مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 210نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 210

210

210

 

*********

 

“أعد لي كان! أعد لي طفلي!”

 

انهالت قبضتاها الهزيلتان بعشوائية على فكه وصدره وكتفيه.

 

نظر باركاس بعينين متجهمتين إلى المرأة التي كانت تصرخ بمرارة، ثم أمسك بمعصمها بقوة.

 

“استفيقي! هذا ليس طفلنا، إنه مجرد وحش!”

 

“لا! لا! كان هو طفلي، أنت من قتل طفلي! لقد انتزعته مني مرتين!”

 

استمرت المرأة في مقاومتها العنيفة وكأنها تصارع الموت.

 

شعر باركاس بالغضب يغلي في عروقه وهو يرى حالتها التي بدت وكأنها فقدت عقلها تماما.

 

أمسك وجنتيها بإحكام بكلتا يديه، وقرب رأسه من وجهها الذي شوهه البكاء.

 

“طفلنا مات، مات ودفن في المقبرة منذ زمن طويل.”

 

“اخرس! اخرس! قلت لك اخرس!”

 

صرخت المرأة بجنون وهي تخدش ظهر يديه بشدة، حتى شعر بأظافرها الدامية تنغرس عميقا في جلده.

 

سيطر بقوة أكبر على المرأة التي كانت تتلوى بعنف وكأنها تصاب بنوبة، وحدق مباشرة في عينيها اللتين غطاهما الجنون.

 

“واجهي الواقع الآن، ذلك الذئب لم يكن سوى وحش سحري روضه البشر.”

 

لمعت كراهية كالنصل خلف بؤبؤي عينيها الزرقاوين الملطختين بالدموع، وخدشت تلك النظرة أعماق روحه بلا رحمة.

 

لم يتوقف باركاس، بل تابع كلماته بقسوة أكبر.

 

“بل لم يتم ترويضه بشكل صحيح حتى، في الحقيقة أنت كنت تعلمين أن ذلك الوحش خطر، وأنت الآن تدفعين ثمن تجاهلك لهذا الأمر رغم معرفتك به.”

 

تدفق الدم الأحمر القاني من ظهر يده حيث انغرست أظافرها المحمرة.

 

ارتجفت شفتاها القرمزيتان اللتان جفت عليهما قشور الدم، ثم نفثت كلمات تشبه اللعنة.

 

“مت.”

 

خرج صوتها كالمعدن المنصهر بين أنفاسها المتلاحقة كشخص يغرق.

 

“أتمنى لو أنك تموت بدلا منه.”

 

في تلك اللحظة، تبدد الانفعال الهمجي الذي كان يملأ جسده مثل الرمال المتسربة.

 

رد بصوت خال من المشاعر وكأنه ينكر ذلك الإحساس البارد.

 

“إذن ابحثي عن سم أقوى في المرة القادمة، وسأبتلعه بكل سرور.”

 

بدت تلك الكلمات وكأنها سلبتها كل رغبة في القتال.

 

ارتخي كتفاها اللذان كانا مشدودين كوتر قوس على وشك الانقطاع.

 

وحتى عيناها اللتان كانت تفيضان بالدموع كالشلال، جفتا في لحظة واحدة.

 

نظرت إليه بوجه شاحب كالأشباح، وتمتمت بصوت يكاد يتلاشى.

 

“كان ليس وحشا، الوحش هو أنت.”

 

“…”

 

“أنت وحش فظيع بلا مشاعر، لم يكن علي… الزواج منك.”

 

مرت ابتسامة جافة ممزوجة بالسخرية من الذات على طرف فم باركاس الذي ظل ساكنا لفترة.

 

“الندم دائما ما يأتي متأخرا، مهما كان باكرا.”

 

حدقت فيه وكأنها تنظر إلى شيء مقزز كما قال، ثم أغلقت عينيها بتعب.

 

بدا حالها وكأنها ستفقد الوعي مرة أخرى إذا ضغط عليها أكثر.

 

توقف عما كان يفعله لإجبارها على الأكل، وسار نحو المدفأة.

 

بينما كان يقلب جمر النار الضعيف بالمحراك، وقعت عيناه على ظهر يده الممزق.

 

تناول منشفة من الرف ومسح الدماء، ثم شعر فجأة بتعب لا يطاق وجلس على الكرسي.

 

أصبحت رؤيته ضبابية وكأنها مغطاة بالصقيع.

 

أمسك بجبينه الذي كان ينبض بالألم، ثم نقل نظره إلى السرير مرة أخرى.

 

امتلأت رؤيته بالسرير الذي فوضته المشاجرة العنيفة، وبجسد المرأة الملقى فوقه كدمية محطمة.

 

شعر بالاختناق لسبب ما.

 

مسح وجهه بخشونة، وغرس جسده بعمق في ظهر الكرسي.

 

استمرت الأيام وكأنها حرب.

 

كان عليه أن يخوض شجارا عنيفا لمدة ثلاث أو أربع ساعات ليجعلها تأكل نصف وعاء من العصيدة.

 

وحتى لو نجح في إطعامها، كانت تتقيأ أكثر من نصفه في الغالب.

 

ويبدو أن تلك الكمية الضئيلة من الغذاء التي أُجبرت على هضمها، كانت تستهلكها بالكامل في عراكها معه.

 

وبينما كان يراقب جسدها وهو يزداد هزالا يوما بعد يوم، أدرك باركاس بمرارة معنى أن يجف دم المرء من الهم.

 

رغم أنها أحرقت أعصابه سابقا برفض الأكل لعدة مرات، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يواجه فيها مقاومة بهذا العنف.

 

بدت وكأنها شخص عازم حقا على تجويع نفسه حتى الموت.

 

أمسك باركاس بالمرأة التي كانت تحاول وخز حلقها لتتقيأ عصيدة الشوفان التي ابتلعتها بصعوبة بعد صراع دام ساعتين، وضمها بين ذراعيه بقوة كأنه يقيدها، ثم صرخ بوجه الخادمات الواقفات بعيدا وهو مذعور.

 

“أشعلن المهدئ فورا!”

 

ركضت النساء الواقفات عند الباب بسرعة، ووضعن أعشابا مجففة داخل المبخرة وأشعلن النار.

 

خلال ذلك، كانت هي لا تزال تتلوى في محاولة للإفلات من ذراعيه وكأنها تصاب بنوبة.

 

“اتركني! قلت لك اتركني!”

 

لفها بإحكام بغطاء السرير دون ترك أي ثغرة، وسند جسده إلى رأس السرير.

 

بعد فترة قصيرة، ارتخى جسد المرأة مثل أعشاب البحر.

 

لم يستطع جسدها الذي بلغ غاية الوهن أن يتحمل حتى مفعول الدواء الضعيف جدا.

 

أزاح خصلات شعرها المتشابكة عن عنقها وهي تسند رأسها إلى صدره وأطرافها مرتخية.

 

نظرت إليه وجهها الملطخ بالعرق والدموع بنظرة لوم.

 

“أرجوك… توقف الآن، اتركني وشأني فقط.”

 

تجاهل توسلاتها التي تشبه النحيب، ومسح وجهها بمنشفة دافئة.

 

نظرت إليه المرأة وكأنه شيء فظيع، ثم فقدت وعيها بفعل الدواء.

 

أمالها لتستلقي على السرير حيث تراكمت الوسائد، ثم نهض من مكانه.

 

بينما كان يخلع قميصه الفوضوي ليرتدي ملابس جديدة، شعر بنظرات تختلس النظر إليه.

 

التفت إلى الخادمات المترددات.

 

“ماذا هناك؟”

 

“هذا… كنت أتساءل عما إذا كان على سيادتك معالجة جروحك أيضا…”

 

أجابت الخادمة بصوت منخفض وهي تحمر خجلا.

 

خفض نظره ليرى آثار الأظافر الحمراء على ساعده.

 

تلك الأظافر التي كانت تترك جروحا عميقة في الأيام الأولى، أصبحت الآن لا تترك سوى بضعة خدوش رقيقة.

 

بدا أن حتى قوة قبضتها تضعف يوما بعد يوم.

 

نظر باركاس إليها بنظرة غائرة، ثم أجاب ببرود وهو يغلق أزرار قميصه.

 

“لا داعي للقلق بشأن ذلك.”

 

“لكن…”

 

“قبل ذلك، أين تعمل مربية الدوقة حاليا؟”

 

بدت الخادمة متفاجئة من السؤال المفاجئ، فتصلب كتفاها ونظرت إليه.

 

“بـ، بريمدا تعيش في ورشة النسيج بالقلعة الخارجية، فمنذ بضع سنوات، تم استبعادها تماما من منصب الخدمة بسبب ارتكابها إساءة كبيرة جدا بحق سموك…”

 

أجابت الخادمة بتردد، وبدا عليها القلق من احتمال أن يعيد تلك المرأة لمنصبها كخادمة للدوقة.

 

ارتدى باركاس سترة سوداء فوق قميصه الرقيق، ثم أشار برأسه نحو الباب.

 

“أحضري تلك المرأة إلى الطابق السفلي من الجناح المنفصل.”

 

ترددت المرأة للحظة، ثم خرجت.

 

استدعى خادمة أخرى وأمرها بمراقبة حالتها، ثم غادر غرفة النوم المظلمة.

 

عند نزوله الدرج، ظهرت أمامه الصالة الواسعة حيث تقيم الخادمات، والمطبخ الصغير، ومدخل غرفة الاستقبال المرتبة.

 

دخل الغرفة التي أُشعلت فيها النار، وجلس على كرسي مخملي.

 

ملأت إحدى الخادمات التي تبعته لخدمته كأسا بالنبيذ ووضعته على طاولة صغيرة.

 

بينما كان يتناول الكأس ليرطب حلقه الجاف، دخلت إلى الجناح امرأة من هجين الدوارف ذات بشرة مائلة للسواد، يقودها جندي.

 

تفرس في وجه المرأة التي مل من رؤيتها منذ طفولته، وبدا أنها لم تعان كثيرا، إذ كانت ممتلئة الجسم أكثر مما رآها آخر مرة.

 

“أحيي… سيادة الدوق.”

 

تمتمت المرأة التي سُحبت أمامه بوجه قلق.

 

لم يفتح باركاس فمه لفترة، فبدأت المرأة التي كانت تراقب ملامحه وتجول ببصرها كحبات الحصى، تتحدث بحذر.

 

“لماذا استدعيتني…”

 

“لقد رفضت تناول الطعام لأكثر من نصف شهر.”

 

تحدث أخيرا.

 

اتسعت عينا المرأة وكأنها لم تتوقع هذه الكلمات، ثم أرخت كتفيها.

 

“يبدو أن تلك العادة السيئة قد عادت إليها مرة أخرى.”

 

تنهدت المرأة وكأن الأمر ليس بجديد، وهزت رأسها يمينا وشمالا.

 

“منذ القدم، عندما يتعكر مزاجها، تمتنع عن الأكل والشرب وتحرق أعصاب من حولها… متى ستنضج يا ترى…”

 

ثم طقطقت بلسانها، ولم يبد عليها القلق الشديد رغم سماعها أن المرأة التي ربتها بيديها منذ كانت رضيعة قد امتنعت عن الطعام لنصف شهر.

 

حدق باركاس بالمرأة بنظرة جليدية.

 

“احذري في كلامك، هل لا تزالين ترينها طفلة تحتمي بتنورتك؟”

 

انكمشت أكتاف المرأة المستديرة وهي تشعر بالخوف.

 

ضغط على أجفانه التي كانت تؤلمه بسبب عدم النوم لعدة أيام، ثم طرح غرضه.

 

“اصنعي طعاما يمكنها أكله.”

 

“أ، ألا تعلم سيادتك جيدا، أن الآنسة… لا، سمو الدوقة، بمجرد أن تغلق فمها، لا ينفع معها أي توسل ممن حولها، مهما صنعت وقدمت لها…”

 

“ومع ذلك، ألم تكن تأكل جيدا من الطعام الذي تصنعينه؟ إذا كنت بحاجة لأي مكونات سأوفرها لك، اصنعي الأطعمة التي كانت تحب تناولها وأحضريها.”

 

أغلقت المرأة فمها ولم ترد، فأرسل باركاس نظرة مهددة نحو المرأة التي تجرأت على عدم الانصياع لأمره.

 

“ألم تسمعي كلامي؟”

 

“سـ، سمعت، سمعت جيدا.”

 

ردت المرأة بتلعثم وهي مذعورة، لكن علامات عدم الرضا كانت لا تزال واضحة على وجهها.

 

قالت وهي تجول ببصرها بتوتر وتردد.

 

“سـ، سأنفذ أمر سيادتك… لكن أرجو أن تلبي لي طلبا واحدا.”

 

أطلق ضحكة ساخرة.

 

“هل تعتقدين أنك في وضع يسمح لك بمساومتي الآن؟”

 

“أنا… لست من أهل بيت الدوق، أنا هنا فقط بناء على أمر الإمبراطورة للاعتناء بسمو الدوقة.”

 

أمال باركاس جسده الذي كان مسندا إلى ظهر الكرسي نحو الأمام، ثم أومأ برأسه خفيفا وكأنه يطلب منها المتابعة.

 

انكمشت المرأة وتراجعت للخلف وكأنها تضاءلت أمام نظراته، ثم أغلقت عينيها وتحدثت بسرعة.

 

“لكن سمو الدوقة تخلت عني وقالت إنها لا تحتاجني، وتركتني أقوم بالأعمال الشاقة بين الخدم التافهين، لم أعد أتحمل هذه المعاملة، بمجرد أن تستعيد سمو الدوقة صحتها، أريد منك إعادتي إلى قصر الإمبراطورة.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.