مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 183نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 183

183

 183

 

في هذه الأثناء، كانت هي تغرق مجددًا في لُجّة النوم.

 

 

شعر باركاس بالوقت يداهمه، فوضعها فوق السرير وبرفق أزاح خصلات شعرها المبعثرة عن جبهتها، فارتجفت جفناها الرقيقان لتكشف عن عينين غائمتين غير مركزتين.

 

“…… هل أتيتَ بي إلى غرفتك؟”

 

تمتمت المرأة بملامح حائرة وهي تتفحص الغرفة التي تترقرق فيها أضواء خافتة، ثم استقامت بجسدها ببطء.

 

لكنه أعاد ضغطها فوق الملاءات الباردة، وانسياقًا خلف الرغبة التي كبحها منذ أن وجدها عند النبع، دفع بشفتيه فوق شفتيها.

 

انكمش عنقها لبرهة مأخوذة بحدة ذلك الاقتحام اليائس، لكنها سرعان ما احتضنت ظهره. 

 

 أحاط بيد واحدة عنقها النحيل الذي بدا وكأنه قد ينكسر، وراح يمسد بإبهامه عرقاً ينبض بشدة.

 

تلك الرعشات غير المنتظمة التي انتقلت عبر كفه زادت من اشتعال جسده.

 

“باركاس……. أكاد أختنق.”

 

ضربت تاليا كتفه بقبضتها بعد أن وصلت لحدها.

 

رفع باركاس رأسه بصعوبة، ونظر إلى شفتيها المنتفختين بتبجح، ثم نقل نظره إلى عينيها اللتين تتراقص فيهما الأضواء؛ فكانت عيناها الزرقاوان اللتان تشعان حتى في الظلام تتلألآن بالدموع.

 

في تلك اللحظة، شعر وكأن نصلًا باردًا قد اخترق صدره.

 

 في السابق، كان يظن أن رد الفعل هذا نابع من العداء، لكنه الآن بات يدرك نوعاً ما ماهية تلك المشاعر الجارفة التي تثيرها هذه المرأة.

 

وضع شفتيه على وجنتيها المصبوغتين باللون الأحمر.

 

راح يداعب خدها الناعم، وعندما عض شحمة أذنها الصغيرة بخفة، ارتجف كتفاها النحيلان فجأة.

 

“هذا…… لا تفعله. أشعر بشعور غريب.”

 

“كيف هو غريب؟”

 

بينما كان يمسد ظهرها الضيق محاولاً تهدئتها ويقبل جفنيها الرقيقين مرارًا، سحبته المرأة التي بدت مرتبكة من عنقه بقوة، ثم رفعت رأسها وعضت شحمة أذنه. 

 

في تلك اللحظة، اخترقت قشعريرة كالبرق مؤخرة رأسه.

كزَّ على أسنانه وأطرق رأسه كي لا يخرج منه أنين لا يليق به.

 

راحت هي تقضم أذنه بعبث وكأنها تمزح معه، ثم نفخت أنفاسها الساخنة في طبلة أذنه.

 

“تشعر بشعور غريب جداً، أليس كذلك؟”

 

ثم أطلقت ضحكة مكتومة وصغيرة.

 

تنفس باركاس بعمق محاولاً تهدئة توتر جسده المشدود، ثم رفع رأسه ونظر إليها بحدة، قبل أن يجذب رأسها ويختطف شفتيها اللتين كانتا تبتسمان بلؤم. 

 

أطلقت المرأة أنيناً يشبه الشكوى وراحت تعبث بشعره بعشوائية.

 

راح يقبل ذقنها الرقيق ويتلمس فقرات ظهرها واحدة تلو الأخرى من فوق قميص نومها الخفيف.

 

ارتجف جسد تاليا بقوة، وسحبت رأسه نحو صدرها.

 

“تاليا.”

 

استنشق بعمق العطر الحلو الذي يفوح من بشرتها، ولف ذراعيه حول خصرها النحيل.

 

“قبلني أكثر.”

 

تردد للحظة، لكنه في النهاية انصاع للأمر.

 

 

كم من الوقت مر وهم على هذا الحال؟ 

 

أنفاس باركاس كانت متقطعة وهو ينظر إليها، بينما كانت عيناها اللتان فقدتا التركيز تسبحان في الفراغ.

 

انزلق بنظره من ذلك الوجه الغائب عن الوعي إلى عنقها المحمر .

 

نفض ذلك الإحساس المؤلم بصعوبة، وبيد مرتجفة أزاح خصلات الشعر العالقة بعنقها.

 

أرسلت تاليا، التي كانت تحاول تنظيم أنفاسها الهائجة، نظرة تساؤل.

 

“لماذا……؟”

 

كان سؤالاً يسأل عن سبب عدم استكماله للأمر حتى النهاية.

 

تجنب الإجابة وسحب اللحاف فوق جسدها.

 

“تبدين غارقة في النعاس. نامي الآن.”

 

“…… هذا بسبب مفعول العشب. سأصبح بخير بعد قليل.”

 

ثم احتضنت ظهره وراحت تتلمس عضلاته البارزة بأطراف أصابعها.

 

أبعد تلك اليد برفق وقربها من فمه، وقبل مفاصل أصابعها التي اصطبغت باللون الوردي واحداً تلو الآخر، فأنزلت المرأة التي بدت ملامحها غير راضية عينيها بخجل. أمطر وجنتيها المحمرتين بالقبلات أيضاً، واحتضن جسدها المرتخي والناعم نحو صدره.

 

وضع ذراعاً واحدة تحت رأسها وراح يمسد شعرها المبعثر برفق، ولم يمضِ وقت طويل حتى سُمع صوت أنفاسها المنتظمة.

 

ظل باركاس ينظر لفترة طويلة إلى وجهها الهادئ الذي يعكس ضوء الشموع. 

 

كان لا يزال يشعر وكأن شيئاً في داخله قد تمزق بوحشية، لكن وبشكل غريب، كان صدره ممتلئاً؛ كأنما شرب خمرًا قويًا حتى الثمالة.

 

جذبها إليه أكثر، فانزلق فخذها الناعم المغطى بطرف فستانها الرقيق بين ساقيه. 

 

شعر وكأن النار تشتعل في كل نقطة تلامس معها، لكنه لم يرغب في الابتعاد.

 

دفن أنفه في شعرها واستنشق رائحتها الحلوة بملء رئتيه.

 

ربما يكون هذا هو الشعور الذي يراود المرء لو غطس في مستنقع مليء بعصير ‘البيلادونا’. [ست الحسن]

 

وبذراعين يحيطان بها دون فراغ، غرق ببطء في لُجّة النوم.

 

*    *      * 

 

كان يسير في أرض قاحلة.

 

ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهر أمامه مذبح بُني من جماجم البشر.

 

رفع رأسه فرأى جثثاً لا حصر لها مقطوعة الرؤوس تتدلى من الأعلى. 

 

وكانت الدماء التي انهمرت من الأعناق المبتورة تبلل الأرض وتجري كالنهر.

 

“هذا هو الإثم الذي يجري في دمك.”

 

التفت نحو اليد التي قبضت على كتفه، فوقع بصره على وجه والده المتصلب والشاحب كالشمع.

 

كرر الرجل والشرر الأحمر يشع من محاجر عينيه الفارغة:

 

“يجب على شعبنا أن يكفر عن ذنوبه. يجب أن ندفع ثمن المذابح التي ارتكبها أجدادنا بالولاء للإمبراطورية.”

 

نفض تلك اليد بعنف.

 

فتحوّلت يد الرجل إلى سلاسل حديدية وراحت تلتف حول جسده. 

 

حاول قطعها، لكن السلاسل الثقيلة والباردة كالثلج راحت تضيق على جسده أكثر فأكثر.

 

“لماذا تقاوم؟”

 

حينها تردد صدى صوت ناعم.

 

رفع رأسه ورأى برناديت تبتسم برقة، فاتسعت عيناه.

 

اليد التي انتشلته من القبر راحت تلامس وجنته المتجمدة.

 

“ألم تكن الحياة بالنسبة لك شيئاً بلا فائدة؟ إذا كانت حياة تعيشها لمجرد أنك حي…… فلا بأس أن تكرسها للوفاء بوعدك لي.”

 

همست المرأة بذلك واحتضنت عنقه برقة. 

 

وسرعان ما بدأ ذلك الذراع الأبيض يتصلب هو الآخر ليتحول إلى سلسلة باردة كالثلج تضغط بثقل على كتفه.

 

استسلم في النهاية وتوقف عن المقاومة.

 

وبعد قليل، داهمه نهر الدماء.

 

 اندفع سائل لزج وذو رائحة زفرة نحو رئتيه وقصباته الهوائية بلا نهاية، فغرق في أعماق نهر الدماء الأسود.

 

في تلك اللحظة، هزه شخص ما بقوة من كتفه.

 

فتح باركاس عينيه فجأة، وقطب جبينه أمام الضوء المنهمر داخل شبكية عينه.

 

وبعد قليل، عندما وضحت الرؤية، وقع نظره على وجه شاحب.

 

ظل مذهولاً للحظة لا يدرك الموقف، حتى لاحظ أن عينيها مبللتان، فاستقام بجسده فجأة.

 

“ما الخطب؟ هل تشعرين بأنكِ لستِ بخير……؟”

 

“لم تكن تتنفس.”

 

تمتمت بصوت يملؤه الرعب.

 

 تجمد لبرهة، ثم أطلق تنهيدة خافتة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.