الفصل 194
194
194
*********
استند بذراعيه الثقيلتين كقطعتي رصاص على حافة السرير.
وبينما كان يهمّ برفع جزئه العلوي، كسر صمت المكان صرخة مدوية ثقبت طبلة أذنه.
“سـ، سيادة الدوق! هل استعدت وعيك؟!”
التفت نحو مصدر الصوت، ليرى رئيس الخدم يهرع إلى الغرفة حاملاً إبريقاً كبيراً.
وضع الإبريق على الرف بعجلة تكاد تشبه الإلقاء، ثم ركض مباشرة إلى جانب السرير.
“الحمد لله! لقد كان قلبي يعتصر خوفاً من ألا تستيقظ أبداً……!”
تمتم رئيس الخدم بنبرة منفعلة وهو يضع وسادة خلف ظهره لتدعيمه.
أسند باركاس رأسه إلى ظهر السرير وضغط بشدة على جفنيه اللذين كانا يؤلمانه وكأن شظايا زجاج قد صُبت فيهما. وعند رؤية ذلك، سارع رئيس الخدم بهز الجرس الموضوع على الطاولة الجانبية لاستدعاء بقية الخدم.
“لقد استيقظ سيادة الدوق! استدعوا الطبيب فوراً!”
وسرعان ما دوت أصوات خطوات مضطربة، واقتحم الغرفة ثلاثة أو أربعة من الخدم برفقة طبيب يرتدي زي الكهنة. وبينما كانوا يتحلقون حول السرير في حالة من الجلبة، أغمض باركاس عينيه بهدوء، منتظراً أن يزول الوهن الذي يثقل جسده بالكامل.
مضى وقت لا يعلم قدره، حتى قال الكاهن الذي كان يضخ القوة المقدسة في جسده وهو يتنفس بتعب:
“لحسن الحظ، يبدو أنك تجاوزت مرحلة الخطر تماماً. لقد عاد تدفق ‘المانا’ الذي كان يضطرب بجنون إلى حالته الطبيعية.”
فتح باركاس عينيه ونظر إلى الكاهن. مسح الكاهن العرق المتصبب من جبهته وأضاف بنبرة غارقة في الجدية:
“لا يمكن تفسير ما حدث إلا بأن السماء قد أعانتك؛ فالحالات التي نجا فيها أشخاص بعد تناول سم ‘أغور’ الزعاف تُعد على أصابع اليد الواحدة عبر التاريخ.”
‘سم زعاف’.
ردد باركاس الكلمة في ذهنه وهو يراقب بصمت عروق يده البارزة. فاضت التساؤلات في عقله المشوش وكأنه مغطى بالصقيع. دفع بتلك الأفكار جانباً، ثم أخرج صوتاً مخنوقاً:
“…… منذ متى وأنا فاقد للوعي؟”
“لقد غبت عن الوعي منذ سبعة أيام…… بل ثمانية أيام بالضبط حتى هذا اليوم، يا سيادة الدوق.”
وقبل أن يجيب الكاهن، دوى صوت جهوري من ناحية الباب. التفت باركاس ليرى ‘بيروف’ بوجهه الشاحب وهو يخطو داخل الغرفة بخطوات واسعة.
اقترب من جانب السرير وأضاف بصوت غارق في الثقل:
“خلال الأيام الأربعة الأولى، كانت حالتكم حرجة لدرجة أن توقف قلبكم في أي لحظة لم يكن ليكون مستغرباً. إنه لمن دواعي سرورنا حقاً أنكم استيقظتم.”
“…… ماذا حدث بشأن حملة التطهير؟”
تجاهل باركاس قلق مساعده وألقى بسؤاله الجاف. نظر إليه المساعد بوجه متصلب، ثم رمق المحيطين بالسرير بنظرة خاطفة وطلب بحذر:
“هلّا أمرتم الجميع بالانصراف للحظة؟”
“سيدي، لقد كان سيادة الدوق يصارع الموت واستعاد وعيه للتو. من الأفضل الانتظار حتى يستعيد قوته بالكامل…….”
“قلتُ انصرفوا.”
أشار باركاس برأسه للكاهن الذي كان يحاول المنع بدافع القلق. نظر إليه الكاهن بعينين غارقتين في الهم:
“إذا أجهدت نفسك وساءت حالتك مجدداً…….”
“لا تجعلني أكرر كلامي مرتين.”
صمت الكاهن فوراً بعد أن أصابه الذعر من هيبته الحادة.
وبالفعل، غادر الكاهن ورئيس الخدم وبقية الخدم الغرفة.
اعتدل باركاس في جلسته رغم جسده الثقيل كقطن مبلل، وظل يراقب مساعده بصمت.
وتحت ضغط هذا الصمت المطالب بالإجابة، انفتحت شفتا الرجل:
“عملية التطهير…… باءت بالفشل. أنا في غاية الأسف.”
“اشرح لي بالتفصيل.”
طلب باركاس ذلك بهدوء ودون أي اضطراب ظاهر. استمر المساعد، الذي كان يراقب ملامح وجهه بتصلب، في تقديم تقريره:
“مباشرة بعد سقوطكم، استغل مجهولون حالة الفوضى وتسللوا إلى القلعة. هاجموا السجن السفلي وهربوا السجناء، وحاولوا إثارة تمرد داخل القلعة. وبفضل وصول السيد الشاب ‘لوكاس’ مع رجاله بسرعة، تم السيطرة على الموقف، ولكن…….”
“يبدو أن الخروج للحملة لم يتم كما كان مخططاً له.”
قاطعه باركاس، فأومأ الرجل برأسه ببطء:
“كان المجهولون يتمتعون بمهارات مذهلة بشكل يثير الدهشة. لقد اخترقوا الحصار وخرجوا من القلعة وتلاشى أثرهم في لمح البصر. وبسبب ذلك، اضطررنا حتى لسحب القوات التي كانت تنتظر في غابة ‘أرموند’ لمحاصرة منطقة ‘كالمور’ والبدء في البحث.”
“وهل ألقيتم القبض على المتسللين؟”
“…… أعتذر منكم. لقد بحثنا طوال الليل، لكنهم كانوا قد اختفوا بالفعل.”
اعترف الرجل بوجه كئيب. لوى باركاس زاوية فمه بسخرية:
“في النهاية، أفلت المتسللون والناهبون معاً.”
“…… لا أملك ما أقوله حقاً. كان يجدر بي أن أدرك مبكراً أنهم يقومون بهذه الحيل لكسب الوقت…….”
“ارفع رأسك. من أنا لأوبخ أحداً وأنا في هذه الحالة المثيرة للشفقة بعد تعرضي للتسمم؟”
أطلق باركاس ضحكة ممزوجة بالسخرية من الذات.
راقب بيروف ملامح وجهه ثم غير الموضوع بحذر:
“…… هل تتذكر كيف تعرضت للتسمم؟”
توقف باركاس عن الابتسام ونظر إليه بوجه خالٍ من التعبير. ابتلع بيروف ريقه بصعوبة وتابع كلامه بجهد:
“يبدو أن سمو الدوقة كانت تتواطأ مع جماعات من الوثنيين. وبغرض عرقلة حملة التطهير هذه، وضعت مادة في كأسكم…….”
“هل لديك دليل قاطع؟”
قاطع باركاس كلامه بنبرة جافة. ظهر الارتباك للحظة على وجه بيروف قبل أن يتصلب ببرود:
“لا يوجد أدنى شك في أن الدوقة هي من وضعت السم.”
“سألتك إن كان هناك دليل مادي قاطع.”
“لقد اعترفت سموها بنفسها.”
اكتفى باركاس بمراقبته بصمت بعينين باردتين كالثلج. ويبدو أن بيروف شعر بالضيق من هذا الموقف المتعنت، فرفع صوته قائلاً:
“ليس هذا فحسب؛ فقد عُثر في مخدع سمو الدوقة على العديد من الأشياء التي ترمز لـ ‘كنيسة الروح العظيمة’. لقد عقدت العزم على إيذائكم من أجل إنقاذ الوثنيين!”
في تلك اللحظة، دوى صوت تحطم مكتوم في رأس باركاس.
شعر وكأن جزءاً من دماغه قد انفجر لعدم تحمله الضغط الشديد. قبض على جبهته بيد واحدة وكأنه يحاول طرد ذلك الشعور المروع، واستخرج بصعوبة صوتاً هادئاً من أعماق حنجرته المكتومة:
“أين هي الآن؟”
“تم احتجازها في أعلى برج القلعة.”
رد بيروف ببرود:
“جميع أتباع عائلة الدوق ثاروا وطالبوا بتقديمها للمقصلة فوراً، وقد استطاع السيد الشاب لوكاس تهدئتهم بصعوبة. فمهما كانت ‘المرأة الشريرة’ التي حاولت تسميم زوجها، لا يمكن وضع ابنة الإمبراطور على منصة الإعدام دون إجراءات محاكمة قانونية.”
قبض باركاس قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله. شعر بغضب لا يعرف مصدره ينهش أحشاءه. حدق في مساعده بعينين محمرتين وأصدر أوامره بصوت جليدي:
“أحضرها أمامي الآن.”
ألقى بيروف نظرة حذرة وكأنه يحاول استشفاف نيته، ثم أحنى رأسه وغادر الغرفة.
وبعد فترة وجيزة، دخل الجنود المسلحون ومعهم تاليا إلى غرفة النوم.
رفع باركاس عينيه نحو السماء التي بدأت تصطبغ باللون الأزرق الداكن، ثم نقل نظره ببطء.
بدت تاليا في حالة تجعل المرء يشعر بالبرد رغم أننا في منتصف الصيف.
وعندما رأى هيئتها التي تشبه السجناء، شعر باركاس بغضب يكاد يبخر دماغه، فاستنشق نفساً عميقاً.
كان من الواضح أنها عوملت بقسوة؛ فشعرها الأشقر الذي كان يتألق ببراعة كان مبعثراً في فوضى عارمة يغطي رقبتها النحيفة وظهرها، وفستانها الحريري الرقيق كانت تلطخه خيوط العنكبوت والأتربة.
وبينما كان يتفحص هيئتها بتمهل، وقع بصره على قدميها الحافيتين البارزتين من تحت الفستان.
حبس أنفاسه لا إرادياً.
وشعر برغبة في القتل تغلي بداخله لرؤيتها واقفة بلا حذاء كالمشردين.
كبح ذلك الشعور غير المنطقي وألقى بنظرة باردة على الجنود المحيطين بها:
“انصرفوا جميعاً.”
“سيادة الدوق، الدوقة شخصية خطيرة. لا يمكننا تركها معكم دون رقابة…….”
“يبدو أنني أبدو مثيراً للسخرية بعد أن أصبحت في هذه الحالة.”
ارتسمت ابتسامة موحشة فجأة على شفاه باركاس.
تيبست أجساد الجنود عندما شعروا بالتهديد الكامن فيها. أشار برأسه وكأنه يخبرهم بأنه لن يكرر كلامه مرتين.
في النهاية، أحنى الجنود رؤوسهم وتراجعوا للحلف بحذر.
“إذن، سننتظر خارج الباب. نادِنا إذا حدثت أي مشكلة.”
عندما خرجوا جميعاً وأغلقوا الباب، أسند باركاس رأسه إلى ظهر السرير وتفحص وجهها الشاحب بدقة.
ورغم أنه لم يستطع رؤية تفاصيل وجهها بوضوح لأنها كانت تخفض رأسها، إلا أنه أدرك بسهولة أنها فقدت الكثير من وزنها. شعر بالاشمئزاز من نفسه لاهتمامه بهذا الأمر، فتمتم ببرود:
“سمعت أنكِ اعترفتِ بوضع السم في كأسي.”
ارتجف كتفاها، ثم ارتفع بؤبؤا عينيها اللذان كانا مثبتين على الأرض ببطء.
وعندما التقت عيناه بعينيها الفارغتين والخاليتين من أي حياة، لوى ملامح فمه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.