مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 209نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 209

209

209

 

********

 

أطبق باركاس على أسنانه وهو ينظر إليها، ثم صرخ بصوت عالٍ باتجاه الباب:

 

“أحضروا الطعام فورًا!”

 

هرعت الخادمات اللواتي كن يتلصصن في الرواق ونزلن الدرج مسرعات.

 

ولم يمض وقت طويل حتى دخلن الغرفة بحذر وهن يحملن صواني مليئة بأصناف شتى من الأطباق.

 

أجبر باركاس المرأة الواهنة على الجلوس، وسند ظهرها بالوسائد ليدعم الجزء العلوي من جسدها.

 

 ثم تناول وعاءً يحتوي على عصيدة بيضاء من الصينية ووضعه في يدها.

 

“كفي عن هذه التصرفات الصبيانية وكلي فورًا.”

 

 اتجهت عيناها الفاقدتان للتركيز نحو الوعاء.

 

وعندما لم تظهر أي استجابة، أضاف باركاس بلهجة تهديد نتيجة قلقه:

 

“إن لم تأكلي بنفسك، سأجبركِ على ذلك.”

 

لكن تاليا ظلت مستندة بظهرها دون حراك، كدمية انقطعت خيوطها.

 

في النهاية، نفد صبر باركاس فتناول الملعقة وغرف شيئًا من العصيدة. 

 

وحين قربها من فمها، أدارت وجهها جانباً بضيق.

 

أمسك بوجهها بعنف وكأنه يختطفه وأجبر فكها على الانفتاح.

 

 وما إن حاول دفع الملعقة للداخل حتى جاءه رد فعل قوي أخيراً.

 

“لا أريد!”

 

صرخت المرأة بحدة ودفعت ذراعه بقوة.

 

تسبب هذا التمرد العنيف وغير المتوقع في إفلات الملعقة من يده.

 

تدحرجت الملعقة على الأرض بصوت رنين معدني، كما تدحرج وعاء العصيدة فوق أغطية السرير إثر تدافعها.

 

نظر باركاس إلى ذلك بعينين جامدتين، ثم التقط وعاءً آخر على الفور.

 

كان داخل الإناء الخزفي الصغير شراب مصنوع من حليب الماعز المخمر، وهو ما كانت تفضله كتحلية. قربه من فمها وقال بلهجة زجر:

 

“اشربي.”

 

أطبقت شفتيها بإحكام وأمالت جسدها جانباً.

 

أمسك بها قسراً وهي تحاول الهروب وثبتها إلى مسند السرير، بينما أمسك فكها بيده الأخرى ليرغمها على فتح فمها.

 

بعد ذلك، بدأ يسكب الشراب قليلاً فقليلاً في الفتحة الصغيرة المتكونة. 

 

لكن تاليا أبت أن تبتلع.

 

فاض السائل الذي لم يستطع عبور حنجرتها المغلقة، ليبلل فمها وذقنها ويسيل للأسفل.

 

في تلك اللحظة، اشتعلت النيران في صدره.

 

سكب باركاس كل ما تبقى في الوعاء داخل فمه.

 

 ثم دفع جسدها الذي كان يتلوى محاولاً الإفلات منه بقوة فوق الوسائد، وأطبق شفتيه على شفتيها.

 

عندها فقط، لمعت شرارة الغضب داخل عينيها الفارغتين.

 

لا يعلم من أين أتت تلك القوة لجسد امرأة تضور جوعاً لعدة أيام، فقد بدأت يداها النحيلتان تخمشان صدره وعنقه بعشوائية.

 

لم يبالِ بذلك ودفع بعمق داخل فمها. 

 

أطلقت المرأة التي فُتحت حنجرتها قسراً أنة منخفضة وبرزت عروق عنقها. 

 

تجاهل معاناتها وبدأ يسكب ما في فمه تدريجياً مع الضغط برفق على قاعدة لسانها، لكن المرأة التي كانت عروقها مشدودة عضت لسانه بقوة.

 

بفضل إمساكه بفكها لم تكن الإصابة بليغة، لكنه شعر بطعم دم قوي في فمه.

 

في النهاية، رفع باركاس رأسه.

 

 ولم تضيع تاليا الفرصة، فالتفتت للجهة الأخرى.

 

أمسك بكتفي المرأة التي كانت تحاول القفز خارج السرير وضغط عليها مجدداً فوق الأغطية.

 

كانت تتنفس بصعوبة وتحدق فيه من بين خصلات شعرها المبعثرة تماماً.

 

لقد غرق وجهها بالعرق البارد في لحظة.

 

كانت شفتاها وذقنها ملطختين بالسائل الأبيض الذي سكبه قسراً وبآثار الدماء، كما علق الشراب اللزج بصدرها الذي كان يرتفع وينخفض لاهثاً. بدت وكأنها كائن أسطوري يفتن البشر ليأكلهم أحياء.

 

نظر باركاس إليها بعينين مضطربتين، وأخرج صوتاً مخنوقاً:

 

“تكلمي. ماذا علي أن أفعل لتأكلي؟”

 

فجأة، خرج من بين شفتيها المتشققتين صوت جاف يشبه صفير الريح. استغرق الأمر بعض الوقت ليدرك أن ذلك الصوت كان ضحكة.

 

بدت المرأة وكأنها استنفدت كل طاقتها في المشاداة الأخيرة، فأرخت أطرافها وأخرجت أنفاساً ضعيفة ممتزجة بصوت حشرجة:

 

“تتحدث وكأنك ستنفذ كلامي حقاً……”

 

“……”

 

“لن انخدع أبداً بعد الآن.”

 

اختفى البريق مجدداً من حدقتيها اللتين كانتا تلمعان بحدة منذ قليل.

 

حدقت المرأة في الفراغ بعينين كأنهما هاوية، وتمتمت وهي تنزل رموشها المبللة للأسفل:

 

“فقط اتركني وشأني.”

 

تسبب ذلك المنظر الذي يوحي بالاستسلام التام في تشنج طفيف بقلبه.

 

أدخل باركاس ذراعه خلف عنقها فوراً ليرفع الجزء العلوي من جسدها مجدداً. 

 

كان مصمماً على جعلها تأكل مهما قالت.

 

أمسك بوجنة المرأة التي كانت تغرق في عالمها الخاص وأجبرها على النظر إليه.

 

لكن المرأة ظلت مغمضة العينين دون حراك.

 

 وبعد ثوانٍ معدودة، أدرك أنها فقدت وعيها تماماً من شدة الإعياء. صرخ بصوت هادر:

 

“أحضروا الكاهن فوراً!”

 

وما إن صدر الأمر حتى دوت أصوات خطوات متسارعة.

 

 

حملها باركاس بذراع واحدة وأزاح الأغطية والشراشف التي تعمها الفوضى. 

 

رأت الخادمة ذلك فأخرجت بذكاء شرفاً جديداً وفرشته على السرير.

 

 

وضعها باركاس فوقه مجدداً، وتناول منشفة مبللة من الإناء الموضوع على الرف ومسح وجهها.

 

 وطوال ذلك الوقت، ظلت تاليا مرتخية كالجثة دون أن تستعيد وعيها.

 

لم تفتح عينيها مجدداً إلا بعد أن ألقى الكاهن، الذي أحضرته الخادمات، سحر الشفاء عليها.

 

“استخدام سحر الشفاء لتعويض القوة ليس سوى إجراء مؤقت. إذا لم تتناولي كمية كافية من الماء والطعام، فسيضعف جسدكِ أكثر فأكثر.”

 

قال الكاهن بنبرة صارمة وهو يوجه كلامه إليها.

 

ثبتت تاليا نظراتها نحو النافذة ولم تنطق بكلمة.

 

 سعل الكاهن بخفة كأنه شعر بالإحراج، ونظر إليه خلسة.

 

أومأ باركاس برأسه مشيراً إليه بالانصراف.

 

 لم يتردد الكاهن في جمع أغراضه ومغادرة الغرفة.

 

وبمجرد انصراف الخادمات أيضاً، تناول باركاس مجدداً طبقاً يحتوي على فواكه منقوعة من الصينية.

 

“كلي.”

 

 حين قرب الطبق من وجهها، نظرت إليه بتعبير مليء بالاشمئزاز. 

 

لم يطرف لباركاس جفن وهو يلتقط قطعة كمثرى منقوعة بالعسل ويضعها عند فمها.

 

“إذا كنتِ ترغبين في تكرار تلك المشاداة قبل قليل، فقاومي كما تشائين. سواء تلوتِ أو أغمي عليكِ، أنوي تكرار هذا الأمر مراراً حتى تأكلي الطعام بشكل صحيح.”

 

حدقت المرأة فيه طويلاً ثم فتحت فمها أخيراً.

 

 اجتاحه شعور هائل بالارتياح لدرجة كادت معها قبضته ترتخي.

 

ضغط على أصابعه التي أصابها الارتعاش ودفع بقطعة الفاكهة بسرعة بين شفتيها.

 

مضغت المرأة القطعة في فمها عدة مرات، ثم فجأة بصقت ما في فمها بعشوائية فوق الشرشف.

 

تصلب وجه باركاس ببرود مجدداً.

 

أرسلت إليه المرأة ابتسامة متهكمة:

 

“لأنك تبذل كل هذا الجهد، فقد زادت رغبتي في عدم الأكل.” 

 

أطبق قبضته بقوة.

 

 شعر بأظافره تخترق جلد راحة يده.

 

أضافت المرأة بصوت مبحوح وكأنها تحرضه وهو الذي يحاول السيطرة على نفسه بصعوبة:

 

“حاول أن تحشوه قسراً. سأبصق كل شيء، أعدك.”

 

ثم أطلقت ضحكة بدت وكأنها فقدت عقلها.

 

 ذلك الصوت الخاوي والجاف سحق عقله في لحظة.

 

التقط باركاس قطعة فاكهة جديدة من الطبق بعنف كما حرضته. وما إن حشاها قسراً في فمها حتى عضت المرأة إصبعه بقوة.

 

رأى الدم ينزف من الجلد الذي انغرست فيه أسنانها الصغيرة لكنه تجاهل ذلك. 

 

تملكه إصرار يقترب من الجنون في لحظة.

 

“ابتلعي فوراً.”

 

ظلت تعض إصبعه وهي تحدق فيه بحدة.

 

كان باركاس يخرج أنفاساً متسارعة أمام وجهها الشرس، وقال وهو يجز على أسنانه:

 

“أتنوين الموت جوعاً من أجل جرو ذئب فحسب؟”

 

كأن كلماته كانت فتيل الانفجار، إذ أصيبت بنوبة من الهياج.

 

أحكم باركاس قبضته عليها وهي تتلوى كحيوان وقع في فخ، لكنه حين لمح آثار الكدمات على جلدها تمتم بلعنة منخفضة وأرخى يديه.

 

وفي تلك اللحظة، اشتعلت وجنته بصفعة. 

 

نظر إليها بنظرة باردة كالثلج.

 

كانت المرأة التي ضربت وجهه تمسك بصدرها وتلهث بعنف.

 

“أنت….. ماذا تعرف أنت؟ كان كان كل شيء بالنسبة لي. بوجود كان، استطعت أخيراً… أخيراً ألا أشعر بالألم …·· وأصبح لدي رغبة في الحياة….”

 

 بللت الدموع الساخنة وجهها بغزارة.

 

انحنت المرأة وهي ترتجف بشدة، ثم اندفعت نحوه.

 

“لقد انتزعت ذلك مني! لقد توسلت إليك هكذا….! لقد رجوتك أن تتركه حياً…..!”

 

 انفجرت منها صرخة أقرب إلى العويل كأنها تمزق حنجرتها.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.