مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 182نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 182

182

 182

 

*********

 

ظلت الحرارة تدور في جسده، لكن عقله استعاد وظيفته بصعوبة.

 

استنشق باركاس نفساً عميقاً، ثم أشار برأسه نحو المتجمعين:

 

“انصرفوا جميعاً، ليس هناك خطب ما.”

 

لو كان الأمر بيده، لأمر بسحب ذلك الوحش من الغرفة فوراً، لكن بما أنه وعدها، لم يكن أمامه سوى الصبر.

 

ابتلع تنهيدته وهمّ بالالتفاف، لكن في تلك اللحظة، خرج رئيس الخدم من بين الناس المتفرقين بخطوات مترددة.

 

“سيدي الدوق…… لديّ بلاغ أود رفعه……”

 

رمقه باركاس بنظرة عصبية، فارتعد الرجل الأربعيني وأطبق فمه. جمع باركاس ما تبقى من صبره وسأل:

 

“ما الأمر؟”

 

“ر-رئيس اتحاد ‘التحالف الفضي’ ينتظر منذ عدة ساعات. يقول إن لديه أمراً عاجلاً يجب إبلاغكم به……”

 

رأى رئيس الخدم تجعد ما بين حاجبي الدوق، فخفت صوته بذعر.

 

 تنهد باركاس بعمق:

 

“أخبره أنني قادم فوراً.”

 

بمجرد أن غادر رئيس الخدم مسرعاً، عاد باركاس إلى غرفة النوم.

 

كانت هي قد جلست على حافة السرير تداعب الذئب الذي كان يلح عليها بشدة محاولة تهدئته. 

 

ظل باركاس يراقب المشهد لفترة، ثم قال بصوت عميق ومنخفض:

 

“لديّ عمل طارئ، يجب أن أذهب. ارتاحي أنتِ.”

 

“سأكون بانتظارك، لذا……”

 

في اللحظة التي التفت فيها ليخرج، سمع صوتها المتحشرج.

 

توقف والتفت خلفه، فرآها وقد صبغ الاحمرار عنقها.

 

 قالت المرأة وهي تعبث بأذن الذئب المدببة بصعوبة:

 

“عد إلى هنا مجدداً.”

 

ثم غمرت إحدى وجنتيها في رقبة الذئب وراحت تحدق به بتمعن.

 

نظر باركاس إلى تلك العينين الجوهرتين وكأنه سُمِّر مكانه، ثم أومأ برأسه ببطء.

 

انتشرت ابتسامة رقيقة على شفتيها. 

 

وفي تلك اللحظة، تحرك شعور غريب في صدره.

 

بعد فترة طويلة، تمكن من معرفة اسم ذلك الشعور.

لقد كان ‘الأمل’.

 

*    *      * 

 

“أعتذر لمجيئي دون موعد مسبق. لديّ أخبار عاجلة كان يجب أن أبلغكم بها فوراً……”

 

بمجرد دخوله غرفة الاستقبال، نطق الرجل الذي كان يذرع الغرفة قلقاً بجانب النافذة بأنفاس متلاحقة.

 

جلس باركاس على الكرسي متجاهلاً التحيات الرسمية، وأشار برأسه نحو المقعد المقابل سائلاً:

 

“ما الذي اكتشفته؟”

 

“بناءً على أمركم، بقيتُ في المنطقة الشمالية الشرقية أراقب بقايا التابعين لعائلة الدوق هيمدال. وخلال ذلك، حصلتُ على بعض المعلومات المهمة……”

 

أخرج الرجل الشمالي الذي جلس بحذر في المقعد المقابل دفتراً مجعداً من صدره وقدمه له. 

 

وبينما كان باركاس يتفحصه بتمهل، تعمقت التجاعيد بين حاجبيه.

 

كانت الورقة التي مال لونها للاصفرار تحتوي على سجلات صفقات ضخمة من مختلف الحبوب، وخامات الحديد، وحتى الخيول العسكرية.

 

 وعندما تحقق من الختم المطبوع بوضوح بجانبها، أفلتت منه ضحكة ساخرة؛ فقد كان ختم إحدى عائلات النبلاء في الشرق التي يعرفها جيداً.

 

“يبدو أن بعض النبلاء في المناطق الحدودية مع ‘بالتو’ كانوا يتواطأون مع الشمال. شعرتُ أنه يجب أن يكون لديكم علم بالأمر، لذا أسرعتُ بالمجيء.”

 

“…… أشكرك على اهتمامك.”

 

وجه باركاس شكراً جافاً ورسمياً، ثم طوى الدفتر وأمسكه بقوة بيده ونهض.

 

“سأخصص لك غرفة لترتاح فيها. ابقَ هنا قدر ما تشاء.”

 

“هناك أمر آخر أود قوله.”

 

صرخ الرجل بعجالة بينما كان باركاس يهم بالمغادرة:

 

“مؤخراً، اختفى أثر ‘بيورن بلودار هيمدال’.”

 

ضيق باركاس ما بين حاجبيه.

 

كان بيورن هو الشخصية المحورية التي قادت التمرد، وكان من المعروف أنه يخضع للحصار مع والده في ‘أماسيك’. 

 

واختفاء أثر رجل كهذا يعني أن المتمردين قد تمكنوا من اختراق الحصار والهرب.

 

نظر باركاس إليه بنظرة مريبة:

 

“أماسيك محاصرة بالكامل. أليس من الممكن أن يكون الرجل قد اعتزل في الداخل فقط؟”

 

“ذلك الرجل ليس من النوع الذي يبقى قابعاً في قلعة بهدوء. عدم ظهوره طوال هذه الفترة الطويلة أمر غير طبيعي حقاً.”

 

أخرج الرجل منديله ومسح العرق البارد عن جبهته وتابع بصوت مرتجف:

 

“ربما هرب من أماسيك منذ زمن طويل. لا، بل أنا متأكد من ذلك. لا بد أنه الآن يجمع القوى المشتتة للتخطيط لهجوم مضاد.”

 

“قلقك مبالغ فيه. ماذا يمكن لذلك الرجل أن يفعل الآن؟”

 

سخر باركاس وتابع:

 

“لقد مالت الكفة بالفعل. الكثير من نبلاء التحالف الشمالي غيروا ولاءهم، كما تمت الإطاحة بمعظم المتطرفين. حتى لو هرب، فلن يشكل تهديداً كبيراً في هذا الوقت.”

 

“أنت تقول ذلك لأنك لا تعرفه حقاً.”

 

رفع الرجل صوته بضيق:

 

“بيورن ليس الشخص الذي يقبل بالهزيمة هكذا. لا بد أنه يحضر لرد فعل مرعب في مكان ما. يجب عليكم تعقب أثره فوراً.”

 

تسببت نبرة اليقين في صوت الرجل في تضييق ما بين حاجبي باركاس.

 

كل ما كان يعرفه عن بيورن هو أنه يمتلك مهارة فطرية في المبارزة، وأنه حظي بتأييد هائل من نبلاء الشمال، ويمتلك قدرات تكتيكية بارعة.

 

 أما عن شخصيته الخاصة، فلا يعرف عنها شيئاً تقريباً.ولكن بما أنه قاد حرباً متهورة كهذه، فمن السهل استنتاج أنه ليس شخصاً يمتلك تفكيراً طبيعياً.

 

في النهاية، أومأ برأسه:

 

“حسنًا. سأتخذ الإجراءات اللازمة فوراً.”

 

عندها فقط، أرخى الرجل كتفيه وكأنه شعر بارتياح حقيقي.

 

غادر باركاس غرفة الاستقبال فوراً وتوجه نحو المكتب.

 

كان يحتاج أولاً للتأكد من صحة المعلومات التي جلبها ‘لويل درافين’.

 

 لم يكن ساذجاً لدرجة أن يصدق تماماً كلمات رجل لعب دور العميل المزدوج.

 

جلس أمام المكتب وأخرج ورقاً وبدأ في كتابة أمر للتحقيق مع اللوردات في المناطق المتاخمة لـ ‘بالتو’.

 

 كانت رسالة موجهة إلى ‘دارين’.

 

إذا أرسل عدداً قليلاً من الجنود بحجة شراء إمدادات عسكرية، فسيتمكن من مراقبة اللوردات في تلك المنطقة دون إثارة الكثير من الشكوك.

 

أضاف باركاس بعض التعليمات المحددة، ثم ختم الرسالة بالشمع وسلمها للمراسل.

 

في هذه الأثناء، كانت الشمس قد غربت تماماً.

 

رتب باركاس مكتبه بيدين قلقلتين وغادر المكتب فوراً.

 

 نزل الدرج بخطوات سريعة، فرأى الحراس الواقفين أمام باب غرفة النوم.

 

صرفهم بهدوء، ثم طرق الباب بحذر.

 

 لكن لم يأتِ أي رد.

 

بعد تردد، سحب مقبض الباب.

 

بمجرد دخوله الغرفة الهادئة حيث تتراقص الأضواء، اخترقت رائحة ثقيلة أنفه.

 

وسرعان ما عرف السبب؛ كان هناك دخان خفيف يتصاعد من مبخرة صغيرة موضوعة بجانب النافذة.

 

‘هل أحرقت عشب النوم؟’

 

خشي أن يكون ألم ساقها قد اشتد، فاقترب من السرير ورفع الستار.

 

 أول ما وقع عليه بصره كان ذلك الوحش الرمادي الذي احتل معظم الملاءة الواسعة.

 

تفحص الذئب الذي كان غارقاً في نوم عميق، ثم حول نظره نحو زوجته المستلقية بجانبه وكأنها مغمورة فيه.

 

 بدت هي الأخرى غارقة في النوم.

 

تنهد باركاس بيأس وجلس بضعف على حافة السرير. 

 

في تلك اللحظة، سمع أنيناً خافتاً.

 

“…… هل أتيت الآن؟”

 

تمتمت المرأة بصوت غارق في النوم ومدت ذراعيها نحوه:

 

“أخرجني من هنا بسرعة. لقد نجحتُ في تنويمه لتوّي.”

 

نظر باركاس بصمت إلى المرأة التي كانت تهمس دون أن تفتح عينيها جيداً، ثم انحنى ببطء.

 

دفع ذراعيه أسفل خصرها ورفع جسدها الدافئ بخفة، فتحركت أرجل الذئب الذي كان ساكناً كالجثة.

 

توقف عن الحركة فوراً.

 

 أصدر الذئب صوتاً كأنه يتذمر في نومه ثم هدأ.

 

تنهد باركاس بارتياح للحظة، ثم أفلتت منه ضحكة ساخرة وهو يتساءل عما يفعله بحق الخالق.

 

لكن لحظة السخرية من الذات لم تدم طويلاً؛ فقد همست هي بجانب أذنه بصوت خافت:

 

“لنخرج بسرعة قبل أن يزول مفعول العشب.”

 

استقام باركاس واقفاً على الفور.

 

 أمسك بالرداء المعلق على الحائط ولفَّ به المرأة التي كانت بملابس نوم رقيقة بإحكام، ثم خرج من الغرفة بهدوء، لتظهر أمامه الممرات والسلالم الواسعة التي تتلألأ فيها الأضواء.

 

فكر باركاس للحظة ثم صعد الدرج. 

 

كان بإمكانه الذهاب للغرفة التي كانت تستخدمها سابقاً، لكن كان من المرجح أن تتعرض لمضايقات غير ضرورية من الخادمات.

 

دخل إلى غرفة النوم الملحقة بمكتبه الخاص.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.