مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 190نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 190

190

 

 

 

***

 

 

 

قطب حاجبيه بحدة؛ فكل كلمة كانت تنطق بها كانت كمن ينبش في أحشائه.

 

 

 

“لماذا ترغبين في طفل إلى هذه الدرجة؟”

 

 

 

بدا السؤال غير متوقع، إذ ساد الارتباك وجهها للحظة. نظرت إليه بعينين تائهتين قبل أن تخفض رموشها وتتمتم بكلمات مبهمة:

 

 

 

“…… وهل يجب أن يكون هناك سبب؟ رغبة المرأة المتزوجة في الإنجاب أمر طبيعي، أليس كذلك؟”

 

 

 

أمسك باركاس بذقنها، وحدق مباشرة في عينيها الغارقتين في الظلام.

 

 

 

“هل نسيتِ كل الآلام التي عانيتِ منها طوال فترة الحمل؟ ألم تظلي لشهور تعانين من أوجاع منعتكِ حتى من الجلوس أو الاستلقاء براحة؟”

 

 

 

“…… لم يكن الأمر إلى تلك الدرجة. كان مقدوراً عليه.”

 

 

 

أصرت على عنادها.

 

 

 

شعر باركاس بالتواء شديد في معدته، فاستنشق هواءً بارداً بعمق حتى ملأ رئتيه.

 

 

 

لا تزال صورتها وهي تتألم ماثلة أمام عينيه حتى الآن؛ مشهد تدفق الدماء والدموع وهي تسترخي كالجثة الهامدة لا يزال حياً في ذاكرته كأنه حدث بالأمس.

 

 

 

وماذا حدث بعد ذلك؟ ألم تفقد عقلها تماماً من شدة الحزن على فقدان الطفل؟ والآن، بعد أن استعادت عافية جسدها وروحها بصعوبة، تريد تكرار الأمر مجدداً؟

 

نطق بنبرة باردة وحاسمة لا تقبل النقاش:

 

 

 

“مهما قلتِ، فلا فائدة من ذلك. لن يتغير قراري أبداً.”

 

 

 

أمام هذا الإعلان القاطع، استحال وجهها المشرق إلى هدوء غريب وموحش. 

 

 

 

حدقت فيه بعينين نزلت عليهما ظلال داكنة، وخرج صوتها كأنه آتٍ من شبح:

 

 

 

“حتى لو كان هذا هو رجائي الأخير؟”

 

 

 

تصلبت ملامح فمه بقوة. ازداد شعوره بشيء مدبب يمزق أحشاءه سوءاً، لكنه تجاهل ذلك وقال بجمود:

 

 

 

“حتى لو رجوتِ.”

 

 

 

تجمد وجهها ببرودة أشد. 

 

 

 

ومد باركاس يده لا شعورياً نحو وجنتها الشاحبة، لكنه تراجع وأحكم قبضته.

 

 

 

أدرك بغريزته أنها لن تسمح له بلمسها بعد الآن.

 

 

 

وكما توقع، أمالت تاليا رأسها جانباً لتتجنب يده، ورمقته بنظرة باردة كالخنجر:

 

 

 

“إذن لا يوجد سبب لبقائي معك هكذا. إذا كنت لن تمنحني ما أريد، فاخرج من هذه الغرفة فوراً.”

 

 

 

لطم صوتها الحاد وجنته كالسوط. ظل يراقب شفتيها المرتجفتين قليلاً لبرهة، ثم نهض ببطء.

 

 

 

راقبته تاليا بنظرة باردة وهي تستلقي على السرير وتغطي نفسها باللحاف حتى قمة رأسها.

 

 

 

ابتلع باركاس تنهيدة ثقيلة، ثم استدار وخرج من الغرفة بهدوء وخطى ثابتة.

 

 

 

*    *      *

 

 

 

 لم تظهر السماء أي بوادر لتوقف المطر منذ أيام.

 

 

 

وبسبب العواصف التي كانت تهب بين الحين والآخر، أحجم سكان ‘كالمور’ عن الخروج بشكل طبيعي، فخلت الأسواق والميادين التي عادة ما تكون مزدحمة.

 

 

 

كان هذا الوضع ساراً لفرسان عائلة الدوق، الذين كانوا يخشون تسرب المعلومات إلى شعب ‘زرام’.

 

 

 

 فبفضل موسم الأمطار المبكر الذي عمل كستار ساتر، تمكنوا من حشد القوات قرب غابة ‘آرموند’ دون لفت الأنظار.

 

 

 

وإذا استمر هذا الوابل لبضعة أيام أخرى، فسيكون بإمكانهم مهاجمة معقل الناهبين دون أن تتوفر للأعداء أي معلومات عن تشكيل حملة تطهيرية.

 

 

 

“لقد قرر حاكم ‘دوركاين’ الانتظار في ‘برينايك’ ثم الانضمام للقوة الرئيسية في اليوم الموعود.”

 

 

 

“ما هي تحركات اللوردات في المنطقة الجنوبية الشرقية؟”

 

 

 

“لا أخبار منذ أن أجاب اللورد ‘دارين’ بأنه سيقوم بتحقيق سريع في الأمر.”

 

 

 

أضاف بايروف الذي كان يرفع تقريره بهدوء وبتعابير مفكرة:

 

 

 

“يبدو أن اللورد ‘دارين’ يحقق بحذر شديد؛ فالبحث المتسرع قد يثير استياء اللوردات الآخرين.”

 

 

 

نظر باركاس بصمت إلى الخريطة المنبسطة على المكتب، ثم أسند ظهره وضغط على ما بين عينيه:

 

 

 

“أخبره ألا يماطل كثيراً، فالخونة قد يتلفون كل الأدلة.”

 

 

 

“سأرسل طائر الزاجل فوراً.”

 

 

 

أجاب بايروف بنبرة هادئة وأشار بعينيه إلى الفارس التابع المنتظر عند الباب. فهم الشاب الإشارة الصامتة وغادر غرفة الاجتماعات على الفور.

 

 

 

أزاح باركاس الخريطة جانباً وتفحص بدقة التقارير الجديدة التي أعدها المخبرون.

 

 

 

كانت الاستعدادات للحملة تسير بسلاسة.

 

 

 

 فاللوردات الذين عانوا لسنوات طوال من عصابات الناهبين أبدوا رغبتهم في المشاركة، بل إن بعض أتباع الكنيسة الإمبراطورية المخلصين تبرعوا بمؤن من أموالهم الخاصة. وبفضل ذلك، تمكنوا من تأمين قوة كافية دون الحاجة لاستدعاء القوات الرئيسية.

 

 

 

“بحلول فجر الغد، سنتمكن من خلع الضرس المسوس.”

 

 

 

“هل تنوي اعتقال الوثنيين أيضاً في الوقت ذاته؟”

 

 

 

فتح لوكاس، الجالس بهدوء عند طرف طاولة الاجتماعات، فمه بالسؤال. أومأ باركاس برأسه بوجه غير مبالٍ:

 

 

 

“بعد القضاء على الناهبين، لن يكون هناك سبب لتركهم وشأنهم. بمجرد انطلاقنا، اعتقلوا كل من ورد اسمه في قائمة الوثنيين. لا استثناء لأحد.”

 

 

 

“…… بخصوص هذا الأمر، لدي ما أقوله لك.”

 

 

 

نطق لوكاس بحذر:

 

 

 

“لقد طالبت الكنيسة بأن تتسلم هي بنفسها المرتدين.”

 

 

 

قطب باركاس ما بين حاجبيه:

“أشكرهم على عرضهم، لكن أعدادهم تفوق قدرة قوات كنيسة الشرق. أخبرهم أن إقليم الدوق سيتولى الاعتقال، ثم سيمثلون أمام منصة المحاكمة التي يرأسها رئيس الكهنة.”

 

 

 

“الأمر هو أن…… الكنيسة المركزية قد أرسلت فرسانها المقدسين.”

 

 

 

توقف باركاس وهو يهم برفع التقرير التالي والتفت إليه. تابع لوكاس وهو يبعثر شعره من الخلف:

 

 

 

“دخل عدد كبير من الفرسان الذين يحملون رسائل مختومة بختم الكنيسة المركزية إلى ‘كالمور’ فجر اليوم. يبدو أن الخبر قد تسرب من كنيسة الشرق.”

 

 

 

تصلب وجه باركاس بقوة؛ فخطر بباله ما ورد في تقارير محققي الهرطقة.

 

 

 

ورغم أنه حصل على وعد من رئيس الكهنة بطمس الشائعات المتعلقة بتاليا، إلا أنه كان من الصعب الوثوق به تماماً. فإذا نكث ذلك الكاهن بوعده وتحدث عن شبهات الهرطقة المحيطة بها، فسيكون من الصعب حمايتها.

 

 

 

ألم تكن الكنيسة المركزية تنظر إلى ‘الأميرة غير الشرعية’ كقذارة في العين؟ سيفعلون المستحيل لتشويه سمعة ‘سنيفيير’ من خلال وضع تاليا على منصة محاكمة الهرطقة.

 

 

 

ألقى باركاس التقرير الذي كان بيده ونهض من مكانه:

 

 

 

“سأذهب لمقابلتهم بنفسي.”

 

 

 

ثم غادر غرفة الاجتماعات على الفور.

 

 

 

كان المطر لا يزال يهطل بغزارة. 

 

 

 

ارتدى باركاس المعطف الأسود الذي قدمه له تابعه، وقاد حصانه ‘تورك’ من الإسطبل.

 

 

 

كان الحصان قلقاً للغاية بسبب الرياح والمطر العنيف.

 

 

 

 هدّأ باركاس من روع ‘تورك’ وخرج من قلعة رايدغو، ليعبر الخندق المائي ويجتاز الساحة.

 

 

 

لم يستغرق الوصول إلى الكاتدرائية الكبرى سوى عشر دقائق. 

 

 

 

في العادة، كان الأمر يستغرق ضعف ذلك الوقت، لكن خلو الشوارع مكنه من قطع نصف المدينة في لمح البصر.

 

 

 

“سمو الدوق الأكبر! كيف أتيت إلى هنا في هذا الجو السيئ دون سابق إنذار……!”

 

 

 

بمجرد دخوله الفناء الداخلي للكاتدرائية، ركض كاهن عرفه من داخل الممر المسقوف. قفز باركاس من على سرج حصانه وتفحص الإسطبل المؤقت الموجود في نهاية الحديقة.

 

 

 

كان الإسطبل الضيق غاصاً بخيول حربية ضخمة؛ بدا أن عددها لا يقل عن خمسة عشر حصاناً.

 

 

 

سأل بنبرة جافة:

 

 

 

“أتيت لمقابلة رئيس الكهنة.”

 

 

 

“رئيس الكهنة في غرفة الصلاة حالياً. إذا تفضلت بالانتظار في غرفة الاستقبال لتجفيف ملابسك، سأرسل خبراً فوراً……”

 

 

 

“لا بأس. سأنتظر داخل المصلى.”

 

 

 

تخطى الكاهن وخطا بخطوات واسعة داخل المبنى الحجري الضخم. 

 

 

 

وبعد عبور المدخل المهيب ذي الأقواس، انفتح أمامه مشهد الرواق الواسع الذي تتراقص فيه الأضواء.

 

 

 

استنشق الهواء البارد والثقيل المميز للكاتدرائيات الكبرى واجتاز القاعة الخالية. ثم توقف عندما لمح ظلاً ضخماً واقفاً أمام مذبح المصلى.

 

 

 

كان رجلاً طويل القامة يرتدي رداءً رمادياً داكناً، يرفع رأسه متطلعاً إلى المنحوتات المحفورة على جدران المصلى.

 

 

 

استشعر باركاس قوة كبيرة تنبعث من ذلك الظهر الثابت، فتعمد إحداث صوت بخطواته.

 

 

 

عندها، التفت الرجل ذو البنية الضخمة ليرمق باركاس من فوق كتفه.

 

 

 

****

 

الفصول المتقدمة تنزل أول بأول بجروب التلي ~♡

رابط الجروب ↓

https://t.me/+3RDE81SnGogxY2M0

التنزيل على أزورا مستمر و بشكل يومي تقريبًا!!!

 

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.