مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 184نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 184

184

 184

 

**********

 

“أعتذرُ لأنني تسببتُ في إفزاعكِ.”

 

احْتضَنَ كتفيها اللتين كانتا ترتجفانِ بشكلٍ طفيفٍ، وراحَ يمسدُ ظهرَها المتصلبَ، فانفجرتْ الأنفاسُ التي كانتْ تكتُمُها، ودفنتْ وجهَها في صدرِه.

 

كانتْ نبضاتُ قلبِها التي تنتقلُ إليهِ عبرَ قميصِ نومِها الرقيقِ أسرعَ وغيرَ منتظمةٍ أكثرَ من المعتادِ.

 

“حقًا…… كنتَ ساكنًا بلا حراكٍ كأنكَ شخصٌ فارقَ الحياةَ.”

 

“لقد بدا الأمرُ هكذا من الخارجِ فقط.”

 

ربَّتَ باركاس على ظهرِها وهو يرمي بنظراتِه نحوَ النافذةِ.

 

كانتِ الشمسُ قدْ توسطتِ السماءَ بالفعلِ. 

 

ويبدو أنَّ التعبَ المتراكمَ بسببِ حياةِ الترحالِ الطويلةِ جعلَهُ يغطُّ في نومٍ عميقٍ منذُ عودتِهِ إلى قلعةِ رايدغو.

 

استنشقَ نفسًا عميقًا، محاولًا محوَ إحساسِ مياهِ الدماءِ الباردةِ واللزجةِ التي شعَرَ وكأنَّها لا تزالُ تلتفُّ حولَ جسدِهِ.

 

“تلقيتُ تدريباتٍ في الديرِ للسيطرةِ على استجاباتِ الجسدِ إلى أقصى الحدودِ. وبسببِ تلكَ العادةِ، أغرقُ أحيانًا في نومٍ عميقٍ يشبهُ حالةَ الموتِ السريريِّ.”

 

“مجردُ…… نومٍ عميقٍ فحسب؟”

 

أرسلتْ إليهِ نظرةً مفعمةً بالشكِّ.

 

أمسكَ باركاس بيدٍ واحدةٍ وجنتَها الشاحبةَ، ومسحَ بإبهامِهِ الدموعَ العالقةَ بزاويةِ عينِها، ثمَّ أجابَ بجمودٍ:

 

“أجل، لقد نمتُ بعمقٍ منذُ فترةٍ طويلةٍ.”

 

“هل أنتَ متأكدٌ أنكَ بخيرٍ؟ أليسَتْ هناكَ مشكلةٌ ما أو……”

 

“ليستْ هناكَ أيُّ مشكلةٍ.”

 

أمامَ ردِّهِ القاطعِ، ارتخى كتفاها اللذانِ كانا متصلبينِ بشدةٍ.

 

تنهدتْ بعمقٍ وتمتمتْ:

 

“ظننتُ أنَّ قلبي سيتوقفُ بسببكَ. كنتَ ساكنًا بشكلٍ غريبٍ، وعندما لمستُكَ وجدْتُ جسدَكَ باردًا كالثلجِ، ولمْ أسمعْ حتى صوتَ أنفاسِكَ……”

 

ظلَّ ينظرُ بتمعنٍ إلى وجهِ زوجتِهِ المتذمرةِ.

 

كانتْ رموشُها المبللةُ تتدلى للأسفلِ وتتألقُ بلونٍ ذهبيٍّ، وبدَتْ عيناها الزرقاوانِ تحتَها أكثرَ وضوحًا لتباينِهِما معَ احمرارِ ما حولَهما.

 

أمالَ رأسَهُ ليرى تينكَ العينينِ بدقةٍ أكبرَ.

 

منَ الطبيعيِّ أنْ تشعرَ المرأةُ بالخوفِ إذا توقفَ الرجلُ الذي ينامُ معَها في سريرٍ واحدٍ عنِ التنفسِ فجأةً.

 

ولكنْ لماذا يثيرُ هذا الفعلُ البديهيُّ دغدغةً في باطنِهِ؟

قبَّلَ طرفَ أنفِها المحمرِّ قليلًا وسألَها هامسًا:

 

“هلْ كنتِ قلقةً منْ ألَّا أستيقظَ؟”

 

“…… لماذا تسألُ عما هوَ بديهيٌّ وتتعبُ لسانَكَ.”

 

تمتمتْ تاليا بصوتٍ غاضبٍ وهيَ تخفضُ عينيها بارتباكٍ.

 

لوْ كانَتْ كالسابقِ لكانَتْ قدِ انتفضتْ وأنكرتْ الأمرَ، لكنَّ اعترافَها الصادقَ جعلَ شيئًا في صدرِهِ ينقبضُ بألمٍ.

 

وفي الوقتِ نفسِهِ، ثارَ في نفسِهِ بعضُ الشكِّ؛ ما الذي تغيرَ في مشاعرِها خلالَ نصفِ عامٍ لتتبدلَ طريقتُها هكذا؟

 

هلْ مرتْ بظروفٍ قاسيةٍ لدرجةِ أنَّها قررتِ الاعتمادَ عليهِ مجددًا؟

 

بينما كانَ يرسلُ إليها نظراتٍ مليئةً بالارتيابِ، اقتربتِ المرأةُ التي كانتْ تقلبُ عينيها بتوترٍ فجأةً والتصقتْ بجسدِهِ منَ الأعلى.

 

تصلبَ جسدُ باركاس فجأةً.

 

لفَّتْ ذراعيها حولَ خصرِهِ ورفعتْ رأسَها بتحدٍ.

 

“…… إذا كنتَ ستُقبِّلني، فافعلْ ذلكَ بسرعةٍ.”

 

شعَرَ بتطايرِ قدراتِهِ على التفكيرِ في لحظةٍ، وأنزلَ نظرهُ نحوَ شفتيها.

 

وبمجردِ أنْ وقعَ بصرُهُ على الغشاءِ المخاطيِّ الأحمرِ الذي يشبهُ بتلاتِ زهورٍ مسحوقةٍ، تراجعتِ القشعريرةُ الباردةُ التي كانتْ تدورُ في جسدِهِ، واجتاحتْهُ حرارةٌ لاهبةٌ جعلتِ العرقَ ينضحُ من بشرتِهِ.

 

أمسكَ ذقنَها بحذرٍ وأمالَ رأسَهُ، وسرعانَ ما اختلطتْ أنفاسُهما الساخنةُ بعذوبةٍ.

 

طبقَ شفتيهِ بخفةٍ .

 

صعدتْ هيَ فوقَ ركبتيهِ بشكلٍ طبيعيٍّ وأمسكتْ بظهرِهِ بقوةٍ.

 

احْتضنَ باركاس خصرَها وجذبَها نحوَهُ لتلتصقَ بِهِ أكثرَ.

 

كمْ مَرَّ عليهما وهما على هذا الحالِ؟

 

 فصَلَ شفتيهِ قسرًا وتراجعَ بجسدِهِ بحذرٍ. 

 

وبينما كانَ يهمُّ بالخروجِ منَ السريرِ، أمسكتْ هيَ بذراعِهِ.

 

“لماذا…… لا تُكملُ حتى النهايةِ؟”

 

أمامَ وجهِها الذي ينظرُ إليهِ بعدمِ رضا، تدفقتِ الحرارةُ إلى رأسِهِ حتى شعَرَ بوخزٍ في صدغِهِ.

 

تمسكَ بآخرِ خيوطِ عقلِهِ.

 

“…… لقدْ توسطتِ الشمسُ السماءَ بالفعلِ. هناكَ جبلٌ منَ الأعمالِ المتراكمةِ، لذا يجبُ أنْ أنهضَ.”

 

أزاحَ خصلاتِ الشعرِ العالقةِ بوجهِها خلفَ أذنِها وقبَّلَ جبهتَها البيضاءَ بخفةٍ، فسألتْهُ المرأةُ التي كانتْ تنظرُ إليهِ بعينينِ غارقتينِ في التفكيرِ وبصوتٍ منخفضٍ قليلاً:

 

“متى ستنتهي أعمالُكَ الرسميةُ اليومَ؟”

 

“…… سأتمكنُ من إنهائها عندَ غروبِ الشمسِ تقريبًا.”

 

“إذنْ تَعالَ إلى هذهِ الغرفةِ في المساءِ. سأكونُ بانتظاركَ……”

 

همستْ تاليا بذلكَ بإغراءٍ وهيَ تمسدُ العروقَ البارزةَ على ظهرِ يدِهِ.

 

تحركتْ تفاحةُ آدمَ في حلقِهِ بقوةٍ وكأنَّهُ يبتلعُ الحرارةَ المتصاعدةَ.

 

نضحَ العرقُ من ظهرِهِ وهوَ يكبحُ الرغبةَ في إلقائها فوقَ السريرِ فورًا. 

 

وتظاهرَ بالهدوءِ ليُخفيَ ذلكَ، ووضعَ يدَهُ فوقَ ظهرِ يدِها.

 

“…… حسنًا.”

 

ثمَّ جذبَ يدَها وقبَّلَها ونهضَ من مكانِهِ.

 

كانَ يودُّ أنْ يحملَها بينَ ذراعيهِ ويأخذَها إلى غرفةِ النومِ في الطابقِ الثاني، لكنَّهُ شعَرَ أنَّهُ لنْ يتمكنَ منَ الصبرِ أبدًا إذا لمَسَ ذلكَ الجسدَ الدافئَ والناعمَ.

 

هزَّ الجرسَ لاستدعاءِ الخادمةِ التي ستساعدُها في هندامِها، ثمَّ التقطَ معطفَهُ وارتداهُ على جسدِهِ العاري وخرجَ منَ الغرفةِ. لكنَّهُ توقفَ عندما وجدَ ذلكَ الوحشَ الضخمَ واقفًا بجانبِ البابِ.

 

كانَ الذئبُ يجلسُ بجانبِ غرفةِ نومِهِ كالحارسِ، ويراقبُهُ بهدوءٍ بعينيهِ الزرقاوينِ اللتينِ يميلانِ للرماديِّ.

 

وعلى عكسِ قلقِهِ منْ أنْ يغضبَ الوحشُ لأنَّهُ سرقَ سيدتَهُ سِرًا، ظلَّ الذئبُ هادئًا. 

 

وبدَتْ نظرتُهُ إليهِ وكأنَّها تشعرُ بالشفقةِ على حالِهِ.

 

نظرَ باركاس بنظرةٍ مريبةٍ إلى تلك العينينِ الزرقاوينِ المليئتينِ بالمشاعرِ كالبشرِ، ثمَّ غادرَ الممرَّ.

 

أنهى استعداداتِهِ في لمحِ البصرِ وتوجهَ إلى قاعةِ الاجتماعاتِ لإنهاءِ الأعمالِ التي فاتَتْهُ في الصباحِ.

 

بمجردِ دخولِهِ القلعةَ الخارجيةَ التي بُنيتْ لأغراضٍ عسكريةٍ، وقفَ الفرسانُ المحيطونَ بالطاولةِ المستطيلةِ الطويلةِ في آنٍ واحدٍ وأدَّوْا لهُ التحيةَ.

 

أومأَ برأسِهِ بخفةٍ رداً عليهم، وجلسَ في مقعدِ الصدارةِ والتقطَ التقاريرَ المكدسةَ في جهةٍ واحدةٍ.

 

كانَ معظمُها يتعلقُ بالصراعاتِ بينَ الأقاليمِ أو أضرارِ النهبِ التي تسببَ بها شعبُ ‘زرام’. 

 

فبينما كانتِ الأنظارُ موجهةً نحوَ الحربِ في الشمالِ، كانَ “الهمجُ” يزيدونَ من قوتِهم بجدٍ.

 

وعلى الرغمِ من أنَّ المحاربينَ الفرسانَ في الشرقِ تتبعوا آثارَ الأعداءِ باستمرارٍ، إلا أنَّهم لمْ يتمكنوا بعدُ من تحديدِ موقعِ مقرِّهم الرئيسيِّ.

 

أنزلَ باركاس التقاريرَ معَ تنهيدةٍ ثقيلةٍ، ووجَّهَ سؤالاً نحوَ لوكاس الجالسِ بجانبِهِ:

 

“يشكُّ رئيسُ الكهنةِ في أنَّ بعضَ سكانِ إقليمِ الدوقِ الأكبرِ يتعاونونَ معَ شعبِ ‘زرام’. ما رأيُكَ في هذا؟”

 

“أودُّ أنْ أرفضَ ذلكَ باعتبارِهِ هراءً، لكن…… بالنظرِ إلى التحركاتِ الأخيرةِ للناهبينَ، فمنَ الصعبِ تجاهُلُ الشكوكِ في وجودِ متعاونينَ داخليينَ.”

 

مسحَ لوكاس شعرَهُ البنيَّ الداكنَ الكثيفَ بعنفٍ وتابعَ:

 

“كانتْ مجموعاتُ الناهبينَ تدركُ أوقاتَ تبديلِ الحراسِ بدقةٍ كبيرةٍ. لقدِ اندفعوا نحوَ القرى أو المدنِ المسوَّرةِ وقتلوا الحراسَ، ثمَّ نهبوا مخازنَ الأسلحةِ أو الغذاءِ واختفَوْا وكأنَّ الأرضَ انشقتْ وابتلعتْهم. وهذا أمرٌ مستحيلٌ ما لمْ يكنْ هناكَ شخصٌ داخلَ الإقليمِ يساعدُهم في الاختباءِ.”

 

“هلْ أجريتُم عملياتِ تفتيشٍ؟”

 

“أجرينا عملياتِ تفتيشٍ عدةَ مراتٍ، لكن…… لمْ نعثرْ على أيِّ أدلةٍ أو نتائجَ ملموسةٍ.”

 

نقرَ باركاس بأطرافِ أصابعِهِ على الطاولةِ وتصفحَ تقريرَ الأضرارِ التي تسببَ بها شعبُ ‘زرام’، ثمَّ نطقَ بلسانِهِ ساخراً:

 

“حققوا معَ كلِّ الأشخاصِ المريبينَ. إخفاءُ عشراتِ الهمجِ يتطلبُ شخصاً يتمتعُ بثروةٍ كبيرةٍ. اطلبْ منَ المحققينَ تتبعَ أثرِ المواطنينَ المتنفذينَ الذينَ عاشوا في الشرقِ لأجيالٍ.”

 

نقلَ باركاس تعليماتِهِ بصوتِهِ الرتيبِ المعتادِ، ثمَّ التفتَ نحوَ بيروف المنتظرِ في الجهةِ اليمنى:

 

“هلْ عادَ الأشخاصُ الذينَ أُرسلوا إلى خارجِ الأسوارِ؟”

 

“كلا، يبدو أنَّهم لا يزالونَ في مرحلةِ التحقيقِ.”

 

أومأَ باركاس برأسِهِ وانتقلَ إلى الموضوعِ التالي.

 

 كانَ نقاشًا حولَ تجنيدِ متدربينَ إضافيينَ لسدِّ النقصِ في القواتِ. تصفحَ باركاس مقترحَ الميزانيةِ الإضافيةِ بسرعةٍ ثمَّ ختمَ عليهِ بختمِهِ.

 

وبمجردِ الانتهاءِ من مراجعةِ القضايا الرئيسيةِ، نقلَ باركاس بإيجازٍ المعلوماتِ التي جلبَها رئيسُ اتحادِ ‘التحالفِ الفضيِّ’ في الليلةِ الماضيةِ.

 

لمْ يأخذِ الفرسانُ تحذيرَ الرجلِ الشماليِّ على محملِ الجدِّ؛ فمنَ الطبيعيِّ أنَّ احتماليةَ انقلابةِ موازينِ الحربِ في هذا الوقتِ كانتْ ضئيلةً للغايةِ.

 

ومعَ ذلكَ، فإنَّ البلاغَ الذي يفيدُ باحتمالِ هروبِ زعيمِ التمردِ منْ ‘أماسيك’ لمْ يكنْ أمراً يمكنُ التغاضي عنهُ أبداً.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.