مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 214نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 214

214

 214

 

***********

 

كان حجم ميليشيا بالتو يزداد يوما بعد يوم.

 

مع انضمام الشباب الذين وصل عدائهم للإمبراطورية إلى ذروته لصفوف المتمردين تباعا، تشكل جيش ضخم خلال أشهر قليلة يضاهي قوات تحالف نبلاء الشمال.

 

كانت هذه هي النتيجة الطبيعية لأعمال النهب العشوائي والقمع العسكري القاسي الذي مارسه جيش الإمبراطورية طوال السنوات الماضية.

 

“أيها الخونة القذرون!”

 

كان ولي العهد، الذي اضطر للانسحاب المهين تحت وطأة الهجمات الموجية المنظمة لجيش مواطني أماسك، يزمجر بغضب وهو يلقي بخوذته على الأرض.

 

رفع باركاس نظره الذي كان مثبتا على المكتب.

 

كان ولي العهد، الذي بدا شاحبا ومنهكا جراء المعارك الشاقة التي استمرت لأيام، يصرخ وهو يركل الطاولة الموضوعة في زاوية الخيمة.

 

“أقسم بالآلهة أنني سأسلخ جلود تلك الحشرات وأعلقها كالأعلام في كل زاوية من شوارع العاصمة! سأقتلع عيونهم وهم أحياء، وأنزع ألسنتهم، ثم أقطعهم إربا وأذروهم كسماد في هذه الأرض اللعينة! انتظروا فقط، أيها الكلاب!”

 

اتكأ باركاس بظهره على الكرسي، وانتظر بهدوء حتى تخمد نوبة الجنون التي أصابت قريبه.

 

وعندما هدأت ثورته أخيرا، جلس الرجل الذي حطم كل ما وقعت عليه عيناه داخل الخيمة على الكرسي بتعب.

 

عند رؤية ذلك، أصدر باركاس تعليماته للخادم الذي كان يقف بوجل عند المدخل:

 

“لا تقف هكذا، صب لسموه كأسا من النبيذ البارد.”

 

“لا أحتاج لشيء، اغربوا جميعا عن وجهي!”

 

دفع ولي العهد الخادم الذي ركض مرتبكا ليمسك بزجاجة الخمر، ووجه نظرة حارقة نحو باركاس.

 

“لماذا وجهك هادئ هكذا؟ يبدو أنك تستمتع برؤيتي أعاني من هذا الذل، أليس كذلك؟”

 

لم يرد باركاس، بل اكتفى برفع الكأس الموضوع على الطاولة.

 

وبينما كان يبلل شفتيه بالنبيذ، وقف غاريس فجأة وانتزع الكأس من يده وألقى بها في زاوية الخيمة، ثم أمال رأسه نحوه بتهديد:

 

“لماذا لا تجيب؟ أسألك إن كان شكلي يثير ضحكك.”

 

“لقد اخترت الشخص الخطأ لتفريغ غضبك فيه.” 

 

قال باركاس وهو ينظر إليه بجمود.

 

“هل هكذا تعامل من قطع طريقا طويلا لمحاولة إصلاح هذه الفوضى؟”

 

يبدو أن غاريس قرأ رسالة التحذير الكامنة في صوته، فتصلب جسده قليلا.

 

أشار باركاس لولي العهد نحو الكرسي المقابل بذقنه:

 

“اجلس. ألا يجب أن نناقش ما سنفعله لاحقا؟”

 

“مغرور. يبدو أنك بعدما أصبحت القائد العام، بات ولي العهد في نظرك أضحوكة؟”

 

 قال غاريس بسخرية وهو يزم شفتيه، وكأنه منزعج من شعوره بالارتباك للحظة.

 

خفض باركاس نبرة صوته ببرود:

 

“قلت لك اجلس.”

 

وبعد أن حدق فيه ولي العهد بغضب تظهر عروقه على رقبته، سحب الكرسي وجلس أخيرا.

 

فرد باركاس الخريطة أمامه وبدأ الشرح بنبرة هادئة:

 

“من الآن فصاعدا، سيتم وضع قواتك المباشرة في المؤخرة. سأطلب منك التفرغ لتأمين طرق الإمداد والتمركز في المنطقة الجنوبية الغربية.”

 

“هل تطلب مني الآن الهروب كالجبناء من هؤلاء الرعاع التافهين؟”

 

“النتائج الحالية هي ما تسبب به القمع العنيف الذي مارسته. جلالة الإمبراطور يرى أن عداء أهل الشمال للإمبراطورية لا ينبغي أن يزداد أكثر من ذلك.”

 

احمر وجه غاريس من الكلمات التي بدت كتوبيخ له. ضرب المكتب بقبضته وسأل وهو يجز على أسنانه:

 

“هل تقول الآن إن هذه الفوضى هي خطئي؟”

 

لم يؤكد باركاس كلامه ولم ينفه، بل واصل شرحه بهدوء:

 

“إذا قام ولي العهد الذي سيحكم الإمبراطورية مستقبلا بذبح مواطني بالتو، فإن الحقد سيصل لمرحلة لا يمكن الرجوع عنها. ومن أجل دمج بالتو في الإمبراطورية مجددا، رأى جلالته أنه بحاجة لشخص آخر يلوث يديه بدلا من سموك.”

 

“إذا، أنت هو المنظف الذي تم اختياره؟” 

 

سخر غاريس بضحكة مكتومة.

 

“وأنت، بدافع الولاء لي، قبلت بتواضع منصب القائد العام، هل هذا ما تقصده؟”

 

“نعم، هذا صحيح.” أجاب باركاس بنعومة.

 

“لكن يبدو أن قريبي يحاول إحداث شرخ في ولائي للإمبراطورية.”

 

“……”

 

“إذا كنت لا تحتاج إلي، فأخبرني بذلك. إذا أمرت سموك، سأقود التعزيزات وأعود إلى الشرق بكل سرور.”

 

جز غاريس على أسنانه وكأن غضبه سينفجر في أي لحظة.

 

ساد صمت مشحون لفترة، قبل أن يقول ولي العهد وهو يغلي من الغضب:

 

“حسنا. سأمتثل لأوامرك حاليا. لكن مقابل إعادة قواتي للمؤخرة، يجب أن تكون النتيجة مضمونة.”

 

ثم نهض فجأة وخرج من الخيمة بخطوات واسعة.

 

في اليوم التالي، قام باركاس بإعادة تنظيم الصفوف وبدأ بالضغط على أماسيك.

 

 لم يكن ينوي خوض معركة متهورة.

 

عبر عزل المدينة تماما، قطع الطريق أمام توسع قوى المتمردين التي بدأت تنتشر كالفطر السام في كل منطقة، ثم أنشأ معسكرا في الشمال وقطع مجرى نهر رودن الذي يصب في أماسك.

 

اضطر لاستهلاك كمية هائلة من الأدوات السحرية والبارود لتغيير مجرى النهر العظيم، لكن المفعول كان مؤكدا.

 

وفقا للجواسيس الذين زرعهم داخل المدينة، بدأ الانقسام يظهر بالفعل بين المواطنين هناك.

 

بعد سقوط المدينة، وبحسب السجلات التي حصل عليها جيش الإمبراطورية، كانت هناك كميات ضخمة من الطعام المخزن داخل أسوار أماسك تكفي للصمود لنصف عام على الأقل.

 

 لكن مصادر المياه كانت مختلفة.

 

دون ماء، لن يصمدوا لشهر واحد وسيضطرون لرفع الراية البيضاء.

 

 كل ما عليه فعله الآن هو انتظار اللحظة التي سيقوم فيها ‘الجرذ المحاصر’ بانتفاضته الأخيرة.

 

نشر باركاس فرق الفرسان في طبقات حول بوابات المدينة استعدادا للمعركة الوشيكة.

 

مرت عدة أسابيع على هذا الحال، حتى جاء زائر غير متوقع إلى المعسكر.

 

“مر وقت طويل لم نلتقِ فيه، يا لورد شيركان.”

 

التفت باركاس، الذي كان يراقب المدينة المعزولة من فوق برج المراقبة، نحو مصدر الصوت.

 

 رأى مئات الفرسان الذين يحملون رماحا طويلة عليها أعلام خضراء يصعدون التل.

 

صاح الرجل ذو البنية الضخمة الذي يقودهم بنبرة مرحة:

 

 

“بل يجب أن أناديك الآن بصاحب الفخامة الدوق.”

 

تعرف باركاس على وجه الرجل متأخرا قليلا، فقطب حاجبيه بجدية. 

 

كان الابن الثاني لعائلة دوق بليستون، إحدى العائلات المرموقة التي تمثل الشمال.

 

نزل باركاس الدرج ببطء وتقدم نحو الرجل.

 

مد الرجل، الذي نزل من خيله بخفة، يده نحوه بوقار وقال:

 

“لقد التقينا مرة منذ زمن طويل في حفل بالقصر الإمبراطوري. كيف كانت أحوالك خلال تلك الفترة؟”

 

“مر وقت طويل فعلا.”

 

صافحه باركاس وهو يتفحصه بنظرة حذرة.

 

تتولى عائلة بليستون حاليا رئاسة تحالف نبلاء الشمال بدلا من عائلة دوق هيمدال.

 

ما الذي يفعله هذا الرجل هنا بينما من المفترض أن يكون في قاعة مفاوضات الهدنة بقلعة دولاكان؟

 

وبينما كان يرسل نظرات مليئة بالشك، طرح الرجل غرضه بنبرة حذرة:

 

“لقد جئت بصفتي ممثلا لعائلة بليستون لأعرض على فخامتكم اقتراحا. هل يمكنك منحني القليل من وقتك؟”

 

حدق باركاس في عيني الرجل مليئا بالصمت وكأنه يحاول قراءة نواياه، ثم أشار بذقنه نحو مدخل المعسكر.

 

“يمكنك الدخول. لكنني سأسمح لك ولحارس واحد فقط.”

 

تصلب وجه الرجل قليلا، ثم أومأ برأسه مع تنهيدة استسلام.

 

مر باركاس عبر نقطة التفتيش وتوجه مباشرة نحو خيمته.

 

داخل الخيمة الكبيرة المخصصة للقائد فقط، لم يكن هناك سوى الحد الأدنى من الأثاث اللازم للمعيشة.

 

 دخل باركاس وجلس أمام طاولة اجتماعات خشنة التصميم وأشار للرجل بالجدوس.

 

جلس الرجل الذي كان يتلفت حوله بصمت على الكرسي المقابل له.

 

“ما الذي تريد اقتراحه؟”

 

مرت علامات الانزعاج على وجه الرجل من السؤال المباشر. يبدو أنه لم يتوقع الدخول في صلب الموضوع فورا دون عبارات المجاملة.

 

تنحنح وتذمر بصوت خافت:

 

“استقبالك للضيوف جاف للغاية. ألا يمكنك على الأقل تقديم شيء للشرب؟”

 

“أفضل أن أقرر إن كنت ضيفا أم زائرا غير مرغوب فيه بعد سماع غرضك.”

 

خرجت تنهيدة ثقيلة من صدر الرجل جراء رد باركاس الجاف.

 

“حسنا. سأدخل في الموضوع مباشرة. يرجى الاطلاع على هذا.”

 

أخرج الرجل مغلفا صغيرا من صدره ومده إليه.

رفع باركاس أحد حاجبيه:

 

“ما هذا؟”

 

“رسالة خاصة من أخي الأكبر، الدوق روين بليستون.”

 

تفحص باركاس خاتم عائلة بليستون المطبوع على المغلف بعناية، ثم أخذ الرسالة وفض ختمها.

 

على الورق القديم المائل للصفرة، كُتب طلب صادم يطالب بترشيح أناستير، الابنة الشرعية لعائلة بليستون، لتكون زوجة لولي العهد.

 

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي باركاس.

 

“هذا مذهل حقا. رغم أن تحالف نبلاء الشمال قد عاد لجانب الإمبراطورية الآن، إلا أن حقيقة تواطئكم مع تمرد هيمدال لن تمحى. والآن تطلبون مني أن أجعل ابنة عائلة حملت نية الخيانة زوجة لولي العهد؟”

 

“لا يوجد خيار آخر في الوقت الحالي.”

 

بلل الرجل شفتيه الجافتين بتوتر وواصل كلامه بحذر:

 

“أنت تدرك جيدا يا صاحب الفخامة أن مشاعر أهل بالتو ليست على ما يرام. ولتهدئة ذلك، يجب خلق صورة تظهر احتضان الإمبراطورية لبالتو. وهل هناك صورة أقوى من وصول شمالية ذات دم نقي لمنصب زوجة ولي العهد؟”

 

توقف عن الكلام للحظة وكأنه يطلب موافقته.

 

لم يرد باركاس، بل اكتفى بإيماءة بسيطة من ذقنه مشجعا إياه على المتابعة.

 

بدا أن الرجل استشاط غضبا من ذلك الموقف المتغطرس، فاستند على الطاولة ومال بجسده للأمام:

 

“بهذا المعدل، لن تنتهي الحرب لسنوات. السبب في تعثر اتفاقية الهدنة لنصف عام هو أن تحالف نبلاء الشمال ليس لديه يقين بأن مكانتهم ستكون مضمونة. إذا أصبحت أناستير زوجة لولي العهد، سيتلاشى هذا الشك فورا.”

 

نقر باركاس على الطاولة بأطراف أصابعه وهو ينظر بصمت إلى رسالة الدوق بليستون.

 

كان عرضا مغريا للغاية. وفي الوقت الحالي، كان الحل الأكثر واقعية.

 

المشكلة تكمن في مدى قبول غاريس لهذا الحل الوسط.

 

 

شعر بصداع يبدأ في مداهمته فضغط على صدغه.

 

 لكن إذا استطاع إقناع ذلك ‘المتهور’ جيدا، فقد يتمكن من إنهاء هذه الحرب الطويلة دفعة واحدة.

 

 وإذا سارت الأمور على ما يرام، فقد يعود إلى قلعة رايدغو في الربيع.

 

أمسك بالرسالة بقوة.

 

“حسنا. سأمضي في هذا الأمر. لكن لدي شرط واحد.”

 

“تفضل.”

 

“بمجرد إتمام الخطوبة، يجب أن يقف تحالف نبلاء الشمال في المقدمة لقمع المتمردين.”

 

“هذا…..”

 

تصلب وجه الرجل.

 

لكن باركاس ضغط عليه بحزم:

 

“لا يجب أن تظهر صورة قمع جيش الإمبراطورية لأهل الشمال. عليكم أنتم تصفية الخونة بأنفسكم. هذا هو السبيل الوحيد لإثبات ولاء تحالف نبلاء الشمال.”

 

“……”

 

“إذا لم توافقوا على هذا، فلن أتمكن من تقديم الاقتراح لجلالة الإمبراطور.”

 

وبعد تردد طويل، أجاب الرجل أخيرا بنبرة ثقيلة:

 

“فهمت. سأنقل رغبتك لأخي الأكبر.”

 

ثم نهض ومد يده مرة أخرى.

 

وفي اللحظة التي كان يهم فيها بمصافحته، دوى صوت بوق عالٍ من خارج الخيمة.

 

نهض باركاس من مكانه فجأة. وفي الوقت نفسه، دوت صرخات الجنود المدوية:

 

“لقد بدأ هجوم الأعداء!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.