الفصل 189
189
189
*********
لطالما اضطر باركاس للنوم وحيداً في فراشه طوال الأيام الماضية بسبب ذلك الذئب الذي كان ينصب فراء جسده بمجرد رؤيته.
لذا، بقدر ما كان سعيداً بقرارها، إلا أن القلق كان يساوره في الوقت ذاته.
‘هل سأتمكن من الصبر حتى النهاية؟’
تأمل باركاس وجه المرأة التي تتنفس بانتظام بين ذراعيه، ثم تنهد بعمق وخطا نحو الباب.
“سيدي.. استعمل معطفي هذا.”
هرعت المعالجة خلفه ومدت له رداءً كان معلقاً على الجدار. تناوله ولف به جسد تاليا بإحكام، ثم غادر الكوخ على الفور.
كان الظلام الرمادي قد خيم على الحديقة الخلفية للقلعة.
سلك طريق الغابة المحاط بأشجار البندق ببطء وسط السواد الحالك.
شعر بزخات المطر التي بدأت تخف وهي تبلل ظهره وكتفيه، لكنه لم يشعر بالبرد قط؛ إذ كان كل تركيزه منصباً على أنفاسها الدافئة التي تلامس عنقه. حرص على ألا يمسها المطر، وأزاح طرف غطاء الرأس الذي كان يغطي وجهها قليلاً.
رأى رموشها الذهبية الكثيفة وهي تلقي ظلالاً طويلة على وجنتيها المصبوغتين بلون وردي شاحب.
وبينما كان يمسح قطرة ماء استقرت فوقهما بإبهامه، ارتجفت جفونها الرقيقة وانفتحت عيناها الزرقاوان اللامعتان.
“باركاس..؟”
“أجل، إنه أنا.”
اختلط صوته المنخفض الأجش بالهواء الرطب. تنحنح ثم أضاف:
“تابعي نومكِ، سأوصلكِ إلى مخدعكِ.”
نظرت إليه بعينين تائهتين وكأن أثر الدواء لم يزل بعد، ثم أسندت وجهها إلى صدره.
أحكم باركاس قبضته على ذراعيه اللتين تطوقان ظهرها.
داهمه شعور يشبه الدوار بسبب الدفء الذي يتسرب عبر ثيابه المبللة، ورائحة جسدها الحلوة التي اختلطت برائحة العشب.
شدّ المعطف عليها جيداً، واجتز الغابة السوداء الممطرة بسرعة.
عندما وصل أخيراً إلى القلعة الرئيسية، كان جسده مبتلاً بالكامل وكأنه كان يسبح، لكن جوفه كان يغلي كالنار.
تخطى باركاس الخدم الذين ركضوا نحوه بأعين مندهشة وصعد السلالم.
“لا أحتاج لمساعدة أحد.”
قالها بنبرة تحذيرية للخدم الذين تبعوه، ثم فتح باب غرفة النوم.
كانت الغرفة مضاءة بضوء الشموع. دخل وخلع عنها المعطف الذي كان يلفها بحذر؛ ولحسن الحظ، لم تبتل ثيابها كثيراً.
ألقى الرداء المبلل على الأرض بإهمال، ثم وضعها برفق فوق ملاءات السرير المرتبة.
في تلك اللحظة، لفت ذراعاها النحيلتان عنقه.
خرجت أنفاس مضطربة من بين شفتي باركاس وهو يحاول الاعتدال، بينما داعب أذنيه صوتها المتكسر بإغراء:
“لا تبتعد.. أنا أشعر بالبرد.”
“…… ثيابي مبتلة.”
“إذن اخلعها بسرعة.”
نظرت إليه بعينين نصف مغمضتين، ورفعت أصابعها الناعمة المصبوغة بالحمرة لتمسح شعره المبلل عن جبهته.
في تلك اللحظة، خفق قلبه بقوة ضد ضلوعه.
تسمرت نظراته على شفتيها المنفرجتين كأنها دعوة، ثم أمال رأسه جانباً قليلاً محاولاً فك ذراعيها، لكن شفتيها الحارتين غطتا شفتيه.
انهار أمام ملمس شفتيها.
أمسك باركاس برأسها من الخلف على الفور وجذبها لقبلة أعمق.
التصق الحرير المبلل ببشرتها الناعمة، مبرزاً منحنيات جسدها الأنيقة دون خجل.
وبينما كان يمرر أصابعه على تلك الخطوط الدقيقة، فصلت تاليا شفتيها قليلاً وتمتمت بصوت مبحوح:
“أنا أيضاً ابتلت ثيابي بالكامل.”
كزّ على أسنانه وأمسك بمعصمها.
“لا تلمسيني بتهور.”
فجاءته نظرة مستاءة على الفور:
“لماذا؟”
قطب باركاس جبينه وهو لا يفهم ما الذي تسأل عنه.
تابعت بنبرة متذمرة تشبه تذمرها في طفولتها عندما كانت تضايقه بعنادها:
“أنت تلمس جسدي كما تشاء، فلماذا تمنعني كلما حاولتُ لمسك؟”
نظر إليها بعينين مضيقتين ووجهها الجريء أمامه.
‘أحقاً تسأل وهي لا تعرف؟’
هذه المرأة تنشر الإغراء حولها في كل مكان كأنها تستفزه، ومع ذلك تتصرف أحياناً وكأنها لا تعرف شيئاً عن الرجال. تنهد باركاس بعمق وقال:
“لأنني أجد صعوبة في الاحتمال عندما تلمسينني.”
عندما اعترف بذلك بنبرة جافة، اتسعت عيناها الحادتان بذهول.
اصطبغت وجنتاها بالحمرة.
“إذا كان الاحتمال صعباً.. فلا تحتمل إذن.”
شعر وكأن جسده سينفجر من الرغبة في الاستجابة لإغوائها، لكنه لم يستطع أن يخوض مقامرة متهورة أخرى بحياة هذه المرأة.
استجمع كل قوته في الصبر وابتعد عنها.
“…… من الأفضل أن نغير ثيابنا أولاً.”
“لماذا؟”
نهضت وجلست وهي ترمقه بنظرة استفزازية.
أمام هذا الطلب الصريح، تلاشت الابتسامة الخفيفة التي كانت تعلو شفتيه.
واجه باركاس وجهها بنظرات مليئة بالتوتر.
رغم أنهما لم يحظيا بوقت طويل بسبب مشاكل الناهبين والوثنيين وتدخل ذلك الوحش اللعين، إلا أنه كان يغتنم كل فرصة ليتبادل معها المداعبات والقبلات الحلوة.
كان يخشى أن ينتهي كل ذلك كسراب إذا كشف لها عن حقيقة عدم رغبته في الإنجاب، لذا لم يستطع النطق بسهولة.
لكنه في الوقت ذاته، لم يعد قادراً على الاستمرار في دفعها بعيداً بأعذار واهية.
مسح شعره الذي يقطر ماءً بعنف، وخرج صوته مثقلاً بالهموم:
“لا أريد أن أضع عبئاً على جسدكِ.”
“ماذا تقصد بذلك؟”
سألت بصوت جاف.
عندما رأى باركاس عينيها اللتين كانت تفيضان بالدفء وقد استحالتا إلى برود ثلجي، تصلبت ملامح وجهه بشعور بالخيبة، وقال بشيء من القلق:
“أقصد أنني أريد تجنب خطر حملكِ يا سموكِ.”
شحب وجهها في لحظة.
“هل أنت أيضاً.. تعتقد أنني لا أستطيع الإنجاب؟”
تجمدت نظرات باركاس فجأة.
“من قال لكِ هذا الكلام؟”
“ماذا يهم من قاله! أنت في النهاية تفكر بالطريقة ذاتها!”
قالت ذلك بصوت يرتجف وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالعتاب:
“أنت أيضاً تعتقد أنني لا أستطيع ترك وريث مناسب، أليس كذلك؟ ولهذا ترفضني. إذن قلها بصراحة، لماذا تجعلني آمل؟ هل تشفق عليّ؟”
نظر إليها باركاس بوجه متصلب، ثم انحنى أمام السرير، وأمسك بكتفيها اللتين ترتجفان بعنف، وابتلع شفتيها اللتين تنطقان بهذا الهراء.
بدت عليها ملامح المفاجأة للحظة وحاولت دفعه بقوة.
لكنه تجاهل ذلك وأمسك بعنقها النحيل.
سرعان ما تحولت يدها التي كانت تضرب صدره بعنف إلى يد تتشبث بثيابه المبللة كالغراء.
جذب خصرها نحوه ليلتصق جسداهما بالكامل دون أي فراغ، ثم وضع شفتيه عند أذنها المحمرة وقال بتأكيد على كل حرف:
“هل تظنين أن ما يحدث الآن سببه الشفقة؟”
ظلت صامتة وهي تنظر إليه بعينين محمرتين من الغضب.
قبّل عينيها وتابع بنبرة مهدئة:
“في عائلة شيركان، هناك شخصان آخران يمكنهما حمل الإرث غيري. ليس من الضروري أن تعرضي صحتكِ للخطر من أجل إنجاب وريث.”
“…… لكنني أريد أن أحصل على طفل مجدداً.”
تمتمت بصوت يملؤه الشوق:
“لقد تحسنت صحتي كثيراً بفضل ‘تيوران’. هذه المرة، أنا واثقة حقاً من أنني سأنجب بسلام.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.