مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 195نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 195

195

 195

 

******

 

“هل هذا الكلام صحيح؟”

 

أومأت تاليا برأسها بتعبير ذاهل، وكأنها تسمع لغة أجنبية لا تفقهها.

 

“…… إنه صحيح.”

 

انسابت ضحكة يائسة من بين شفتي باركاس؛ فلم يدرك إلا بعد سماع ردها أنه كان يأمل في أعماقه أن تنكر الأمر.

 

لم يكن يكترث حتى لو كانت كذبة واضحة؛ فلو قالت كلمة واحدة بأنها لم تفعل ذلك، لكان مستعداً لتصديقها طواعية.

 

وفي اللحظة التي واجه فيها تلك الحقيقة المأساوية، جفّ شيء ما كان ينمو بداخله.

 

نظر إليها بعينين ماتت فيهما كل المشاعر.

 

“هل كنتِ ترغبين في موتي؟”

 

وعند سؤاله الذي أطلقه بفراغ، ظهر اضطراب طفيف في عينيها اللتين كانتا غائمتين كزجاج ملون باهت. 

 

بدأت المرأة التي كانت ترقبه بوجه شاحب ترتجف فجأة.

 

“…… لا. لم يكن لدي مثل هذا التفكير، ولو للحظة.”

 

أطلق باركاس ضحكة جافة وساخرة.

 

“إذن، بأي تفكير وضعتِ لي السم؟”

 

“ظننتُ أنه……”

 

خرج صوت ضعيف يكاد لا يُسمع من بين شفتيها اللتين جفت عليهما القشور الدموية.

 

“لم أكن أعلم أنه سم. ظننتُ فقط…… أنه دواء غير ضار…… لا يؤذي الجسم…….”

 

تصلبت ملامح باركاس ببرود أمام هذا العذر الواهي الذي لا يصدقه عقل.

 

“إذن، ما هو الدواء الذي ظننتِ أنكِ تضعينه؟”

 

انكمش كتفا تاليا وكأنها ضُربت بسوط. 

 

انتظر باركاس أن تضيف عذراً أكثر منطقية، لكن لم يصله سوى صمت جليدي.

 

انخفضت عيناها الزرقاوين الغارقتين في ضياء الغروب الأرجواني نحو الأرض ببطء. وعندما أصبح من الواضح أنها لا تنوي قول المزيد، استجوبها بنبرة أكثر قسوة:

 

“قيل لي إنه عُثر في مخدعكِ على رموز وثنية، بل إن رئيس الكهنة أثار شكوكاً حول حضوركِ اجتماعات للمهرطقين. لذا، أخبريني بصدق؛ هل أطعمتِني ذلك الدواء لعرقلة حملة التطهير؟”

 

رفعت رأسها فجأة بوجه بدا وكأنه لا يفهم كلامه بتاتاً، وفي الوقت نفسه، بدت وكأنها غارقة في قلق شديد.

أمسك باركاس برأسه الذي كان يؤلمه وكأن مسماراً غُرز فيه، وحثها بضيق:

 

“أرجوكِ، قولي أي شيء.”

 

“…… إذا قلتُ إنني لم أفعل، فهل يمكنكَ تصديق ذلك؟”

 

قالت ذلك بوهن، ثم تابعت:

 

“صدق ما تشاء. فالحقيقة لن تتغير، وهي أنني أطعمتكَ السم لأي سبب كان.”

 

ثم نكست رأسها وأضافت بهدوء يشبه هدوء الشهداء:

 

“…… سأقبل أي عقوبة تنزلها بي.”

 

في تلك اللحظة، اجتاحته رغبة عنيفة في الإمساك بعنقها وخنق أنفاسها.

 

 أراد أن يحشر نفسه بالقوة داخل تلك العينين المستسلمتين ويجعلها تتوسل إليه بيأس. 

 

بدأت أطراف أصابعه ترتجف وهو يحاول كبح ذلك الاندفاع القوي.

 

قبض على شرشف السرير بقوة وأخرج صوتاً مخنوقاً:

 

“هل تدركين ما تقولينه الآن؟”

 

ظلت صامتة، تحدق بثبات في ظلها الممتد على الأرض.

 

وفي النهاية، نفد صبر باركاس فنهض مترنحاً من السرير.

 

شعر بتقلصات طفيفة في عضلاته التي ضعفت بشكل غير منطقي. 

 

بدت مفاصله وكأنها صدئة، وأحشاؤه المنهكة لا تزال تغلي كالحمم البركانية. تجاهل كل إشارات الخطر التي يرسلها جسده وخطا نحوها بخطوات ثقيلة.

 

“هل تظنين أن هذه المرة ستمر ببساطة كما حدث عندما عبثتِ بكأس ‘آيلا’؟”

 

قال ذلك وهو يضغط على كتفيها بقوة، فظهر خوف جلي في عينيها المتسعتين.

 

 نظر إليهما مباشرة ونطق بكل حرف وكأنه يمزقه:

 

“أنتِ الآن لا تواجهين تهمة محاولة التسميم فحسب، بل تهمة الهرطقة أيضاً. هل تدركين معنى ذلك؟”

 

خفض صوته وتابع بنبرة موحشة:

 

“سيكون من حسن حظكِ إن انتهى الأمر بتعفنكِ في السجن مدى الحياة. في أسوأ الأحوال، قد يُحكم عليكِ بالإعدام. وإذا تم طردكِ من الكنيسة عبر محاكمة دينية، فستكون طريقة الإعدام أكثر وحشية. ستُجردين من كل حقوقكِ كبشر، وتموتين ككائن أدنى من الحيوان.”

 

أصبح وجهها الآن شاحباً لدرجة تقترب من اللون الرمادي. قبض باركاس على كتفيها بقوة أكبر وأضاف بصوت منخفض وكأنه يغرس الكلمات في عقلها:

 

“لذا، كفي عن هذا الهراء بأنكِ ستقبلين أي عقوبة. من الآن فصاعداً، ليس لديكِ سوى قول شيء واحد: أنكِ لا تعرفين شيئاً، وأن الأمر لا علاقة له بكِ، وعليكِ الإنكار حتى النهاية.”

 

نظرت إليه بوجه غارق في الذهول. بدا له منظرها وهي فاقدة للوعي بما يدور حولها وكأنه يقلب أحشاءه رأساً على عقب.

 

هز كتفيها للأمام والخلف مؤكداً:

 

“هل فهمتِ ما أعنيه؟ أنتِ لم تطئي قدماكِ أي اجتماع للوثنيين أبداً، والسم وضعه شخص آخر. لا علاقة لكِ بهذا الأمر بتاتاً.”

 

“ولـ، ولكن……”

 

حركت شفتيها بتعبير مرتبك.

 

“أنا من…… وضعتُ الدواء في خمركَ. أنا من……”

 

فجأة، خرجت أنة متألمة من بين شفتيها. حينها فقط أدرك باركاس أنه يضغط على كتفيها بقوة كادت تحطمهما.

 

سحب يديه بسرعة، ثم قبض قبضتيه وقال بصوت مكتوم:

 

“أنتِ قلتِ بلسانكِ، أليس كذلك؟ إنكِ لم تكوني تنوين إيذائي…….”

 

أومأت برأسها بشكل آلي. أغمض عينيه بقوة ثم فتحهما.”هذا يكفي. سأطوي هذه الصفحة وأتجاوز الأمر.”

 

“هل…… تصدقني؟”

 

سألت بصوت مرتجف. نظر إليها باركاس بعينين مشوشتين.

 

مرت بخاطره صورتها التي تغيرت فجأة بعد لقائهما مجدداً، وترددت في أذنيه كلماتها العذبة التي كانت تهمس بها:

 

‘أنت زوجي، فما الغريب في أن أهتم بك؟’

 

‘في الحقيقة…… لقد قلقتُ عليك كثيراً طوال تلك الفترة.’

 

هل كان كل ذلك حقيقة مجردة من التزييف؟ وهل يمكنني تصديق ذلك دون أدنى شك؟

 

سأل نفسه في داخله، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة.

 

“ليس من المهم إن كنتُ أصدقكِ أم لا.”

 

أجل.

 

حتى لو كان كل ذلك مجرد تمثيل لإرخاء دفاعاته، فما الفرق؟ على أي حال، هو لا يستطيع قبول وضع تصبح فيه هذه المرأة سجينة وتُساق إلى منصة المحاكمة.

 

حتى لو كانت متعصبة حاولت تسميمه، فلن تتغير النتيجة.

 

إذن، لا أهمية لمدى صحة الأمر من عدمه.

 

تابع كلامه بشكل آلي:

 

“الأولوية الآن هي احتواء الموقف. ابقِ في غرفتكِ قيد الإقامة الجبرية حتى يهدأ الوضع.”

 

ثم التفت عائداً نحو السرير؛ فقد شعر ببدء تلاشي القوة من ساقيه.

 

قبض على عمود السرير بقوة لكي لا يسقط بشكل مخزٍ، لكن أصابع باردة كالثلج تشبثت بكم قميصه.

 

“أنا لا أفهم بتاتاً. لماذا تحاول التغطية على خطئي وأنت لا تصدقني حتى؟ لماذا……”

 

نفض يدها برد فعل انعكاسي.

 

 نظرت إليه تاليا بعينين ذاهلتين. 

 

تصلب جسده للحظة من هول تصرفه، لكنه شعر بشيء ما ينقطع داخله وهو يرى ذلك الوجه المجروح.

 

في تلك اللحظة، اجتاحته رغبة قاسية لا يمكن تفسيرها.

 

“لطالما شعرتُ أنني مدين لكِ.”

 

خفض بصره نحو ساقيها، وأضاف بنبرة جافة:

 

“لكن الآن، لم أعد مديناً لكِ بشيء.”

 

لمح وجهها الشاحب كلياً وسط رؤيته المهتزة وكأنها غارقة في ضباب. 

 

شاح بوجهه عن ذلك الوجه وسحب الحبل المعلق بجانب السرير. وفي اللحظة نفسها تقريباً، فتح الجنود الباب ودخلوا الغرفة.

 

أشار برأسه دون أن يلقي نظرة واحدة عليها:

 

“خذوها إلى مخدع النساء في الطابق الثالث. ستبقى الدوقة هناك قيد الإقامة الجبرية لفترة.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.