مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 177نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 177

177

 177

 

**********

 

تسلل ضوء حاد بين جفنيه.

 

رفع باركاس نظره بعينين شبه مغلقتين نحو النافذة الزجاجية المتلألئة، ثم استقام في جلسته ببطء.

 

للحظة، لم يدرك بوضوح المكان الذي يتواجد فيه، وبعد ثوانٍ قليلة فقط تذكر حقيقة عودته إلى قلعة رايدغو.

 

أطلق زفيراً طويلاً وهو ينزل قدميه من السرير. 

 

بفضل النوم العميق الذي استمر حتى تعامد الشمس في كبد السماء، شعر بخفة في جسده الذي كان ثقيلاً ككتلة رصاص، لكن رأسه ظل يشعر بالضيق وكأن ضباباً كثيفاً يكسوه.

 

نهض من مكانه وهو يمشط شعره المبعثر بأصابعه بشكل عشوائي.

 

يبدو أنه تقلب كثيراً أثناء نومه، فقد كانت الملابس الرسمية التي ارتداها بالأمس مجعدة بشكل مزرٍ. فتح باركاس أزرار قميصه المجعد بيد واحدة، وهز الجرس الموضوع بجانب السرير لاستدعاء الخدم.

 

“جهزوا ماء الغسل وملابس بديلة.”

 

هرع خادم شاب إلى الغرفة، وعلى الفور جهز ثياباً شرقية معدلة على الطراز الإمبراطوري وماء الاستحمام.

 

خلع باركاس ثيابه المجعدة بشدة وانغمس في الماء المنقوع بأوراق النعناع.

 

بما أنه أضاع معظم وقت الصباح، كان عليه الإسراع في التحضير، لكنه لم يشعر برغبة في الخروج من الحوض بسهولة.

 

بعد أن غسل جسده بهوس من رأسه حتى أخمص قدميه، ظل يماطل في الوقت حتى شعر بحركة أقدام مضطربة خارج الباب، عندها فقط خرج من الماء.

 

“صباح الخير، يا صاحب السعادة الدوق الأكبر.”

 

عندما خرج إلى الممر وهو يرتدي ملابسه الرسمية بدقة، أحنى باريدون، ابن شقيق دارين، رأسه بوجه مشدود يعكس الانضباط.

 

“هل كنت بخير الليلة الماضية؟ يؤسفني أن أقول هذا بينما لا تزال تعاني من إرهاق العمل منذ عودتك فوراً، ولكن……”

 

“ادخل في صلب الموضوع.”

 

قطع باركاس كلامه الذي كاد يطول بحدة وهو يسير في الممر، فتبعه الشاب بذهول وتحدث بنبرة مرتبكة:

 

“أعتذر بشدة. من المقرر إقامة مراسم القداس في الكاتدرائية العظمى في تمام الساعة السادسة (الثانية عشرة ظهراً). ومن أجل رفع شأن رئيس الكهنة، سيكون من الأفضل إقامة هذا الثناء الدوري في الكاتدرائية العظمى بدلاً من مصلى القلعة……”

 

نظر باركاس للحظات عبر النافذة نحو برج المعبد الشاهق في أراضي قلعة رايدغو، ثم أومأ برأسه.

 

“حسناً. جهز العربة. سننطلق فوراً.”

 

“ماذا عن الطعام……”

 

“لا حاجة له. الوقت ضيق للوصول في الموعد المحدد، لذا فلنسرع.”

 

“أمرك. سأستدعي السائق فوراً.”

 

سبقه الرجل وركض نازلاً الدرج بسرعة.

 

سيستغرق تجهيز العربة عشر دقائق على الأقل. 

 

فكر في إنهاء بعض الأعمال الرسمية خلال ذلك الوقت، فدخل المكتب وسلم الرسالة التي كتبها بالأمس للمراسل، ثم دقق في الأوراق الرسمية التي تتطلب توقيعاً عاجلاً.

 

عندما وقع الورقة الأخيرة ووضع القلم، أبلغه الخادم الذي أرسله باريدون أن كل شيء جاهز.

 

سلم السكرتير الوثائق التي يجب تقديمها للمجلس، ثم غادر المكتب.

 

بينما كان ينزل الدرج ويعبر القاعة، انفتح أمامه منظر الحديقة تحت أشعة الشمس القوية. 

 

بدا أنه فات الأوان للوصول في الوقت المحدد.

 

قطب حاجبيه وهو ينظر إلى الشمس التي توسطت السماء، حين سمع صوتاً مألوفاً من خلف ظهره.

 

“هذا أمر غريب. أنت تستيقظ متأخراً.”

 

التفت باركاس بذهول واتسعت عيناه حين وجد زوجته جالسة بالقرب من المظلة.

 

نهضت تاليا ببطء واتجهت نحوه وهي تقود الذئب الضخم.

 

“ظننت أن عنقي سينكسر من طول انتظار خروجك.”

 

رمق باركاس شفتيها الحمراوين اللتين كانتا تتذمران بصوت خافت، ثم تفحص بتمهل هيئتها.

 

كانت ترتدي فستاناً من الحرير الفاخر الذي تفضله سيدات الشرق، مع حزام مزين بقطع معدنية دقيقة، فبدت وكأنها إلهة وثنية.

 

في تلك اللحظة، شعر باركاس أنه استطاع فهم لماذا يربط الكثير من أهل الشرق بينها وبين روح الأرض.

 

شعر بحرارة ترتفع إلى رأسه لسبب ما، وسألها بجمود:

 

“…… كنتِ تنتظرينني؟”

 

أومأت برأسها بوجه هادئ.

 

“سمعت أنك ذاهب إلى الكاتدرائية العظمى؟ سأذهب معك.”

 

قطب باركاس ما بين حاجبيه وكأنه يسمع لغة غريبة.

 

وعندما لم يحر جواباً، ارتفع طرف عينها للأعلى.

 

“لماذا؟ هل يُمنع عليّ حضور مراسم القداس؟ من المفترض أصلاً أن تحضر الدوقة الأكبر بجانبك.”

 

‘منذ متى وأنتِ تهتمين بالقواعد.’

 

نظر إليها باركاس بذهول ثم أطلق تنهيدة خفيفة.

 

“لا داعي لمرافقتي قسراً إلى مكان غير مريح لمجرد الشعور بالواجب. ألم تقولي إنكِ تعرضتِ لمواقف مزعجة في الكاتدرائية؟”

 

“لهذا السبب أريد الذهاب.”

 

رسمت ابتسامة خبيثة على وجهها.

 

“أريد أن أرى إن كان ذلك العجوز سيجرؤ على إلقاء موعظة تهاجمني في وجودك.”

 

نظر باركاس إلى ذلك الوجه بصمت ثم أطلق ضحكة ساخرة خافتة.

 

يبدو أن هذه المرأة تريد استخدامه كدرع لإثارة المشاكل مع رئيس الكهنة. 

 

كان من الواضح أن خطته لاستمالة رئيس الكهنة وحل النزاع مع الكنيسة بشكل ودي ستتعرض للعقبات، لكنه في النهاية وافق.

 

“كما تشائين.”

 

مرت لمحة من الارتياح على وجهها. 

 

حينها فقط أدرك أنها كانت تخشى الرفض في أعماقها.

 

“حسناً، فلنذهب إذن.”

 

مدت تاليا يدها نحوه. وبينما كان يحدق في ذراعها النحيفة بذهول، انطلق صوتها بنبرة عصبية قليلاً:

 

“ماذا تفعل؟ ألن تسندني؟”

 

حينها فقط أدرك أنها تطلب مرافقته ، فأمسك بذراعها الناعمة بحذر. 

 

عندها استندت بجسدها عليه بشكل طبيعي. 

 

الرائحة الحلوة التي فاحت منها جعلت رأسه المشوش أصلاً يزداد اضطراباً.

 

لماذا تتصرف هكذا فجأة؟

 

لم يستطع إخفاء ارتباكه ونظر إليها بذهول، فحثته بصوت قلق:

 

“ماذا تفعل؟ ألن نذهب؟”

 

تفحص وجهها وكأنه يحاول سبر أغوار نواياها، ثم بدأ بالمشي. وتبعهما “الذئب الرهيب” الذي كان جالساً بهدوء كأمر مفروغ منه.

 

اعترض الطريق بينها وبين الذئب ببراعة فوراً.

 

“لا يمكنكِ أخذ هذا الذئب…… كان معنا.”

 

“أعرف ذلك.”

 

ردت بنبرة فظة نوعاً ما، ثم همست بلطف للوحش الذي كان يهز ذيله:

 

“انتظر هنا قليلاً. سأعود قريباً.”

 

ثم غمزت للخادمات اللواتي كن ينتظرن على مسافة قصيرة.

 

“ماذا تفعلن؟ خذن كان.”

 

بمجرد صدور تعليماتها، أحاطت الخادمات بالذئب.

 

راقب باركاس رد فعل “الذئب الرهيب” بعناية. 

 

رغم أن عينيه برقتا بعدم الرضا لفصله عن سيدته، إلا أنه لم يظهر أي عدوانية مثل الكشف عن الأنياب أو الزمجرة.

 

ومع ذلك، وحرصاً على سلامة الخادمات، أمر الجنود بمراقبة الذئب جيداً، ثم اقتادها نحو العربة.

 

“أمسكي بكتفي.”

 

أمسكت تاليا بكتفه بطاعة وصعدت العربة بحذر. 

 

تبعها باركاس وجلس في المقعد المقابل، ثم أعطى إشارة للسائق.

 

بدأت العربة في عبور أراضي القلعة.

 

أسند جسده إلى المقعد الذي كان يهتز بشكل طفيف وراح يراقب زوجته بصمت. 

 

كانت ملتصقة بالنافذة تنظر إلى الخارج وكأنها اكتشفت مشهداً مذهلاً.

 

رغم أنها كانت تحاول ألا تظهر ذلك، إلا أنه كان من الواضح أنها تشعر بغرابة وعدم ارتياح لوجودها معه في مكان واحد. 

 

ومع ذلك، لم يستطع فهم نيتها الحقيقية وراء إصرارها على مرافقته.

 

هل أدركت أن مكانتها كدوقة أكبر غير مستقرة فقررت تغيير موقفها؟

 

لكن حتى العام الماضي، بدا أنها لا تبالي بمنصب الدوقة الأكبر على الإطلاق.

 

بل ألم تحاول التسلل خارج القلعة سراً قبل عامين؟

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.