الفصل 208
208
208
********
استعاد لوكاس وعيه بعد مرور ثلاثة أيام أخرى.
من حسن الحظ أن حباله الصوتية لم تتعرض لضرر دائم، لذا لم يكن هناك عائق يمنعه من إخراج صوته، إلا أن آثار الإصابة ظهرت في مكان غير متوقع.
فقد كان لوكاس لا يتذكر شيئا على الإطلاق عن كيفية إصابته.
ولحسن الحظ لم يفقد ذاكرته بالكامل، لكن بدا أن هناك فجوة كبيرة في مسار حياته منذ سن السادسة عشرة.
“بالنظر إلى أن فقرات الرقبة كانت مهشمة تماما، فإن الاقتصار على هذا القدر من الآثار الجانبية يعد معجزة.”
قال الكاهن الأكبر وهو يتنفس الصعداء بعد فحص حالة لوكاس بعناية من خلال المقابلة.
“في أسوأ الحالات، كان يمكن أن يصاب بشلل كامل أو تراجع في قدراته الذهنية لدرجة تجعل التمييز مستحيلا. لكن في حالة السيد الشاب لوكاس، يبدو أنه لا توجد آثار جانبية سوى فقدان جزئي للذاكرة.”
خرجت تنهيدات الارتياح من أفواه المحيطين بالسرير.
لكن لوكاس نفسه لم يبد مقتنعا بكلام الكاهن الأكبر.
كان لوكاس يستلقي بميل فوق السرير بجسد هزيل، وقد عقد حاجبيه وهو يتمتم بصوت منخفض.
“عقلي مشوش وكأن أحدهم قد قطعه إربا، فأي معجزة هذه؟”
كان صوته قد أصبح أخفض وأخشن من ذي قبل.
وبدا أن ذلك لا يعجبه، إذ تعمق العبوس بين حاجبيه.
“حتى صوتي أصبح في هذه الحالة.”
“ظننت أنك ستموت هكذا.”
قالت لينا وهي جالسة بجانب السرير تمسح أنفها بمنديلها بعد بكاء طويل.
“كم كنت خائفة من ألا تكون طبيعيا حتى لو استيقظت. من حسن الحظ أن الأمر انتهى بكونك أكثر غباء بقليل من المعتاد.”
نظر إليها لوكاس بعينين ضيقتين.
“هل تعتبرين هذا مواساة الآن؟”
وعلى الرغم من تذمره كأنه لا يصدق ما يسمع، إلا أنه ربت بلطف على رأس شقيقته التي لم تستطع التوقف عن البكاء.
تقدم باركاس، الذي كان يراقب المشهد واقفا عند الباب، نحو السرير وطرح سؤاله.
“كيف تعرضت للإصابة؟ ألا تتذكر حقا أي شيء؟”
نظر إليه لوكاس بتعبير مرتبك. كانت عيناه، التي عادة ما تكون بلون عسلي فاتح، قد اصطبغت بلون بني داكن.
“أنا…….”
بينما كان لوكاس يحاول استعادة ذكرياته، أمسك فجأة بصدغيه وأطلق أنة منخفضة.
رأت لينا ذلك فنهضت فجأة واحتضنت رأس لوكاس بقوة.
“لا داعي للتذكر!”
ثم نظرت إلى باركاس بحدة وقالت بلهجة لاذعة.
“لقد ظل لوكاس فاقدا للوعي لمدة تقارب نصف شهر، وقد استعاد وعيه للتو. هل هناك سبب يجعله يضطر لاستعادة ذكرى اللحظة التي كاد يفقد فيها حياته الآن؟”
حاول لوكاس منعها وهو يشد طرف ثوبها بوجه مرتبك، لكن لاينا لم تتزحزح.
تراجع باركاس عن السرير مع تنهيدة منخفضة وهو يراقب الموقف مكتوف اليدين.
“خذ قسطا من الراحة حتى يتعافى جسدك تماما. سيتولى باريدون كافة المهام الموكلة إليك في الوقت الحالي.”
عادت التجاعيد لتظهر بين حاجبي لوكاس، وبدا كأنه نسي حتى ما هي المهام التي كان يتولاها.
راقب باركاس وجه شقيقه الذي بدأ يتصبب عرقا من شدة الصداع، ثم غادر الغرفة دون تردد.
كان الأتباع الذين سمعوا خبر استعادة لوكاس لوعيه متجمعين في الرواق.
مر باركاس من بينهم ببرود ونزل الدرج. في تلك اللحظة، نادته رئيسة الخادمات على عجل لتوقفه.
“يا صاحب السمو.”
التفت باركاس وهو يهم بوضع قدمه على الدرجة الأخيرة.
اقتربت المرأة ذات البنية القوية بوجه ظهر عليه التوتر بوضوح، وفتحت فمها بحذر.
“بما أن السيد الشاب لوكاس قد استيقظ بسلام، فهل سترفع الآن عقوبة الحجز عن سمو الدوقة؟”
عقد باركاس حاجبيه.
وبما أنه كان يعاني طوال الأيام الماضية من إلحاح الأتباع الذين يرون أن العقوبة التي فرضت على الدوقة كانت خفيفة للغاية، فقد خرجت إجابته حادة تلقائيا.
“منذ متى أصبحت رئيسة الخادمات في مكانة تسمح لها بالتدخل في شؤون عقاب الدوقة؟”
تصلب كتفا رئيسة الخادمات القويان أمام هذا التوبيخ المتعالي.
نظر إليها باركاس بنظرة باردة بينما شحب وجهها، ثم أدار جسده وواصل نزول الدرج.
وبينما كان يهم بعبور القاعة للخروج من الحصن، تبعته رئيسة الخادمات مرة أخرى.
“أ، أعلم جيدا أنه تطفل يتجاوز حدودي. ولكن…….”
فتحت رئيسة الخادمات، التي تجرأت على اعتراض طريقه، فمها وهي تتلعثم بتعبير متوتر.
نظر إليها باركاس بنظرة ممزوجة بالانزعاج.
وكأنها لا تملك الشجاعة لمواجهة عينيه، ظلت المرأة تثبت نظرها على الأرض وهي تفرغ كلماتها بسرعة.
“أخبرك بهذا لأنني أشعر أن أمرا جللا سيحدث إذا تركت سمو الدوقة على هذه الحال. ألا يمكنك إعادة النظر في معاملتها الآن؟”
ارتفع حاجب باركاس أمام هذا الالتماس غير المتوقع.
كان الجميع في هذه القلعة ينظرون باستياء إلى تاليا، التي كانت تعتبر المتسببة في الحوادث المتتالية.
ولم تكن رئيسة الخادمات استثناء.
وعلى الرغم من أنها لم تظهر عداء صريحا مثل بقية الأتباع، إلا أنه كان يعلم أنها لم تكن راضية عن الدوقة.
لقد تركها في منصبها فقط لأنها لم تهمل واجباتها كرئيسة للخادمات.
في الأصل، لم يكن هناك الكثير ممن يخدمون تاليا بقلب راض وهي التي تنشر أشواكها كالقنفذ لتطعن الجميع.
لذلك، كان قد حرص على وضع أشخاص يتميزون بالصبر الشديد والفصل التام بين المشاعر والواجب بجانبها.
كانت رئيسة الخادمات هذه واحدة من هؤلاء المختارين.
وإذا وصلت امرأة مثلها إلى حد التدخل بهذا الإصرار، فهذا يعني أن أمرا غير طبيعي يحدث.
تغيرت ملامح باركاس في لحظة وسأل بنبرة جادة.
“ما الذي يحدث لحالتها؟”
“منذ أن انتقلت إلى الملحق الجانبي…..وهي ترفض تناول الطعام.”
تشوه وجه باركاس قليلا عند سماع الإجابة التي خرجت بتردد.
أمسك بقبضته بقوة ونظر وراء الحديقة التي غطاها الصقيع.
كان أتباعه يصطفون قرب بوابة القلعة بانتظار الخروج.
فقد كان من المقرر أن يتوجه معهم إلى قاعة الاجتماعات خلال الصباح.
كانت هناك جبال من الشؤون السياسية التي تنتظر الحل، بما في ذلك مسألة اختيار لوردات جدد لإدارة المناطق الشمالية الشرقية.
لم يعد لديه القدرة على تحمل نوبات غضبها أكثر من ذلك.
تحدث بقسوة.
“وهل خوض الدوقة إضرابا عن الطعام أمر جديد؟”
تصلب فم رئيسة الخادمات.
وتجاهل ذلك وهو يخطو خارج الحصن وأضاف:
“اتركيها. ستتعب قريبا من تلقاء نفسها.”
وبينما كان يهم بنزول الدرج، تردد صدى صوت عاجل من خلفه.
“الأمر ليس بهذا المستوى. لقد أخبرتك بهذا رغم علمي بوقاحتي لأن الموقف خطير.”
توقفت خطوات باركاس فجأة.
اقتربت المرأة منه مرة أخرى وتابعت بوجه جاد.
“وفقا للخادمات الخاصات بسمو الدوقة، يبدو أنها لا تلمس قطرة ماء واحدة، فضلا عن الطعام. في السابق، كانت تتناول أحيانا نبيذ العسل أو الفواكه المجففة، لكنها الآن لا تستهلك أي شيء حقا. إذا تركت هكذا، فأخشى أن يحدث مكروه..”
أمسكت المرأة عن الكلام قبل أن تكمله.
ظل هو متجمدا في مكانه ينظر إلى الأرض كطريدة وقعت في فخ.
كم قضى من الوقت على تلك الحال؟ في النهاية، تمتم بلعنة منخفضة واستدار.
“أبلغوا الأتباع بتأجيل الاجتماع.”
ثم توجه مباشرة متجاوزا الحصن الرئيسي نحو مبنى الملحق الجانبي الواقع في شمال السور.
بعد تجاوز المباني الملحقة التي تحيط بالحصن الداخلي، ظهر أمامه مبنى من ثلاثة طوابق يقع في الحديقة الخلفية.
وعندما رأى الجنود الواقفون للحراسة الدوق يظهر فجأة، اعتدلوا في وقفتهم بسرعة بعد أن كانوا يستندون إلى الجدار.
تجاوزهم باركاس ودخل المبنى. كانت الخادمات الشابات جالسات قرب المدخل يجهزن المكونات الغذائية.
“أين سمو الدوقة؟”
عندما طرح عليهم السؤال، نهضت الخادمات اللواتي كن يقطعن الخضروات بنشاط فجأة كخيول ضربت بالسوط.
“ن، نحيي سمو الدوق.” أضافت خادمة وهي تخفض رأسها بسرعة وتتلمس كلماتها.
“س، سموها في غرفة النوم بالطابق الثاني.”
صعد باركاس الدرج الخشبي على الفور. فرأى في نهاية الرواق الضيق باب غرفة النوم المصنوع من الماهوجني الأحمر.
اقترب باركاس وسحب مقبض الباب.
ومع صوت الصرير، ظهر من خلال الفتحة مشهد الغرفة المظلمة والموحشة.
سار مباشرة نحو النافذة وأزاح ستائر التعتيم.
أضاءت شمس الشتاء التي اخترقت الزجاج السرير بوضوح. وعندما نقل باركاس نظره إليه، حبس أنفاسه بقوة دون قصد.
خلال الأيام القليلة الماضية، أصبحت المرأة أكثر هزالا.
وجه شاحب كأن كل مظاهر الحياة قد غادرته، وعنق نحيل تبرز منه العروق، وجسد واهن يظهر من بين طيات فستانها المبعثر؛ تفحص باركاس كل ذلك وأخرج صوتا مخنوقا.
“ما الذي تحاولين فعله الآن؟”
رفعت المرأة، التي كانت ممدة كدمية محطمة، جفونها ببطء. في تلك اللحظة، سرت قشعريرة غريبة في كامل جسده.
نظرت إليه لفترة بعينين محطمتين كالقبر، ثم أنزلت جفونها مرة أخرى. وأدارت جسدها للجانب الآخر وتمتمت بصوت بدا كأنه يتفتت.
“…..اتركني وشأني.”
أمام ذلك المنظر، انفجر الغضب الذي ظل يكتمه طوال الوقت.
أمسك بكتفيها وأدارها نحوه بقوة.
“سألتكِ، ما الذي تفعلينه الآن؟”
لم تظهر المرأة أي رد فعل.
كانت ترسل له فقط نظرة بائسة وكأنها لا تفهم سبب غضبه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.