مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 198نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 198

198

 198

 

*********

 

طالما أن ذلك الذئب يحرسها، فلن يجرؤ أحد على الاقتراب منها بسهولة.

 

وبهذا، سيمكنه التفرغ تماماً لتسوية قضية الوثنيين في الوقت الحالي.

 

توجه باركاس مباشرة إلى نقطة التفتيش الواقعة بجوار البوابة الشمالية. 

 

وهناك، تفحص بدقة سجلات الدخول والخروج منذ يوم الهجوم حتى اللحظة، بالإضافة إلى دفتر يوميات ضابط الخفر وقائمة المتوفين.

 

كانت الخسائر أكبر مما توقع؛ فقد لقي خمسة جنود من حرس السور الشمالي حتفهم، وأربعة سجانين كانوا يحرسون السجن تحت الأرض، وخمسة من خدم القلعة، حتى الخدم الأربعة الذين أُخذوا كرهائن وُجدوا جثثاً هامدة بعد يومين.

 

ولم تتوقف الخسائر البشرية عند هذا الحد، بل تجاوز عدد المصابين بجروح بليغة لا يمكن شفاؤها حتى بالسحر العلاجي أكثر من خمسة عشر شخصاً.

 

وبينما كان باركاس يمرر بصره ببطء على تلك القائمة الطويلة من الضحايا، تسمرت نظراته عند نقطة معينة.

 

“هل تعرضت المعالجة أيضاً لمكروه؟”

 

“نعم، وللأسف وُجد وخنجر مغروس في قلبها.”

 

أجاب قائد الحرس بنبرة غارقة في الأسى وهو يراقب رد فعله بوجه متوتر:

 

“ألم تكن ‘تيوران’ تقيم في سكن منفصل عن المبنى الرئيسي؟ يبدو أنها واجهت المجهولين أثناء فرارها نحو البوابة الشمالية ولقت حتفها.”

 

تصلبت ملامح باركاس تماماً.

 

وعندما تبادر إلى ذهنه وجه زوجته وهي نائمة دون دفاع في سكن تلك المعالجة، سرى شعور بارد في أنحاء قلبه.

 

يبدو أنها كانت مقربة جداً من تلك المعالجة طوال تلك الفترة؛ ومن المؤكد أنها ستتلقى صدمة كبيرة عندما تسمع هذا الخبر. 

 

وبينما كان يفكر في ذلك بشرود، سرعان ما مسح مقدمة رأسه بانفعال.

 

شعر بالاشمئزاز من نفسه لأنه لا يزال يقلق من احتمال حزنها رغم وصول الأمور إلى هذا الحد.

 

كان هناك قرابة عشرين قتيلاً، ولم يكن هناك سبب يجعله يأسف على موت شخص معين لمجرد أنه كان مقرباً منها.

 

ألقى بالقائمة التي كانت في يده فوق المكتب وكأنه يرميها.

 

“سأخصص ميزانية منفصلة، فاحرصوا على دفع تعويضات كافية لعائلات الضحايا.”

 

أنهى كلامه ونهض ليغادر النقطة، وعندها سمع صوت جلبة قريبة.

 

التفت باركاس دون اهتمام، فقطب حاجبيه عندما رأى جنوداً يصطفون أمام بوابة القلعة.

 

“ما الذي يحدث؟”

 

التفت الجندي الذي كان يحرس المدخل بذعر:

 

“سـ، سيادة الدوق!”

 

ابتعد الجندي عن المدخل بسرعة وهو ينظر إليه بتعبير وكأنه رأى شبحاً، ثم قال وهو يطأطأ رأسه:

 

“هـ، هناك زوار قد حضروا…… وكنا بانتظار صدور إذن الدخول إلى القلعة.”

 

ضيق باركاس عينيه وحدق عبر البوابة الحديدية.

 

 ومن بين فجوات القضبان الحديدية المتقاطعة، رأى رجلاً ضخماً يرتدي رداءً باللون الكحلي الداكن يقف بشموخ.

 

قطب باركاس ما بين حاجبيه عندما أدرك هويته؛ فقد كان ‘رومان تاليس’، الفارس المقدّس المبتعث من الكنيسة المركزية، واقفاً مع اثنين من أتباعه.

 

“نلتقي مجدداً بعد نصف شهر.”

 

أمال الرجل وجهه قريباً من القضبان وأظهر ابتسامة وادعة:

 

“سمعتُ أنكم تعرضتم لمكروه، لكن يبدو أنكم استعدتم عافيتكم، ولحسن الحظ. إن رؤية هيبتكم وقوتكم مباشرة تجعل قلبي يطمئن أخيراً.”

 

“ما الذي جاء بك إلى هنا؟”

 

تجاهل باركاس كلامه المعسول واستعجله في الدخول في صلب الموضوع مباشرة.

 

سند الرجل جسده على القضبان الحديدية وتابع كلامه بنبرة خفية:

 

“ألم يختفِ معظم الوثنيين بعد فشل خطة الإبادة؟ وبالنسبة لنا، لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي والانتظار أكثر من ذلك. لذا، جئتُ لأطلب الإذن لكي تبدأ ‘فرقة حماة الحرب المقدسة’ تحقيقاتها مباشرة.”

 

“لقد قلتُ لك سابقاً، لا يمكنني السماح لشخص غريب أن يعبث في أراضيّ كما يحلو له. اذهب ولا تضيع وقتك.”

 

“إذا كنت مصراً على ذلك، فلن يكون أمامي خيار سوى طلب التعاون في التحقيق من البلاط الإمبراطوري.”

 

التفت باركاس نحو الإسطبل ونظر إليه بنظرة باردة:

 

“هل تهددني الآن؟”

 

“لا أجرؤ على ذلك. أنا الآن أطلب التعاون بكل أدب.”

 

أصبحت نبرة الرجل أكثر غموضاً:

 

“فأنا أيضاً أكره الإجراءات المعقدة. وبما أن الطرفين لا يريدان تضخم الأمور، فما رأيك في إيجاد نقطة اتفاق بهدوء؟”

 

تصلب وجه باركاس؛ فقد أدرك بفطرته أن هذا الرجل يحاول الإيقاع بتاليا.

 

نطق من بين أسنانه:

 

“افتحوا البوابة.”

 

وبمجرد صدور أمره، ارتفعت القضبان الحديدية ببطء نحو الأعلى.

 

اجتاز الرجل بوابة القلعة متبعاً باركاس مع أتباعه، والابتسامة الهادئة لا تفارق شفتيه.

 

“إنه خيار حكيم.”

 

تجاهل باركاس نبرة صوته التي خالطها نصر طفيف، وتوجه نحو مبنى الثكنات المتصل بالسور.

 

“اتبعني.”

 

تبعه الرجل بحركات خفيفة لا تتناسب مع ضخامة جسده.

 

دخل باركاس إلى مكتب العمل المشترك الذي يستخدمه حرس السور الخارجي، وأشار برأسه للجنود المنتظرين:

 

“ليخرج الجميع.”

 

وعندما غادروا الغرفة جميعاً، التفت نحو الرجل الضخم الواقف عند الباب وقال ببرود:

 

“ماذا تنتظر؟ ادخل.”

 

تفحص الرجل الغرفة بنظرات ثاقبة، ثم أشار لأتباعه بالانصراف.

 

وعندما بقيا بمفردهما أخيراً، جلس باركاس على كرسي الاجتماعات وسأل بوضوح:

 

“ما الذي تريده بالضبط؟”

 

“كما ذكرتُ سابقاً. اسمحوا لفرقة حماة الحرب المقدسة بالتحقيق في واقع الوثنيين في الشرق.”

 

أجاب الرجل بهدوء. 

 

أطلق باركاس ضحكة جافة وهو يلتقط زجاجة خمر كانت موضوعة على الطاولة وقال:

 

“وبالطبع تريدون منحكم الحق في معاقبة المذنبين أيضاً، أليس كذلك؟”

 

“يبدو أنكم قلقون من أن نرتكب مجزرة بحق المدنيين، ولكن إذا أردتم، فسنقوم بإجراء تحقيق مشترك مع جنود عائلة الدوق.”

 

قال الرجل وكأنه يمنّ عليه:

 

“هدفنا هو منع انتشار الأفكار الهرطقية، وليس إقامة مهرجان للذبح في الشرق. أعدكم بأننا سنقوم بترحيل المذنبين بأساليب إنسانية قدر الإمكان ليمثلوا أمام العدالة.”

 

تجرع باركاس رشفة من النبيذ القوي وهو يراقب خصمه بدقة.

 

كان يدرك بعقله أنه لا يوجد سبب لرفض عرض هذا الرجل؛ فهو أيضاً لا يريد أن ينتشر الوثنيون في أرضه.

 

وبما أن خطة الإبادة قد فشلت، لم يكن لديه مبرر مناسب لرفض مساعدة الكنيسة. ومع ذلك، كانت فطرته ترسل له تحذيرات مستمرة بأنه لا يجب الوثوق بهذا الرجل.

 

“إذا تلطف سيادتكم وسهلتم عملي، فسأقوم أنا أيضاً بمراعاة مصالحكم.”

 

وعندما أدرك الرجل تردده، قدم عرضه بنبرة خفية.

صوب باركاس نظرة باردة نحوه:

 

“ماذا تقصد؟”

 

“أقصد أنني سأغطي على الشكوك العديدة التي تحوم حول سمو الدوقة.”

 

رد الرجل بمنتهى الهدوء:

 

“أليست الشائعات حول تواطؤ سمو الدوقة مع الوثنيين لمحاولة تسميمكم قد انتشرت في كل مكان؟ ومع ذلك، لم تنزلوا بها أي عقاب حتى الآن، مما يعني أن سيادتكم ترغبون في التغطية على ذلك الحادث المؤسف.”

 

“…….”

 

“أنا أيضاً أريد تجنب عناء التحقيق مع دوقة الشرق بتهمة الهرطقة. فإذا ساعدني سيادتكم في عملي، فسأجعل تلك الشكوك حول سمو الدوقة مجرد شائعات لا أساس لها.”

 

“إذن، أنت تقصد أنني إذا لم أتعاون معكم، فستجعل زوجتي هدفاً لتحقيقاتك.”

 

اكتفى الرجل بابتسامة ناعمة على شفتيه كإجابة.

 

ضغط باركاس على الكأس الذي يحتوي على النبيذ حتى كاد أن يتحطم في قبضته.

 

كان هذا الرجل يطلب منه الآن الاختيار بين واجبه كحاكم وسلامة زوجته.

 

لقد كانت قضية لا تستحق التفكير فيها حتى.

 

فقد نُشئ على تقديم أمن الإمبراطورية والشرق فوق كل شيء. ولا يمكنه السماح لأشخاص مشبوهين بالعبث في أراضي الدوقية من أجل شخص واحد فقط.

 

ولكن، خرجت من بين شفتيه كلمات مختلفة تماماً.

 

“…… حسناً. أنا أوافق.”

 

في تلك اللحظة، سرى شعور حارق ومرير في جوفه.

 

أدرك باركاس أن هذا الشعور هو شعور الهزيمة؛ وهو الشعور الذي ظل يرافق داخله دائماً منذ أن ارتبط بها.

 

نظر بعينين غائمتين إلى الكأس الذي تحطم تماماً؛ فقد بلل النبيذ المنسكب أصابعه بلزوجة تشبه الدماء.

 

دائماً ما يتخذ خيارات خاطئة عندما يتعلق الأمر بها.

 

يفقد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ويندفع في الاتجاه الخاطئ مساقاً بدوافعه البدائية فقط.

 

 تماماً مثل الفراشة التي تقترب من اللهب رغم علمها بأنها ستحترق.

 

“إنه قرار حكيم.”

 

قال الرجل بنعومة.

 

 شعر باركاس أنه لو استمر في مواجهة ذلك الوجه الذي يبتسم بسخرية، فسينتهي به الأمر بالإمساك بعنقه وتحطيم رأسه فوق الطاولة.

 

نهض من مقعده وغادر غرفة الاجتماعات، وهو يقطع عهداً على نفسه في داخله:

 

هذه هي المرة الأخيرة؛ المرة الأخيرة التي أتخذ فيها قراراً خاطئاً بسببها.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.