مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 186نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 186

186

 186

 

**********

 

حدق لوكاس فيه بتمعن، ثم أردف بنبرة ساخرة:

 

“أليس كذلك؟ لم تتزوج زوجة أخي بضغط من الإمبراطور، بل لأنك أردت ذلك، ألقيت بخطيبتك السابقة بعيدًا وقبلت عرض جلالته بلهفة، أليس كذلك؟”

 

ألقى باركاس نظرة باردة من فوق كتفه، ثم تابع سيره دون أن ينبس ببنت شفة.

 

بدا أن لوكاس استشاط غضبًا من هذا التجاهل، فلحق به على الفور مقطبًا جبينه.

 

“لقد أصبتُ كبد الحقيقة، صح؟”

 

“…….”

 

“ألا تعتقد أنه من غير العدل أن تتخذ امرأة لا تفيد العائلة في شيء زوجةً لك، ثم تفرض التضحية عليَّ وعلى لينا وحدنا؟”

 

“تضحية؟”

 

توقف باركاس الذي كان يقطع ساحة التدريب بصمت، ورمقه بنظرة مرعبة.

 

تراجع لوكاس خطوة للخلف بشكل لا إرادي.

 

شعر وكأن ريحًا موحشة قد هبت من مكان ما؛ هواء بارد بما يكفي لطرد حرارة أوائل الصيف، اقترب الدوق منه ولوى طرف فمه بابتسامة ناعمة.

 

“مذهل حقًا. كم كانت حياتك هانئة لدرجة أنك تتحدث عن التضحية لمجرد زواج سياسي؟”

 

تصلب ظهر لوكاس لسماع ذلك الصوت الناعم الذي يبعث على القشعريرة. 

 

أمال باركاس وجهه ذو الملامح الدقيقة لدرجة غير بشرية نحوه، وتابع ببطء:

 

“سأسألك سؤالًا واحدًا. إذا كنت ترفض حتى الأمور التي يجب أن يتحملها النبلاء كبديهيات…… فبماذا تنوي أن تدفع ثمن الامتيازات التي تنعمت بها؟”

 

عض لوكاس على شفته السفلية دون أن يجد ردًا.

 

نظر باركاس إلى وجه أخيه المحمر بصمت، ثم تنهد بعمق وأضاف بنبرة محاولًا استمالته:

 

“لا داعي للاعتراض منذ الآن. أنوي أن أقدم لكل منكما أفضل الخيارات الممكنة……. ليس عليك أنت ولينا سوى اختيار الطرف الذي ينال رضاكما من بين قائمة طويلة من المرشحين.”

 

“…… وماذا لو لم يعجبني أحد؟”

 

“إذن اختر الشخص الأقل إزعاجًا لنظرك.”

 

عادت نبرة باركاس لتصبح قاسية مجددًا.

 

“لقد ولى وقت الدلال منذ زمن بعيد. عليكما أنتما الاثنان أن تقدما شيئًا لهذه العائلة الآن.”

 

أحكم لوكاس قبضتيه، وخرج صوته مثقلاً بالهزيمة:

 

“لقد فهمتُ جيدًا ما تعنيه.”

 

“يسرني أنك فهمت.”

 

أجاب باركاس بجفاف، وقبض على كتف أخيه بقوة لمرة واحدة قبل أن يتركه ويستأنف سيره. 

 

راقب لوكاس ظهره بنظرات كئيبة، ثم سرعان ما استدار في الاتجاه المعاكس.

 

خرج باركاس من القلعة وحضر اجتماعًا في ملتقى ‘كالمور’ لمراجعة مسودات القوانين المعدلة التي نوقشت مؤخرًا.

 

وبعد إنهاء الإجراءات الإدارية المملة، مرَّ بالمقر الرئيسي للحامية الواقع في ضواحي المدينة للتحقق من السجلات التفصيلية لتكرار ظهور الناهبين والمناطق المتضررة.

 

وعندما انتهى من كل تلك الأعمال الرسمية وعاد إلى القلعة، كان الغروب قد ابتلع العالم بأسره.

 

رفع باركاس رأسه ونظر إلى السماء المصبوغة باللون الأرجواني، ثم ألقى باللجام لسايس الخيل الذي ركض نحوه وتوجه مباشرة إلى القلعة الرئيسية.

 

“لقد عدتَ يا سيدي.”

 

بمجرد دخوله القاعة الواسعة، أحنى الخدم الذين كانوا يشعلون المصابيح رؤوسهم في آن واحد.

 

أومأ باركاس برأسه خفيفة ردًا على تحيتهم، وصعد السلالم على الفور.

 

كان ينوي التوجه مباشرة إلى غرفة النوم الملحقة بالمكتب في الطابق الثالث، لكن صوتًا حذرًا ناداه من خلفه:

 

“سـ، سيدي الدوق.”

 

التفت ليجد رئيس الخدم بملامح متوترة.

 

رفع باركاس أحد حاجبيه وسأل:

 

“ماذا هناك؟”

 

“سمو الدوقة موجودة الآن في غرفة النوم بالطابق الثاني. لقد طلبت مني إبلاغكم فور عودتكم…….”

 

قطب باركاس ما بين عينيه وغير مساره على الفور.

نزل درجة واحدة من السلم، فرأى الجنود يقفون حراسًا أمام باب غرفته.

 

أومأ لهم بالانصراف، ثم طرق الباب. وبعد فترة طويلة، جاءه صوت مكتوم قليلاً:

 

“تفضل.”

 

فتح باركاس الباب ودخل، فاستاء من رائحة الأعشاب القوية. كان الهواء عكرًا وكأن بخورًا كثيفًا قد أُحرق هناك.

 

خطا عبر الغرفة بخطوات واسعة وفتح النافذة، ثم أطفأ البخور الذي لا يزال يتصاعد منه الدخان، وألقى نظرة غير راضية نحو السرير.

 

“هل تنوين خنق نفسكِ؟ منذ متى وأنتِ على هذا الحال……”

 

توقف باركاس عن كلامه القاسي فجأة عندما وقع بصره على وجه زوجته المتعب وهي مستلقية فوق السرير.

 

كانت تحتضن بذراع واحدة عنق الذئب الذي يشغل معظم السرير الواسع، وتمتمت بصوت متحشرج:

 

“لم يكن بيدي حيلة. اليوم، كان ‘كان’ يتصرف بـ…… غرابة قليلاً……”

 

قطب جبينه واقترب من جانت السرير.

 

على عكس الأمس، لم يكن الذئب نائمًا تمامًا. 

 

رغم أنه كان يلهث بصعوبة وجسده مرتخٍ بفعل الدواء، إلا أن عينيه كانتا تراقبان سيدته بإلحاح.

 

اكتشف باركاس في تلك العينين نوعًا من الهوس الغريب، فتصلبت ملامح وجهه.

 

لاحظت زوجته نظرته تلك، فأضافت كأنها تبرر موقفها:

 

“يبدو أن أعصابه توترت لأنني تركته وحيدًا ليلة أمس. بالإضافة إلى أن منعه من الخروج فجأة…… جعل استياءه يتراكم.”

 

“هل تسبب هذا الوحش في أي حادث اليوم؟”

 

سأل بنبرة باردة، فظهرت على وجهها تعابير دفاعية.

 

“لم يرتكب ‘كان’ أي خطأ. فقط، بدا قلقًا قليلاً.”

 

‘إذا كان الأمر يتطلب حرق هذا القدر من الدواء القوي لتهدئته، فلا بد أنه أظهر عدم استقرار ملحوظ.’

 

نظر باركاس بنظرة باردة إلى الوحش الذي كان يصارع النوم رغم أنفاسه المتلاحقة.

 

لماذا توترت أعصاب هذا المخلوق الذي بدا مستقرًا في الصباح؟

 

تنهد بتعب وجلس على حافة السرير. حينها، كشر الوحش عن أنيابه محركًا أنفه، ودفع برأسه في حضن سيدته.

 

قطب باركاس عينيه أمام ذلك التحذير الصامت بعدم الاقتراب، فقالت المرأة بحذر:

 

“يبدو أنه يجب عليَّ البقاء مع ‘كان’ الليلة.”

 

أطال باركاس النظر في وجهها الذي بدا مرهقًا لا يقل عن تعب الذئب، ثم أومأ برأسه ببطء.

 

“لا تشغلي بالكِ بي، ونامي.”

 

“…… ألا يمكنك البقاء هنا أيضًا؟”

 

بينما كان يهم بالنهوض، مدت يدها وأمسكت بطرف ثيابه.

 

تردد للحظة، ثم خلع حذاءه وصعد إلى السرير.

 

جلس بجانبها وأسند جسده إلى رأس السرير، فوقعت نظرات الذئب عليه؛ كانت نظرة تشي بأن هذا الوضع لا يعجبه أبدًا.

 

تجاهل باركاس الذئب ولمس جبهتها المبللة بعرق خفيف بيده. بدا وكأنها تعاني من حمى خفيفة.

 

“سأراقب ‘كان’ بنفسي. لذا نامي وأنتِ مطمئنة.”

 

بدت مرتاحة لكلماته وأغمضت جفنيها.

 

 راقب باركاس وجه زوجته التي بدأت تتنفس بانتظام سريعًا.

 

كان موقفًا مخيبًا للآمال بالنسبة له، هو الذي كان يتوقع النوم محتضنًا جسدها الدافئ بعد قبلات عميقة.

 

لكنه في الوقت نفسه شعر بالراحة؛ فبما أنه عازم بشدة على ألا يجعلها تحمل منه مجددًا، فقد وجد إغراءها شاقًا بعض الشيء.

 

ربت برفق على شعرها الناعم كالحرير وأسند رأسه للخلف.

 

بدأ الهواء المنعش المتسلل عبر النافذة يطرد الدخان المر، وبدأت رائحة جسدها تملأ الغرفة تدريجيًا.

 

استنشق تلك الرائحة العميقة وظل يحدق طويلاً في وجهها الهادئ المصبوغ بضوء الغروب.

 

استنشق تلك الرائحة العميقة وظل يحدق طويلاً في وجهها الهادئ المصبوغ بضوء الغروب.

 

وفجأة، مرَّ صوت أخيه بمسامعه:

 

“لكنَّكَ يا أخي تزوجتَ من المرأةِ التي أردتَها.”

 

كان يعلم أن هذا الكلام حقيقي. 

 

ولكن ماذا في ذلك؟ في هذه الحياة الفارغة، كان من حقه أن يمتلك شيئًا واحدًا يريده على الأقل.

 

أنزل باركاس نظره إلى ساقيها المضمومتين لجانب واحد. 

 

كان ساقها النحيل المتشابك مع طرف تنورتها يبرز من تحت لحاف الصيف الرقيق.

 

مد يده وتلمس الأثر الأحمر الظاهر من فوق الثياب.

 

خطر بباله أنها قد تنتفض فزعًا لو استيقظت، لكنه لم يستطع رفع يده عن الندبة الطويلة الممتدة من الركبة إلى الفخذ.

 

رغم أنه يفتش في ذكريات الماضي كل ليلة تقريبًا، إلا أنه لم يسبق له أن استرجع في أحلامه اللحظة التي نشأ فيها هذا الجرح. وكذلك مشهد نزيفها فوق السرير.

 

في الواقع، تبدو الذكرى واضحة كأثر الحرق، لكنها في جوف الليل تتلاشى كالضباب. لأن هذه المرأة لا يمكن أن تصبح كابوسه أبدًا.

 

لم يعد قادراً على كبح رغبته في احتضانها، فوضع رأسه على الوسادة وأدخل ذراعًا واحدة تحت رأسها.

 

وعندما أدار جسدها الموجه نحو الذئب بلطف ليكون جهته، رفع الذئب الذي كان يضغط بذقنه على الملاءة رأسه.

 

في تلك العينين الجامدتين للوحش، تراقص ضوء غريب للحظة.

 

ظل الوحش يحدق في وجهه بتمعن كأنه يراقبه، ثم نهض بجسده الثقيل بتثاقل والتصق بظهرها. 

 

ووضع وجهه المغطى بالفراء الرمادي القصير والكثيف بجانب رأسها.

 

نظر باركاس إلى الوحش بذهول، ثم تنهد ولف ذراعه حول ظهرها.

 

دغدغت أنفاسها الدافئة صدره. ربما يغرق في نهر الدماء مجددًا الليلة.

 

تصبح الأحلام باردة ومظلمة، وكأنها تلاحظ نكثه للعهد الذي قطعه في قلبه.

 

لكن لا يهم.

 

ورغم شعوره بحرارة جسده التي تزداد اشتعالاً، لم يفك الذراع التي تطوقها.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.