مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 169نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 169

169

169

 

*********

 

كان بإمكانه تركها والرحيل، إلا أنه كان قد خطى بالفعل في الوحل لدرجة أن ملابسه اتسخت. 

 

لم يكن يرغب في أن يذهب جهده سدى.

 

سار تحت رذاذ المطر نحو شجرة ضخمة ووارفة.

 

في هذه الأثناء، كانت الفتاة تزم شفتيها الصغيرتين وتثرثر بشيء ما. 

 

وبما أن تظاهرها بالتعالي وهي غارقة في المطر بدا مضحكا، وجه إليها لوما خفيفا، مما جعل وجهها الذي كان شاحبا لدرجة تثير الألم يكتسب بعض الحمرة.

 

تفحص ملامحها من تحت غطاء رأسه (القلنسوة) الذي كان ينسدل بعمق.

 

أهي في سن “آيلا”؟ كان طولها مقاربا لها، لكن جسدها بدا أصغر قليلا. 

 

شعر من خلف القماش المبلل بعظام نحيلة كعظام الطيور.

 

على عكس تفاخرها بأنها ابنة شخص عظيم، كان من السهل تخمين أنها في وضع لا تتلقى فيه الرعاية المناسبة.

 

‘… ليس أمرا يخصني.’

 

استغرب من نفسه لشعوره بالانزعاج، وانحنى ليضعها أرضا.

 

حينها، سُمع صوت يشبه صفيرا خفيفا.

 

توقف عن الحركة، وأنزل نظره نحو يديها المضمومتين فوق صدرها.

 

“ماذا تمسكين؟”

 

فتحت الفتاة، التي كانت تنظر إليه بنظرات مترددة، يديها بحذر. 

 

وظهر من بينهما ما يشبه كتلة من الفرو الرمادي المائل للبني الملطخة بالوحل.

 

قطب حاجبيه.

 

“طائر؟”

 

عندما تمتم بشك، ازداد احمرار وجنتي الطفلة.

 

“لقد سقط في الوحل، لهذا يبدو هكذا. في الأصل هو…”

 

انقطعت الفتاة التي كانت تحتج بوجه محتقن عن الكلام، وأغلقته بتعبير كئيب.

 

لم يستطع أن يفهم لماذا يحزنها طائر يحتضر، أو لماذا كانت تتمسك به وتغطيه رغم المطر.

 

إلا أن هذا الطائر البائس الذي لم تجرؤ الفتاة على التخلي عنه، ذكّره بشيء فقده هو منذ زمن بعيد.

 

غرق في حنين غريب، فعدّل وضعية حملها بذراع واحدة وجذب يدها الصغيرة إلى داخل غطاء رأسه.

 

كان جلدها الملامس لعنقه باردا لدرجة تجعله يشك فيما إذا كان الدم يجري في عروقها أم لا.

 

“أصابعكِ كالثلج. منذ متى وأنتِ واقفة هناك؟”

 

بينما كان ينظر إليها بتعبير غير راضٍ، التقت عيناه مباشرة بعينيها الكبيرتين اللتين كانتا تحدقان فيه بتمعن.

 

ما الذي تنظر إليه هكذا؟ وبينما كان يرسم تعبيرا متسائلا، تمتمت الفتاة بصوت خافت وكأنها عثرت على كنز ثمين:

 

“أتعلم… هناك تاج فضي داخل عينيك.”

 

نظر إليها بوجه عاجز عن الكلام.

 

هذه الفتاة هي من كانت تملك عينين غريبتين حقا.

 

كانتا تحملان لونا داكنا لدرجة يبدو فيها الحد بين البؤبؤ والقزحية غامضا، لكنهما لسبب ما لم تبدوا سوداوين. 

 

بل بدتا وكأنهما تلمعان بشفافية مخيفة.

 

تذكر فجأة أنه قد رأى هذا الضوء الصافي في مكان ما من قبل.

 

لقد كان الضوء الذي ينهمر فوق رأسه قديما جدا، عندما كان يركض في السهول التي لا تنتهي.

 

في اللحظة التي أدرك فيها ذلك، بدت الرؤية واضحة تماما وكأن الستار الذي كان يغطي شبكية عينه قد أزيح.

 

كان تغييرا مفاجئا للغاية لدرجة أنه لم يستطع إدراك ما حدث له بالضبط.

 

وبينما كان ينظر دون أن يرمش إلى الضوء الواضح الذي اندفع فجأة، بدأت احتفالية الألوان التي انطلقت من عينيها تنتشر في الأرجاء.

 

في اللحظة التالية، عرف أن شعر الفتاة يملك لونا ذهبيا مشرقا مثل حقول أواخر الخريف.

 

وعندما همّ بمد يده نحوه دون وعي، أدارت رأسها فجأة. كان عليه أن يطبق قبضته لكي لا يمسك بذلك الوجه الصغير ويعيده نحوه مرة أخرى.

 

تمتمت الفتاة بتعبير محرج:

 

“أنا، يجب أن أذهب الآن.”

 

كانت نبرتها توحي بعدم الرغبة في الرحيل.

 

‘إذا كنتِ لا تريدين الذهاب، فلا تذهبي.’

 

كاد أن ينطق بذلك دون وعي منه، لكنه صمت.

 

لقد عرف هذه الطفلة قبل قليل فقط. 

 

لم يكن هناك سبب يجعله يتمسك بها وهي تريد الذهاب.

 

انحنى ببطء ووضعها أرضا.

 

مدت الفتاة التي وقفت على الأرض يدها نحوه.

 

“هل يمكنك أن تأخذه معك؟”

 

حدق في الطائر الصغير الموضوع على راحة يدها، ثم مد يده بحذر. وعندما احتوى بيده طائر “الزرزور” الصغير المبلل بالمطر، شعر بخفقان قلبه الصغير السريع.

 

قرب الطائر الصغير الذي بدأت حرارته تنخفض من وجنته، ثم جذب غطاء رأسه للأمام.

 

سألته الفتاة التي كانت تنظر إليه بتمعن بصوت يحمل رغبة غريبة:

 

“ذلك الطائر… هل سيعيش؟”

 

“… أجل.”

 

باركاس، الذي أدرك عدم وجود يقين في صوته، أضاف بقوة:

 

“سيعيش حتما.”

 

فوق وجه الفتاة الذي كان يبدو قلقا، انتشرت ابتسامة باهتة. 

 

كانت ابتسامة مشرقة للغاية، وبدت حزينة لسبب ما.

 

استدارت وبدأت بالركض فورا.

 

ومع خطواتها التي تبتعد، بدأت الألوان المتعددة توسع نطاقها كأنها أصباغ تنتشر. 

 

وبينما كان ينظر إلى ذلك المشهد بشرود، تردد صدى صوت “برناديت” في رأسه:

 

‘سيأتي يوم تكتشف فيه شيئا يجعلك ترغب في البقاء حيا.’

 

“هذا مستحيل.”

 

لقد كان لقاء لم يتعدَّ اللحظات. 

 

لا يمكن لحياته أن تتغير لمجرد احتكاك عابر مع فتاة لا يعرف اسمها.

 

أطلق ضحكة ساخرة، ثم استدار وبدأ يمشي.

 

أطلق الطائر الذي سلمته إياه الفتاة تغريدة واهنة.

 

 فتح ياقة ملابسه وألصق الطائر بجانب الجزء الساخن من عنقه، ثم زاد من سرعة خطواته.

 

الطريق الذي سلكه مئات المرات بدا مكانا مختلفا تماما.

 

للحظة، شعر بدوار غريب. 

 

نظر للأعلى نحو خيوط الضوء التي تسربت بين الغيوم الرمادية، ثم أغمض جفنيه.

 

*    *      *

 

 تسلل صوت خطوات ثقيلة إلى وعيه المغبش.

 

باركاس، الذي كان جالسا على الكرسي يعوض ما نقصه من نوم، رفع جفنيه ببطء.

 

سمع ضجيجا من وراء الخيمة حيث ينهمر المطر، وبعد قليل ظهر شاب ذو شعر أسود يرتدي درعا ذهبيا من بين الستائر.

 

“هل صحيح أنك دفعت باتجاه مفاوضات الصلح؟”

 

صرخ ولي العهد بصوت غاضب وهو يلقي بخوذته المصنوعة من “الأوريكالكوم” على الأرض.

 

التقط باركاس الكأس الموضوع على الطاولة المؤقتة ورد بنبرة غير مبالية:

 

“لقد قدمت اقتراحا فقط. من دفع بالمفاوضات فعليا هو جلالة الإمبراطور.”

 

“هذا وذاك سيان!”

 

اندفع ولي العهد نحوه وعيناه الخضراوان المشرقتان تلمعان بغضب وزمجر:

 

“مفاوضات مع المتمردين… هل جننت؟ من يرفعون السلاح ضد الأسرة الإمبراطورية يجب شنقهم جميعا!”

 

“هل تعتقد أن إعدام جميع نبلاء الشمال هو أمر ممكن من الناحية الواقعية؟”

 

أطلق باركاس تنهيدة ثقيلة بعد أن بلل فمه بالنبيذ.

 

“لنفترض أننا أعدمنا جميع نبلاء بالتو كما ترغب يا صاحب السمو. كيف تنوي إدارة تلك الأراضي الشاسعة في الشمال؟”

 

“سأمنحها لأتباعي كغنائم حرب! أو أوزعها على النبلاء المحافظين! هناك الكثير من النبلاء الذين يسيل لعابهم للحصول على شبر إضافي من الأرض…”

 

“ألا تدرك أن شعب بالتو لن يقبل أبدا بأسياد من عرق آخر؟”

 

عندما رد وهو يمسك جبهته ببعض الانزعاج، تجمد وجه ولي العهد الذي كان يثور غضبا.

 

استخدم باركاس ما تبقى من صبره وأضاف موضحا:

 

“الشمال أيضا أرض تابعة للإمبراطورية. إذا لم نوقف الحرب الآن، فإن الضرر سيعود على أسرة ‘رويم’ الإمبراطورية. والأهم من ذلك، أن رد الفعل المبالغ فيه قد يثير استياء بقية الحكام.”

 

“بما في ذلك أنت، أليس كذلك؟”

 

سخر ولي العهد وعيناه تلمعان.

 

لم يرد باركاس. 

 

نظر بصمت بعينين يسكنهما التعب إلى قريبه الأصغر الذي نادرا ما ينضج عقله، ثم نهض ببطء.

 

وعندما هم بالخروج من الخيمة، اعترض “غاريس” طريقه.

 

“تتظاهر بأنك تعمل لمصلحة أسرة رويم الإمبراطورية، لكن في الحقيقة أنت تريد إنهاء الحرب فحسب. هل تظن أنني لا أعرف سبب رفضك لمنصب القائد العام وبقائك فقط بالقرب من الحدود الشرقية؟”

 

وصلت أنفاسه اللاهثة إلى طرف ذقنه بشكل مزعج.

اقترب غاريث بوجهه منه ونطق وهو يكز على أسنانه:

 

“لقد فعلت ذلك لتتمكن من التردد على ‘كالمور’ كلما سنحت لك الفرصة.”

 

“…”

 

“أنت تعتقد أنك وحدك من يعرفني جيدا. لكني أنا أيضا أعرفك. لقد راقبتك لما يقرب من عشرين عاما.”

 

اصطبغت عينا ولي العهد الخضراوان بلون أخضر داكن تقريبا.

 

رغم أن طباعهما لا تتشابه أبدا، إلا أن غاريس عندما ينظر بهذه الطريقة يذكره دائما بالإمبراطورة المتوفاة.

 

 واصل ولي العهد كلامه وكأنه يبصق الكلمات:

 

“هل ظننت أنني لن ألاحظ أن قلبك بالكامل في مكان آخر؟ حتى هذه المفاوضات، لم تدفع بها إلا لمصلحتك الشخصية!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.