مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 211نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 211

211

211

 

********

 

مرت ابتسامة ساخرة باردة على طرف شفاه باركاس وهو ينظر بهدوء إلى المرأة ويده تحت ذقنه.

 

شعر بمرارة في فمه عندما تذكر صورة زوجته وهي تهدده بأنها ستغادر معه إذا أعاد هذه المرأة إلى القصر الإمبراطوري.

 

“على… على أي حال، سمو الدوقة لم تعد بحاجة إلي، لذا…”

 

عندما طال الصمت، بدأت المرأة تثرثر بوجه متوتر.

 

قطع باركاس حديث المرأة بنهوضه من مكانه، فارتجفت وأغلقت فمها وهي تراقب ملامحه.

 

صرف باركاس نظره عن ذلك المنظر المزعج وأصدر تعليماته للخادمات.

 

“خذن هذه المرأة إلى المطبخ فورا.”

 

“سـ، سيادة الدوق، طلبي…”

 

“إذا بدأت هي بتناول الطعام من تلقاء نفسها، فسأعيدك إلى القصر الإمبراطوري مجددا.”

 

ظهرت علامات الفرح فورا على وجه المرأة المائل للسواد، فأضاف وكأنه يصب الماء البارد على وجهها.

 

“لكن، إذا رفضت حتى الطعام الذي تصنعينه، فستطردين من هذه القلعة بملابسك التي عليك فقط.”

 

شحب لون وجهها الذي كانت قد عادت إليه الحيوية منذ لحظة.

 

تجاوز المرأة التي كانت تحاول الاحتجاج وغادر غرفة الاستقبال، وبينما كان يقطع الصالة ليصعد الدرج مجددا، سمع صوتا مستعجلا من خلفه.

 

“سيادة الدوق!”

 

التفت باركاس ليرى لوجن وهو يدخل مبنى الجناح المنفصل، فقطب حاجبيه.

 

قطع الرجل الصالة بخطوات سريعة وسأل عن حال زوجته.

 

“كيف حال سمو الدوقة؟ هل لا تزال…”

 

“ما الذي جاء بك إلى هنا؟”

 

قطع باركاس حديث الرجل بوجه متعب.

 

نظر الفارس نحو أعلى الدرج ثم دخل في صلب الموضوع مباشرة.

 

“انتهى الاجتماع، هذه هي قائمة المرشحين لمناصب اللوردات الجدد في المناطق الشمالية الشرقية بما فيها تالين، إذا وافقت عليها فسنبدأ إجراءات التعيين فورا.”

 

قال لوجن وهو يقدم مجموعة من الأوراق الجلدية التي كان يحملها تحت ذراعه، وبينما كان باركاس يفتحها ويتصفحها بسرعة، أضاف الرجل بحذر.

 

“كما أرسل السير دارين رسولا، يبدو أنه يريد معرفة الوضع ومتى ستتمكن سيادتك من العودة لمباشرة عملك.”

 

رفع باركاس نظره عن الوثائق والتفت نحو الرجل.

سأل الرجل وهو يبتلع ريقه بصعوبة.

 

“بماذا أجيب الرسول؟”

 

“أخبره أنني سأعود بعد انقضاء فصل الراحة.”

 

أجاب باركاس بنبرة هادئة وهو يطوي الأوراق ويضعها داخل ثيابه.

 

ظهرت علامات المفاجأة على وجه لوجن، إذ لم يتوقع أبدا أنه ينوي البقاء في كالمور طوال هذه المدة.

 

لم يمنحه باركاس فرصة للاعتراض، بل أدار ظهره وتابع صعود الدرج.

 

عندما دخل غرفة النوم مجددا، رأى زوجته غارقة في نوم عميق بفعل مفعول الدواء.

 

ظل يراقبها لفترة طويلة وهي تتنفس بهدوء وأهدابها الطويلة منسدلة، ثم سار نحو الطاولة وسحب كرسيا وجلس.

 

كانت السماء رمادية ممتدة خارج النافذة، وفكر في أنه ربما تسقط الثلوج الليلة.

 

لم تستعد تاليا وعيها إلا عند الغروب، فاستدعى الخادمة فورا لتجلب الطعام.

 

بعد قليل، وُضعت على الطاولة شوربة البيض، وكعكة محشوة بمختلف أنواع الفاكهة المجففة، وطبق من السمان المطهو.

 

تفرس باركاس في الأطباق ثم أشار للخادمات برأسه.

 

“انتهت الخدمة، اخرجن جميعا.”

 

“إذن، نادنا في أي وقت إذا احتجت لشيء.”

 

بعد خروج الفتاتين، وضع كمية مناسبة من الطعام في طبق واقترب من جانب السرير.

 

“تفضلي بالأكل.”

 

عندما وضع الطبق على السرير، التفتت المرأة التي كانت تنظر بشرود إلى الخارج نحوه أخيرا.

 

كانت عيناها تفيضان بكراهية شديدة، وبينما كان يتجاهل تلك النظرة ويجبرها على إمساك الملعقة، سمع صوتها المتعب.

 

“إلى متى تنوي تكرار هذا الفعل العبثي؟”

 

“هذا هو السؤال الذي أود أنا طرحه.”

 

رد باركاس ببرود وهو يجلس على طرف السرير.

 

“إلى متى تنوين الاستمرار في هذا الشجار الممل؟”

 

حدقت به عينان داكنتان كأعماق المحيط.

 

لم يكترث باركاس وقدم لها وعاء يحتوي على حساء البيض.

 

نظرت تاليا إليه دون قصد فظهرت لمعة غريبة في عينيها، يبدو أنها لاحظت أن هذا الطعام مختلف عما يقدم لها عادة.

 

بحثت بعينيها الضيقتين داخل الوعاء ثم نقلت نظرها إليه وسألت.

 

“هذا… من صنعه؟”

 

“إنه طعام أعدته مربيتك.”

 

أجاب باركاس بهدوء.

 

“فكرت في أنك ربما تأكلين إذا كان من صنع تلك المرأة.”

 

بمجرد أن أنهى كلماته، ألقت تاليا بالوعاء بعيدا.

 

دوى صوت تحطم الزجاج الحاد، وانتثر السائل الكثيف بشكل فوضوي فوق السجادة.

 

“لقد صنعت هذا رغما عنها لأنك أمرتها بذلك على أي حال، هل ظننت أنني سأفرح وآكله إذا قدمت لي شيئا كهذا؟”

 

ارتجف كتفا المرأة الهزيلان وهي تلوي فمها، وبدت وكأنها تحاول السخرية منه لكن الدموع المتجمعة في عينيها جعلتها تبدو مثيرة للشفقة فقط.

 

تابعت بتهكم وصوتها متهدج.

 

“تلك المرأة لم تعد تعني لي شيئا الآن، لقد تخلصت منها منذ زمن لأنني سئمت منها بقدر ما سئمت منك! لذا أرجوك، ارحلوا جميعا عن وجهي!”

 

“إذا لم تتناولي ذلك الطعام، فستختفي تلك المرأة من حياتك للأبد.”

 

تصلب جسد المرأة التي كانت تلهث غضبا.

 

“ماذا يعني ذلك؟”

 

“تلك المرأة من رجال الإمبراطورة، أليس كذلك؟ إذا لم يكن لها أي نفع لك، فلا داعي لبقائها في قلعتي.”

 

“هذا يعني… أنك ستعيد المربية إلى العاصمة؟”

 

التوت شفاه باركاس ببرود.

 

“لماذا أتكبد هذا العناء؟ إذا أرسلت الإمبراطورة أحدا ليأخذها فلن أمنعهم، لكنني لا أنوي إهدار جنودي من أجل تلك المرأة أبدا.”

 

مر خوف خفيف على وجهها الجميل بشكل غريب، وكان هذا أول اضطراب عاطفي تظهره منذ فقدانها لذلك الذئب.

 

باستثناء لحظات تفجر غضبها، كانت تبدو دائما فارغة كالقشرة، لذا فإن رؤيتها وهي تشعر بالقلق والارتباك جعلت أحشاءه تلتوي لسبب ما.

 

حاول ألا يظهر ذلك الإحساس، وأضاف بنبرة جافة.

 

“إذا حالفها الحظ، ربما تجد عملا شاقا في مكان ما في كالمور، وبالطبع، احتمال موتها في الشارع كالغرباء هو الأكبر.”

 

“… هل تهددني الآن؟”

 

“تهديد؟ أي تهديد؟”

 

أمال باركاس رأسه نحوها ورفع طرف فمه.

 

“ألم تقولي إن تلك المرأة لا تعني لك شيئا؟ إذن كيف يكون طردها من القلعة تهديدا؟”

 

عضت على شفتيها المتشققتين.

 

راقب باركاس ذلك المنظر بنظرة باردة، ثم نهض من مكانه وسار نحو الباب.

 

في اللحظة التي كان يهم فيها بالخروج، سمع صوتا مرتجفا من خلفه.

 

“سآكل.”

 

التفت وهو لا يزال ممسكا بمقبض الباب، ليرى وجهها الشاحب الملطخ بالهزيمة.

 

قالت وهي تضغط على أسنانها.

 

“سآكل، لذا اتركني وشأني فقط.”

 

وقف باركاس لفترة دون حراك، ثم سار نحو الطاولة مجددا.

 

نقل كميات قليلة من الطعام الموضوع هناك إلى طبق إضافي ووضعه بجانب السرير، فتناولت هي وعاء الحساء بيدين ترتجفان من شدة محاولة كتم غضبها.

 

ثم بدأت تبتلع الطعام شيئا فشيء بتعبيرات وكأنها تبتلع قذارة.

 

أخيرا، عندما اختفى كل الطعام الذي وضعه، رفعت وجهها الشاحب المبلل بالعرق البارد ونظرت إليه بحدة.

 

“هل أنت راض الآن؟”

 

قام هو بصمت بتنحية الأطباق الفارغة جانبا.

 

حدقت تاليا في ذلك المنظر بعينين ترتجفان، وقالت من بين أسنانها.

 

“لقد فعلت ما أردت! اخرج من هذه الغرفة الآن.”

 

“ربما تتقيئين رغما عنك، لذا سأبقى هنا لبضع ساعات أخرى قبل الذهاب.”

 

بدا أن هذا الرد قد قطع خيط عقلها الرفيع تماما، فبدأت تقذف عليه كل ما وصلت إليه يدها من أشياء بجانب السرير.

 

“اخرج! قلت لك اخرج! لقد فعلت كل ما أردت! لماذا لا تزال تحوم حولي!”

 

أمال باركاس رأسه للخلف قليلا ليتجنب كأسا طائرا، ثم اقترب من جانب السرير في خطفة واحدة وأمسك بمعصميها.

 

كان يخشى أن تفقد وعيها مرة أخرى من شدة غضبها ومقاومتها العنيفة.

 

جلس على الكرسي وهو يقيد بذراعيه المرأة التي كانت تمر بنوبة تشنج تقريبا.

 

بدأت تاليا تقاوم وتصرخ بعنف أكبر.

 

“لا…! لا تلمسني…! مجرد لمسك لي يشعرني بالقشعريرة!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.