مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 203نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 203

203

203

 

********

 

أمر باركاس الفرسان بإعادة تنظيم صفوفهم، ثم امتطى صهوة جواده مرة أخرى.

 

وبعد التحرك لمسافة قصيرة على طول المنحدر الهادئ، تقلصت المسافة لدرجة سمحت بتمييز وجوه الفرسان.

 

راقب بتمعن الفارس الذي يقود الطليعة. 

 

ورغم أنه كان يرتدي خوذة على رأسه، إلا أنه لم يجد صعوبة في التعرف على هويته.

 

كايلياس؛ أحد كبار الفرسان المصنفين ضمن العشرة الأوائل في فرسان “رويم”.

 

كما أنه الرجل الذي تصادم معه عدة مرات في الماضي.

خلال العامين الماضيين، ترقى هذا الفارس إلى منصب رفيع بفضل إنجازاته، واقترب الآن بتعامل يفيض بالزهو ليلقي التحية:

 

“لقد مر وقت طويل، سيادة الدوق الأكبر.”

 

“….. ما الذي يفعله أمثالك هنا؟”

 

“يبدو أن الأخبار لم تصلك بعد.”

 

تحدث الرجل بغطرسة وتابع:

 

“لقد تحالف لوردات المناطق الشمالية الشرقية مع بقايا قوات الشمال. وبمجرد إبلاغ جلالة الإمبراطور بهذه الحقيقة، أمر بدعم الشرق فورا وقمع المتمردين.”

 

قطب باركاس ما بين عينيه.

 

أطلق الرجل ضحكة ساخرة وكأنه يستمتع بانزعاجه، وقال بتهكم:

 

“لماذا هذه الملامح؟ لا يعقل أنك لست سعيدا بقوات الدعم التي أرسلها جلالته.”

 

“….. ماذا تقصد بالضبط بأن لوردات الشمال الشرقي تحالفوا مع بقايا الشمال؟”

 

“لا بد أن لديك فكرة عن الأمر دون الحاجة لشرحي.”

 

قال الرجل بنبرة ذات مغزى.

 

بدا أن بيروف وفرسان الشرق لم يعودوا قادرين على تحمل وقاحته، فتقدموا خطوة للأمام بوجوه غاضبة.

 

 حينها سخر الرجل وزمجر بلسانه قبل أن يضيف:

 

“قبل نصف شهر، سقط حصن ‘بلودار كيب’ في يد سمو ولي العهد. وبفضل ذلك، تمكنا من الحصول على كافة المعلومات المتعلقة بالقوى المتورطة في التمرد.”

 

تحرك حاجبا باركاس عند سماع هذه الأخبار غير المتوقعة.

 

“ألم تكن هناك أوامر مشددة بمحاصرة الحصن والانتظار حتى توقيع معاهدة السلام؟”

 

“لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي أمام قطاع الطرق إلى الأبد، أليس كذلك؟ جلالته أيضا اعترف بإنجاز سمو ولي العهد.”

 

تحدث الرجل وكأنه يدافع عن ولي العهد، ثم أدار رأس جواده مع تنهيدة خفيفة.

 

“لننطلق أولا. سأطلعك على تفاصيل وضع الحرب أثناء التحرك.”

 

ظل باركاس يراقب الرجل بهدوء وهو يقبض على الأعنة، ثم أعطى إشارة الانطلاق لفرسانه المنتظرين.

 

بعد قليل، بدأ الفرسان مسيرتهم بعد إعادة تنظيم صفوفهم، مع الحفاظ على مسافة بسيطة من فرسان “رويم”.

 

اقترب كايلياس بجواده من باركاس الذي يقود الطليعة، وتابع شرحه بنبرة رسمية:

 

“قبل نصف شهر، قام سمو ولي العهد بدس عملاء داخل الحصن مسبقا، ثم شن هجمات متتالية. نجحت تلك الخطة وتمكنا من إسقاط الحصن عند الفجر. وقام سموه فورا بتعليق رأس الدوق ‘هيمدال’ على بوابة الحصن ليعلن للملأ ثمن التمرد.”

 

“ماذا حدث لبيورن بلودار هيمدال؟”

 

طرح باركاس، الذي كان يستمع بصمت، هذا السؤال. حينها تشنج وجه الفارس المتباهي قليلا.

 

“ذلك الرجل لم يكن داخل الحصن. لا سبيل لمعرفة متى وكيف تسلل هاربا… لكن قيل إن غالبية القيادات الأساسية، بما فيهم بيورن، قد غادروا الحصن بالفعل فور محاصرته. يبدو أن معركة الحصن لم تكن سوى وسيلة لكسب الوقت حتى يتمكنوا من التخطيط لعمليات خارجية.”

 

أطلق باركاس ضحكة جافة.

 

“هل تقصد أنه قدم والده وأكبر مدينة في الشمال كقربان؟”

 

“أليس هو الشخص الذي قاد هذه الحرب اللامعقولة؟ الخطأ كان في توقع أنه يملك عقلا من الأساس.”

 

تنهد الرجل بعمق وتابع شرحه بنبرة هادئة:

 

“على أي حال، تتبعنا أثر بيورن بدقة منذ سقوط

 الحصن. وبمجرد حصولنا على معلومات تفيد بأنه لجأ إلى الشرق مع أتباعه، رفعنا التقرير لجلالة الإمبراطور. فأصدر جلالته أوامره للقوات المرابطة على الحدود الشمالية والشرقية بالهجوم، وأمرنا بدعمكم إضافيا.”

 

أحكم باركاس قبضته على الأعنة لدرجة برزت معها عروق ظهر يده. بدا أن برقية دارين قد أُرسلت فور صدور الأمر الإمبراطوري.

 

‘لقد تجاوز الأمر مرحلة التسوية الهادئة.’

 

إذا حاول التستر على الجرائم بتهور الآن، فسيجد نفسه مدانا بالخيانة أيضا. وبما أن الإمبراطور قد أرسل قوات دعم بشكل علني، فإن الصدام العسكري أصبح خطوة لا مفر منها.

 

“ربما بدأت المعارك بالفعل في المناطق الحدودية، علينا الإسراع.”

 

أنهى الفارس تقريره وحث جواده منطلقا للأمام. وتابعه باركاس أيضا بصمت وهو يزيد من سرعته.

 

ظلوا يركضون دون توقف، حتى بدأت تظهر وراء الأفق المصبوغ بلون الغروب مدينة محاطة بأسوار ضخمة بلون الرمال.

 

كانت الأدخنة تتصاعد من الأسوار وكأن الهجوم قد بدأ بالفعل. تفحص باركاس آلاف الجنود المنتشرين حولها، ثم أمر فرسانه بالاستعداد للهجوم.

 

وفور انطلاق صوت البوق المدوي، استل الفرسان سيوفهم واندفعوا نحو ساحة المعركة في السهول.

 

ولفهم الموقف بدقة، راقب باركاس المعسكر العسكري من موقع قريب بتمعن.

 

كان رماة الرمح الذين يحملون أعلام عائلة الدوق يحاصرون المدينة من الجهتين الشمالية والشرقية، بينما كانت مشاة الجيش الإمبراطوري تضغط بكباش النطح لتحطيم بوابة المدينة.

 

قطب مابين عينيه للحظة بسبب تسارع الأحداث، ثم لمح دارين وهو يصدر تعليمات للجنود في مخيم أقيم عند الأطراف، فاتجه نحو هناك.

 

“سيدي!”

 

صاح دارين بصوت عال عندما رآه.

 

تجاوز باركاس عبارات التحية الرسمية وطرح سؤاله عن وضع الحرب:

 

“لقد سمعت التفاصيل من قوات الدعم الإمبراطورية. كيف تسير الأمور؟”

 

“كما ترى، الهجوم على المدينة يسير بسلاسة. ولكن…”

 

مسح الرجل وجهه الذي بدا عليه التعب الشديد، وتابع بنبرة ثقيلة:

 

“عدد المتورطين في التمرد ليس بالقليل. يبدو أن عملية تطهير واسعة النطاق أصبحت حتمية لإنهاء هذه الفوضى.”

 

نظر باركاس بوجه جامد إلى أسوار المدينة المتضررة في عدة أماكن.

 

هذه المدينة الضخمة التي زارها لتفقد الأراضي فور توليه منصب الدوق، كانت تغرق الآن في النيران والصراخ.

 

راقب ذلك المشهد بنظرة مريرة، ثم استل سيفه وانطلق نحو خط المواجهة.

 

رأى الجنود يتدفقون كالسيل داخل بوابة المدينة المحطمة.

 

وكان صدى اصطدام الأسلحة يتردد بقوة داخل المدينة التي تحولت إلى فوضى بسبب المنجنيقات.

 

دخل باركاس في ذلك القتال العنيف، وأطاح بالأعداء الذين يعترضون طريقه بضربات حاسمة، فاتحا الطريق لفرسان الخيالة الذين يتبعونه.

 

وعلى الفور، اقتحمت خيول الحرب المدججة بالدروع الثقيلة شوارع المدينة في صفوف منظمة. الجنود الذين حاولوا منع دخولهم تساقطوا تحت أقدام الخيول الضخمة، بينما قام الفرسان بسحق الأعداء دون رحمة.

 

راقب باركاس مشهد الدمار هذا بوجه جاف، ثم قاد الفرسان عبر الساحة نحو القلعة الشاهقة في مركز المدينة.

 

كانت المدينة تبدو خالية تقريبا، وكأن المواطنين قد لجأوا إلى داخل الحصن مسبقا.

 

تفحص المباني الهادئة والساحة المركزية البعيدة عن ضجيج المعركة، ثم نقل نظره نحو بوابة الحصن المغلقة بإحكام وراء الخندق المائي والأسوار الحصينة.

 

رأى الرماة فوق أبراج الحصن يصوبون سهامهم بانتظار اقتراب الأعداء. حينها أوقف الجنود الذين كانوا يهمون بالاندفاع نحو البوابة:

 

“لا تقتربوا بتهور. بما أننا أسقطنا المدينة، فإن السيطرة على الحصن ليست سوى مسألة وقت.”

 

قدر باركاس بحذر المسافة التي لا تصلها هجمات العدو، ثم أدار رأس جواده وأصدر تعليماته للجنود:

 

“حاصروا الحصن بإحكام حتى لا يفلت منه فأر واحد. في غضون شهر على الأكثر، سيرفعون الأعلام البيضاء.”

 

*    *      *

 

 أعلنت “تارلين” استسلامها في أقل من ثلاثة أسابيع.

 

 قام حرس الحصن الداخلي بالتمرد وعلقوا رأس حاكم المدينة، المحرض الرئيسي، على الأسوار.

 

 وبفضل ذلك، تمكنوا من دخول الحصن دون إراقة دماء.

 

“الحاكم الجديد كان مجرد مبتدئ لم يمر على تعيينه سوى سنوات قليلة. لم يتوقع أحد أن يخون سيادة الدوق وجلالة الإمبراطور ويبيع المؤن العسكرية للشمال.”

 

قال قائد الحرس الذي قاد التمرد وهو يتوسل طلبا للرحمة.

 

نظر باركاس، الذي دخل فناء الحصن مع فرسانه، إلى الرجل بعينين جافتين ورد قائلا:

 

“إذا كان كلامك صادقا، فسأطلب الرأفة لك من جلالة الإمبراطور. لكن إذا خالط حديثك كذبة واحدة، فستنال أنت أيضا العقاب المستحق.”

 

أحنى الرجل رأسه بوجه كئيب.

 

أمر باركاس الجنود المنتظرين خلفه باقتياد الأسرى، ثم عبر الفناء بخطوات واسعة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.