاس تقدمه نحو الجبهة، وعندما رأى الأعداء يندفعون كقطيع من الجاموس، أوقف فرسه في منتصف التل.

 

رأى المحاربين ضخام البنية المدججين بالدروع الثقيلة يتدفقون بلا نهاية من خلف بوابات المدينة المفتوحة على مصراعيها.

 

قدر عددهم للحظة، ثم مد يده نحو مرافقيه الذين هرعوا لمساعدته.

 

وعلى الفور، استقرت في يده حربة “هالبرد” ثقيلة يصل طولها إلى 8 “كفيت” (حوالي 240 سم).

 

رفعها عاليا معطيا إشارة الهجوم، فصبت آلات “الباليستا” الموزعة على طول قمة التل قذائفها الحديدية دفعة واحدة.

 

ومع صوت تمزق الهواء الحاد، اخترقت مئات السهام الضخمة أجساد الجنود المندفعين كالخنازير البرية بلا رحمة.

 

في لحظة، سقط مئات الجنود على الأرض المغطاة بالثلوج.

 

لكن أهل الشمال لم يتراجعوا قيد أنملة. 

 

وكأنهم عازمون على الموت، قفز آلاف المقاتلين فوق جثث رفاقهم واشتبكوا مع قوات المشاة المتمركزة على نطاق واسع فوق التل.

 

أمر باركاس بوقف الرماية فورا؛ فإطلاق السهام الآن قد يصيب قواته أيضا.

 

استل سيفه وأعطى إشارة الاقتحام لفرسان الجناح الأيسر الذين كانوا في الانتظار. 

 

وفي الوقت نفسه، توغل الفرسان في خاصرة جيش العدو.

 

دفع جيش المركز للتقدم مستغلا حالة الارتباك والتشتت التي أصابت الأعداء تحت وطأة موجات الخيول المندفعة. 

 

ومع الهجمات المنهمرة من كل جانب، بدا أن المعركة ستُحسم خلال نصف يوم.

 

وسط الرياح المشبعة برائحة الدماء، تفحص باركاس سير المعركة ثم مهماز فرسه ليندفع في قلب صفوف الأعداء.

 

ورغم انهيار صفوفهم، واصل أهل الشمال هجماتهم الضارية دون أن تفتر عزيمتهم.

 

اندفع باركاس نحوهم دون تردد.

 

 دُعس أحد المحاربين الذين كانوا يلوحون بفؤوسهم بعشوائية تحت حوافر “تورك”، لتتناثر دماؤه وأشلاؤه.

 

تصلبت أجساد الجنود الذين شهدوا تلك المأساة أمام أعينهم. لم يضع باركاس تلك اللحظة، فلوح بحربته في مسار قطري واسع.

 

بضربة واحدة، شطرت الحربة أعناق وجذوع ثلاثة محاربين في وقت واحد، ليتطاير الرذاذ الأحمر في كل مكان.

 

تقدم باركاس وهو يدهس الجثث بحوافره، ثم طعن جنديا ضخم البنية يرتدي درعا ثقيلا بسن الحربة الطويل والمدبب. 

 

لوح بالحربة ليلقي بالجثة في قلب صفوف الأعداء، فسقط الجنود المندفعون تحت وطأة جثة رفيقهم التي طارت نحوهم كقذيفة.

 

أمام هذا المشهد المرعب، بدأ المحاربون بالتردد والتراجع.

 

فمهما بلغت نزعتهم القتالية، لم يكونوا سوى ميليشيات لم تتلق تدريبا عسكريا محترفا. 

 

فإذا تحطمت معنوياتهم، سيتفككون في لمح البصر.

 

 رفع باركاس نصل حربته الملطخ بالدماء عاليا وأمر الجيش بالتقدم الشامل.

 

في تلك اللحظة، دوى صوت حوافر ثقيلة من وراء التل المنحدر.

 

شعر باركاس بقشعريرة باردة تسري في ظهره، فالتفت إلى الوراء.

 

رأى فرسانا مدججين بدروع من الحديد الأسود يندفعون نحو قواته، مهزّين الأرض تحتهم. وبدا أن عددهم يصل إلى الآلاف.

 

حول باركاس رأس فرسه فورا لينضم إلى الجناح الأيمن. وفي تلك اللحظة، اصطدمت طليعة فرسان الحديد الأسود بجيشه.

 

دوى انفجار هائل نتيجة اصطدام الحديد بالحديد، واختلط بصهيل الخيول المرير الذي شق العنان.

 

أمسك بمقبض حربته بكلتا يديه وتفحص بسرعة تشكيل الأعداء الذين داهموهم فجأة. لم تكن حركاتهم عادية؛ لا بد أنهم جنود تلقوا تدريبا احترافيا.

 

اتخذ باركاس قراره في لحظة، فاندفع مخترقا الصفوف إلى المقدمة. لوح بنصل الفأس في اتجاه عكسي نحو فارس الطليعة، فخرق النصل الملطخ بالدماء عنق الحصان ووصل إلى صدر الفارس دون عائق.

 

لكن فارس الطليعة كان سريع الاستجابة؛ ألقى بجسده للخلف ليتجنب الإصابة القاتلة، ثم التقط رمحا مغروسا في الأرض ورماه نحوه.

 

لوح باركاس بحربته فورا ليبعد الرمح، ثم دفع بفرسه نحو العدو.

 

أظهر الجندي حركة رشيقة لا تُصدق لمن يرتدي درعا ثقيلا.

 

تدحرج على الأرض متجنبا الحوافر التي كادت تصيب رأسه، ثم استل سيفا طويلا من خصره واندفع بسرعة البرق.

 

رفع باركاس حربته ليصد الهجوم.

 

اصطدم السيف الطويل المندفع بسرعة شرسة بالحربة الفولاذية، فدوى صوت اصطدام هائل. 

 

جز باركاس على أسنانه تحت وطأة الصدمة الثقيلة التي سرت في معصمه وساعده وصولا إلى كتفه.

 

لم يكن خصما عاديا.

 

أمسك بالحربة بكلتا يديه، ونظر بحدة إلى وجه الجندي المواري خلف القناع.

 

رأى من خلال فتحة الخوذة عينين حمراوين تلمعان بوهج متقد.

 

“هل هذا هو بيورن بلودار هيمدال؟”

 

أمال باركاس جسده العلوي بقوة ليدفع الخصم بعيدا.

 

 تمايل الرجل لبرهة لكنه سرعان ما استعاد توازنه وابتعد ليخلق مسافة.

 

بينما كان يراقب حركته بحذر ويخفض سن حربته، هاجمه أحد الفرسان الذين اخترقوا الصفوف من الجانب.

 

 

أدار باركاس حربته فورا ليصد هجوم العدو المندفع، ثم حول اتجاه نصل الفأس ليهوي به على كتف الفارس.

 

وعندما أراد استعادة سلاحه بسرعة لمراقبة القائد العدو، شعر بـخدر يسري في أطراف أصابعه.

 

ضغط بقوة على أصابعه التي بدأت ترتعش بشكل طفيف، واتخذ وضعية دفاعية على عجل.

 

لكن حركته التي تأخرت بمقدار نبضة واحدة خلقت في النهاية ثغرة قاتلة.

 

 فقد استغل الرجل الفرصة واقترب منه ليغرز سيفه في صدره.

 

وبفضل انحراف جسده العلوي غريزيا إلى الجانب، استطاع تجنب اختراق السيف لقلبه، لكنه لم يستطع منع النصل الطويل من اختراق خاصرته.

 

قطب حاجبيه جراء البرودة القارصة للمعدن وهو يخرق جسده.

 

لكن توقفه لم يدم إلا للحظة. 

 

رفع ذراعه ولوح بنصل الفأس نحو خصمه.

 

الرجل الذي كان يغرز السيف في جسده وعيناه تلمعان بنشوة النصر، جفل وتراجع للخلف.

 

شعر بالدماء تتدفق من مكان خروج السيف، لكنه لم يبالِ وواصل التلويح بحربته بضربات متتالية.

 

تجنب الرجل هجماته وابتعد بسرعة. وفي تلك اللحظة، وقف شخص ما ليعترض طريقه.

 

“توقف يا صاحب الفخامة! جرحك!”

 

تجاوز باركاس مرؤوسيه الذين حاولوا منعه وطارد العدو.

 

في تلك اللحظة، شعر بجسده ينهار ويميل للأمام.

 

 وبفضل استناده بسن الحرب على الأرض، نجا من مهانة السقوط عن فرسه، لكن القائد العدو كان قد غادر ساحة الاشتباك بالفعل.

 

أمسك بخاصرته التي تنزف بغزارة، وحدق بإصرار في الرجل.

 

 رأى بيورن بلودار هيمدال الذي انسحب بسرعة للمؤخرة يمتطي حصانا جديدا ويأمر بالانسحاب.

 

هل كان هجومه المباغت منذ البداية يهدف فقط لخلق ثغرة لسحب متمردي أماسك؟

 

بينما كان يراقب الأعداء وهم يتفرقون بسرعة، حاول باركاس استعادة توازنه. 

 

رفع حربته وهمّ بإصدار الأوامر، لكن فجأة، ابيضت الرؤية أمام عينيه.

 

“صاحب الفخامة!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.