مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 199نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 199

199

199

 

*******

 

منذ أن نهض من فراش المرض، لم يهدأ باله ليوم واحد، بل انخرط في جدول أعمال خارجي مكثف ومزدحم.

 

فقد كان بحاجة لإظهار هيبته وقوته في كل مكان، ولو لإخماد الشائعات الشنيعة التي تحوم حول “تاليا”.

 

أعاد باركاس تشكيل فرقة الإبادة وكأن شيئاً لم يكن، وجاب أنحاء الشرق معيداً تنظيم الأمن، بينما كرس كل جهده لمراقبة التجمعات الهرطقية ومطاردة النهابين.

 

وعندما فشلت خطته الأولية لتصفية “الزرام” سراً، غير استراتيجيته وبدأ حملة قمع واسعة النطاق.

 

ويبدو أن سياسة القبضة الحديدية قد أتت ثمارها؛ فقد انخفض معدل ظهور النهابين بشكل ملحوظ، وهدأت التجمعات السرية لكنيسة الروح العظيمة التي كانت تجري في الخفاء. 

 

وعلى الرغم من أن جذور الهرطقة لم تُستأصل تماماً بل غارت تحت السطح، إلا أنه نجح على الأقل في احتواء الفوضى الراهنة.

 

“يبدو أن صائدي المهرطقين سيعودون إلى العاصمة قريباً.”

 

قال “بيروف” وهو يضع تقريراً على مكتبه بنبرة توحي بالارتياح. التقط باركاس الرق الورقي الأصفر وتصفحه بسرعة؛ فقد تضمن الوثيقة تفاصيل تحركات فرقة حماة الحرب المقدسة خلال الأسابيع الماضية.

 

“يبدو أن الفرسان المقدسين استنتجوا أن جماعات المهرطقين قد فروا إلى الأراضي المتجمدة، وقرروا أن لا جدوى من الاستمرار في المطاردة.”

 

تحسس باركاس ذقنه بوجه غارق في التفكير. 

 

فبعد أن حصلوا منه على إذن التحقيق، جاب حماة الحرب المقدسة أنحاء “كالمور” بلا رادع، ثم انتقلوا بعد فترة قصيرة نحو الغرب، بناءً على استنتاجهم بأن المهرطقين قد اختبأوا في جبال “نيذرلاند” التي تفصل بين المنطقتين الشرقية والوسطى.

 

وبعد بقائهم هناك لفترة وهم ينقبون في المناطق الجنوبية الغربية، اتجهت لجنة التحقيق شمالاً متبعةً آثار المهرطقين، لكن يبدو أنهم فشلوا في نهاية المطاف في القبض على الفارين.

 

“ألا يمكننا البدء في سحب القوات التي وضعناها للمراقبة؟”

 

طرح “بيروف” السؤال بحذر. 

 

وضع باركاس يده على جبهته التي تؤلمه، وظل يفتح ويغلق قبضته المتصلبة. في ظل نقص القوى العاملة حالياً، كان إرسال نخبة “فولفرام” لمطاردة أذيال حماة الحرب المقدسة مضيعة صريحة للموارد.

 

وبعد الاستفسار من عدة جهات، تبين أن هوية “رومان تاليس” مؤكدة ورسمية، لذا لم تكن هناك حاجة لمزيد من المراقبة. ومع ذلك، لم يستطع باركاس التخلي عن حذره؛ فقد كان إحساساً يقرب من الغريزة، ذلك الشعور الفطري بالخطر الذي يشعر به المرء عندما يواجه وحشاً كاسراً اقتحم عرينه.

 

وبعد أن أمعن النظر في التقرير لفترة طويلة، هز باركاس رأسه في النهاية:

 

“أخبرهم ألا يخففوا المراقبة حتى يغادر هؤلاء الشرق تماماً.”

 

“ولكن، يا سيادة الدوق، لا أرى ضرورة لذلك إلى هذا الحد……”

 

“أليس الأمن في الشرق مستقراً إلى حد ما حالياً؟ لن تقع كارثة إذا خصصنا بعض القوى لعناصر المراقبة لبضعة أسابيع أخرى.”

 

أنهى باركاس اعتراضات مساعده بحزم ونهض من مكانه.

 

وبما أنه انتهى من تراكم الأعمال الرسمية، فقد حان الوقت لجدول أعماله المسائي.

 

خرج من مكتبه وهو يرسم وجهته التالية في ذهنه، وعندها سمع صراخاً حاداً من مكان ما. 

 

توقف باركاس في منتصف الرواق ونظر عبر النافذة؛ كانت أخته غير الشقيقة تصرخ بغضب في وجه شخص ما في الساحة المؤدية إلى الحديقة الخلفية.

 

وعندما أدرك أن الطرف الآخر هي زوجته، تصلب جسده.

 

كانت ترتدي رداءً أسود لا يدري من أين حصلت عليه، وتنظر إلى “لينا” بوجه بدا وكأنه فقد صوابه جزئياً.

 

نزل باركاس الدرج مسرعاً وخرج من الباب الخلفي، فلطمت أذنيه نبرة “لينا” الحادة:

 

“اعترفي بالحقيقة! ما هي المكيدة التي تخططين لها هذه المرة؟ القلعة بأكملها انقلبت رأساً على عقب بسببكِ، فكيف تجرئين مجدداً على……!”

 

“ما الخطب؟”

 

صمتت الأخت التي كانت تستجوب زوجته بحدة فجأة. عبر باركاس الساحة بخطوات واسعة واقترب منهما:

 

“سألتُ ما الخطب؟”

 

وبعد لحظة من الارتباك، استعادت أخته رباطة جأشها وأشارت بإصبعها نحو تاليا قائلة بتحدٍ:

 

“انظر إليها! كانت هذه المرأة تحاول التسلل خارج القلعة مجدداً! من المؤكد أنها كانت تنوي استدراج النهابين مرة أخرى!”

 

صوب باركاس نظرة جليدية نحو أخته، ثم حول بصره ببطء نحو زوجته؛ كانت قد نحلت بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية. 

 

نظرت إليه المرأة بوجه بدا وكأنه سيتحطم في أي لحظة، وبعينين منكسرتين.

 

“ليس الأمر كذلك. لأن ‘كان’ قد اختفى……”

 

تابعت حديثها بقلق وهي تقضم شفتها المتشققة بأظافر اصطبغت بالسواد من كدمات قديمة:

 

“لم أرَ ‘كان’ منذ الفجر. لذا…… كنتُ أحاول البحث عنه فقط.”

 

استنشق باركاس نفساً عميقاً وهو يقف متصلباً ينظر إليها. تسلق غضب حارق وثقيل عموده الفقري حتى وصل إلى رأسه. لم يكن يدري بوضوح ما الذي أغضبه إلى هذا الحد؛ هل هو مظهرها النحيل بشكل مريء؟ أم انزعاجه من رؤيتها عاجزة أمام أخته التي هي أصغر منها بكثير؟أو ربما حقيقة أنها حاولت التسلل سراً وهي بهذه الحالة المزرية التي توحي بأنها قد تنهار في أي لحظة. 

 

ابتلع شيئاً كان يغلي في صدره ثم قال ببرود:

 

“هل كانت أوامري بالالتزام بغرفتكِ مجرد مزحة بالنسبة لكِ؟”

 

انكمشت تاليا وأنزلت عينيها، وبدت أطراف أصابعها التي تقبض على الرداء وهي ترتجف بشدة.

 

ولسبب ما، أثار ذلك المنظر المنكسر غلياناً أكبر في صدره؛ فقد كانت امرأة ترفع رأسها دائماً مهما كانت الظروف، وحتى عندما تخطئ كانت ترفع صوتها.

 

ورؤيتها ترتجف كالمذنب الآن تسببت له بضيق لا يوصف.

 

حول باركاس نظره وكأنه يطرد ذلك الشعور، وصرخ في وجه الجنود الواقفين بارتباك في زاوية الساحة:

 

“ماذا كنتم تفعلون حتى تمكنت الدوقة من الخروج من غرفتها؟”

 

“نـ، نعتذر يا سيادة الدوق.”

 

انحنى الحراس بسرعة، فرمقهم باركاس بنظرة باردة وأشار برأسه:

 

“خذوها إلى غرفتها فوراً. إذا تكرر هذا الأمر مرة أخرى، فستدفعون الثمن برقابكم.”

 

هرع الجنود الذين شحب لونهم وأحاطوا بزوجته. وبينما كانوا يهمون باقتيادها، أمسكت المرأة بذراعه فجأة وهي تعض شفتيها بقلق:

 

“انـ، انتظر لحظة، سأخرج وأعود بسرعة. يبدو أن ‘كان’ قد غادر القلعة. يجب أن أجد ‘كان’……”

 

تصلب جسده وهو ينظر إلى ذلك الوجه المتوسل.

 

وبدا وكأن النيران تندلع من المكان الذي لمسته يدها.

 

وبغية إنكار ذلك الإحساس، أبعد يدها بقسوة وحث الجنود:

 

“لماذا لا تأخذونها بسرعة؟”

 

اقترب الجنود المترددون منها مجدداً.

 

نظرت إليه تاليا بعينين شاردتين، ثم استدارت في النهاية بخطى واهنة.

 

وعندما حول بصره عنها عمداً، وقعت عيناه على وجه “لينا” التي كانت تبتسم بخبث وشماتة. 

 

في تلك اللحظة، اجتاحته رغبة عنيفة في كسر عنق أخته التي لوحتها الشمس.

 

“لينا رايدغو شيركان.”

 

اختفت الابتسامة عن وجه أخته فوراً عندما شعرت بالغضب الكامن في صوته. اقترب باركاس منها وقال بنبرة مشؤومة:

 

“يبدو أن منصب ‘الدوقة’ أصبح مادة للسخرية بالنسبة لكِ؟”

 

نظرت إليه “لينا” بتعبير خائف للحظة، لكنها سرعان ما رفعت حاجبيها قائلة:

 

“دوقة أي دوقة! تلك المرأة ساحرة فظيعة. لقد وضعت السم في كأس أخي، واستدرجت النهابين إلى القلعة! لماذا تدافع عن امرأة كهذه؟ بسببها……!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.