الفصل 205
205
*********
اقتحم باركاس بوابة القلعة مغطى بغبار الأرض، تاركا خلفه خيله الخفيفة التي كانت ترتجف وزبد الدم يملأ فمها من شدة الركض، واندفع يعبر ساحة التدريب.
تدفق مئات من فرسان الخيالة خارج الثكنات بعد سماع خبر وصول الدوق، لكن باركاس مر من أمامهم دون أن يلتفت للتحية، وصعد الدرج الحجري مخترقا بوابة القلعة الداخلية.
ملأت رؤيته مناظر الحديقة التي اكتست تماما بملامح الخريف المتأخر.
عبر الفناء الذي تراكمت فيه أوراق الشجر الجافة بخطوات سريعة، ودخل القاعة الكبرى حيث اصطف عشرات الخدم في طابور طويل.
“أو… أهلاً بك سيدي.”
ألقى كبير الخدم المنتظر عند الباب التحية بصوت مرتعش.
“لقد عانيت الكثير في طريقك الطويل، وكما علمت من التقرير…”
“كيف حال لوكاس؟”
قاطعه باركاس ببرود وهو يزيح غطاء الرأس عن وجهه.
أجاب الرجل ذو الوجه المجعد بملامح تفيض بالأسى:
“بفضل جهود الكاهن الأكبر، استطاع تجاوز مرحلة الخطر بالكاد… لكن جرح رقبته عميق لدرجة أنه قد يترك إعاقة دائمة…”
صمت الرجل ولم يستطع إكمال جملته.
بدلاً عنه، أضافت رئيسة الخادمات المنتظرة يسار البوابة شرحا حذراً:
“قالوا إن النتيجة الدقيقة لا يمكن التأكد منها إلا بعد أن يستعيد السيد الشاب وعيه.”
“ألم يستعد وعيه بعد؟”
“لقد كان النزيف شديدا وقت الحادث، وقيل إن استعادة قوته بالكامل ستستغرق بعض الوقت.”
وقف باركاس متجمدا للحظة قبل أن يخرج صوته خافتا:
“أريد التأكد من حالته بنفسي، أين لوكاس؟”
“تم وضعه في مخدعه بالطابق الثاني، الغرفة التي كان يستخدمها دائما.”
لم يتردد باركاس وعبر القاعة مسرعاً.
صعد الدرج المغطى بسجاد داكن حتى ظهرت أمام عينيه غرفة النوم التي تعاقب على استخدامها دوقات “شيركان” جيلاً بعد جيل.
قادته رئيسة الخادمات عبر ممر مزدوج الطوابق.
“تلك هي الغرفة.”
قالت مشيرة إلى باب مزدوج في نهاية الممر.
سحب باركاس مقبض الباب، ليظهر التصميم الداخلي المظلم للغرفة مع صوت احتكاك ثقيل.
خطا للداخل وتفحص الغرفة ببطء؛ كانت الخادمات والكاهن الأكبر بوجهه الكئيب، وراينا بعينيها المحمرتين يحيطون بالسرير.
“نـ… نرحب بسيادة الدوق الأكبر.”
أحنت إحدى الخادمات رأسها بسرعة عندما لاحظت وجوده، وتبعتها بقية الموجودين في الغلق بالوقوف وأداء التحية.
مر باركاس من بينهم واقترب من السرير، ليرى أخاه ملقى كالجثة وضمادات كثيفة تلف رقبته خلف الستار.
نظر بهدوء إلى ذلك الوجه الشاحب الذي فارقه الدم، وسأل الكاهن الواقف عند رأس السرير:
“هل هناك تحسن؟”
هز الكاهن رأسه بأسى:
“يجب أن نراقب أكثر، نحن نلقي عليه سحر الشفاء باستمرار، لكن الجرح كان بليغاً جداً…”
عاد باركاس لينظر إلى لوكاس؛ ذلك الوجه الذي كان يفيض بالحيوية قبل أشهر صار باهتاً وهزيلاً.
أحكم قبضته بقوة، وفي تلك اللحظة صرخ صوت حاد بجانبه:
“هل أنت راضٍ الآن؟”
التفت بنظره للجهة الأخرى من السرير، كانت لينا بملامح منهكة ونظرة مليئة باللوم تحدق فيه.
“رغم أن الحاشية أجمعوا على ضرورة التخلص من ذلك الذئب، إلا أنك تجاهلتهم واستمعت لتلك المرأة فقط. ما حدث للوكاس هو خطؤك بالكامل! لو لم تترك ذلك الذئب وشأنه لما حدث هذا!”
“آه… آنستي!”
حاولت رئيسة الخادمات منعها بفزع، لكن لينا لم تبالِ.
“اخرج فوراً! أنت لا تستحق البقاء هنا!”
تردد صدى الصرخة في الغرفة، فنظر باركاس إلى أخته المرتجفة بوجه خالٍ من التعبير، ثم غادر الغرفة.
في الممر، كان هناك سبعة من الحاشية ينتظرون بعد سماعهم الخبر.
تحدث أحدهم بنبرة مهيبة:
“سيدي، لا يمكننا السكوت أكثر على أفعال زوجة الدوق الأكبر.”
لم يرد باركاس، فتابع الرجل بلهجة أكثر حدة رغم ارتباكه من نظرة باركاس الباردة:
“لقد أطلقت زوجة الدوق الأكبر ذلك الوحش الذي هاجم السيد لوكاس سراً. إنها لا تهتم بسلامتنا نحن أهل الشرق! إلى متى يجب أن نصمت حيال شرورها؟”
أيده رجل آخر بنبرة منفعلة:
“يجب القضاء على ذلك الوحش الذي هاجم السيد لوكاس فوراً! ويجب معاقبة زوجة الدوق الأكبر عقاباً مناسباً.”
نظر باركاس بوجه جامد نحو الممر الذي بدأ الظلام يلفه.
عندما فكر في أن “تاليا” قد تكون تسمع هذه الانتقادات، توترت أعصابه بشدة، وأغمض عينيه بقرف من نفسه ثم فتحهما.
“شكلوا فرقة مطاردة فوراً، أنا من سيتولى أمر ذلك الذئب بنفسي.”
“وبالنسبة لزوجة الدوق…”
“سأنزل بها العقاب المناسب أيضاً.”
منع أحد الحاشية القدامى رجلاً آخر حاول الاستفسار عن نوع العقاب.
صعد باركاس الدرج للطابق الثالث، ودخل الغرفة الملحقة بمكتبه، حيث وجد السرير مرتباً والمدفأة مشتعلة.
خلع رداءه الممزق وألقاه على الأرض، وفك درع صدره ووضعه على الحامل. خلع ملابسه المليئة بالعرق والغبار وغسل وجهه بالماء، حينها سُمع طرق على الباب.
“ادخلي.”
دخل طيف أبيض يشبه الشبح؛ كانت تاليا تبدو بحال تشبه حالته عندما استيقظ هو من سكرات الموت.
نظرت إليه بعينين يملؤهما القلق، بينما ظل هو يحدق في وجهها الذي لم يره منذ أشهر.
مسح وجهه بالمنشفة ببرود، ثم أمر الحارس الواقف عند الباب بنبرة جليدية:
“خذوا زوجة الدوق إلى غرفتها بالطابق الثالث، ويُمنع خروجها تماماً دون إذن مني.”
اقترب الجنود لتنفيذ الأمر، لكنها تقدمت نحوه برجاء:
“لـ… لحظة فقط، أريد التحدث معك للحظة.”
التفت إليها باركاس وهو يرتدي قميصاً نظيفاً؛ كان جسدها تحت فستان الكتان يبدو هزيلاً بشكل ملحوظ.
شعر بغضب مفاجئ يغلي في رأسه، فكتمه وأشار للجنود:
“انتظروا بالخارج.”
انسحب الجنود فوراً وأغلقوا الباب، فاسترخت أكتافها قليلاً.
قال باركاس بنبرة باردة وهو يخرج سترة جديدة:
“ليس لدي وقت طويل، قولي ما عندكِ بسرعة.”
“لو… هل لوكاس بخير؟”
سخر باركاس بضحكة جافة من سؤالها المتردد:
“كيف تظنين حاله؟”
عضت المرأة شفتيها وأنزلت رأسها.
ارتدى باركاس درعه المصنوع من جلد “الوايفيرن”، وبينما كان يجهز نفسه، اخترق صوتها الضعيف المليء بالبكاء الصمت:
“أنقذ… ‘كان’، أرجوك.”
تجمد باركاس في مكانه، فتابعت وهي تمسك بذراعه بيأس:
“سـ… سأفعل أي شيء تقوله من الآن فصاعداً. لن أجادل الحاشية مجدداً… وسأكون لطيفة مع الخدم. حتى لو طلبت مني عدم الخروج من الغرفة طوال حياتي سأفعل… فقط أرجوك، لا تقتل ‘كان’.”
شعر باركاس بغليان في جوفه وكأنه ابتلع زيتاً حاراً.
أمسك بفكها بخشونة ومال نحو وجهها مهدداً:
“أخي يصارع الموت الآن، وأنتِ تهتمين لسلامة ذلك الوحش التافه؟”
شحب وجهها تماماً، فترك فكها بقوة وابتعد عنها بمرارة قائلًا:
“انتهى وقت تدليلكِ، بما أنه آذى بشراً، لا يمكنني تركه وشأنه.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصول المتقدمة تنزل أول على جروب التلي ~♡
رابط الجروب↓
https://t.me/+3RDE81SnGogxY2M0
* كثيرين بيبعثوا طلب انضمام و برفضهم!! حطوا اساميكم بالعربي لو سمحتم عشان اقبلكم ♡
التنزيل على ازورا مستمر و يومي!!
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.