الفصل 166
166
166
**********
ظل ينظر بصمت لفترة إلى سن الريشة الذي توقف عن الحركة.
كان الحبر الذي تسرب من السن قد صنع بقعة قبيحة على سطح الرسالة.
قام بتجعيد الورقة بلامبالاة ونحاها جانبا، بينما واصل الرجل حديثه بقلق:
“لكن يبدو أن هناك شائعات سيئة تدور حول سمو الدوقة بسبب ذلك الذئب. ويبدو أن هناك احتكاكات متكررة مع تابعي بيت الدوق أيضا.”
عقد باركاس حاجبيه وهو يفتح الدرج ليخرج ورقة جديدة:
“احتكاكات؟”
“آه، ليس صراعا بمستوى خطير. ولكن، لأن ذلك الذئب عدواني للغاية.. يبدو أن الجنود يشعرون بالرعب.”
رد وهو يحك قفاه بارتباك.
سلط باركاس نظرة حادة عليه:
“هل ألحق ذلك الوحش ضررا بالمحيطين؟”
“لم يحدث ذلك. لقد راقبته عن كثب أثناء إقامتي في كالمور، كان يكتفي بزمجرة وكشف أنيابه لترهيب من حوله.”
نفى الرجل بسرعة.
“إنه كائن يمتلك غريزة حماية ورغبة تملك هائلة تجاه مالكته. يبدو أنه يكره بشدة اقتراب أي شخص من سمو الدوقة. كان يظل هادئا طالما لم يقترب أحد منها أكثر من اللازم. إنه يتبع سموها جيدا وذكي للغاية، لم يبدُ ككائن يهاجم الناس عشوائيا.”
تحدث الرجل بإسهاب وكأنه يدافع عنه، ثم استجمع أنفاسه وأضاف بصوت خفيض:
“لكن، نظرا لحجمه الضخم.. فإن مجرد زمجرته تجعل من حوله يشعرون بتهديد على حياتهم، وهذه هي المشكلة.”
نظر باركاس بعينين غارقتين في التفكير إلى كومة الرسائل المكدسة في جانب المكتب.
كان هو أيضا يدرك إلى حد ما أن مشاكل بدأت تظهر بسبب ذئب الداير وولف.
فقد بدأت تصل تقارير من مرؤوسيه الذين وضعهم لحمايتها، تحتوي على شكاوى مهذبة من الذئب.
وكان رده عليها دائما هو نفسه:
“إذا ظهرت أي بوادر تهديد لسلامتها أو ألحق ضررا مباشرا بالمحيطين، فاستخدموا القوة لقمعِهِ. ولكن طالما لم يلحق ضررا فعليا، فاتركوه وشأنه.”
بما أن رأس ذلك الذئب لا يزال متصلا بجسده، فهذا يعني أنه لم يهاجم أحدا حتى الآن على الأقل.
إذن، لم يكن ينوي اتخاذ أي إجراء في الوقت الحالي.
يمكنه تحمل شكاوى الكهنة أو التابعين بخصوص تربية وحش مانا.
طالما أنها سعيدة، فماذا يهم لو قامت بتربية شيطان بدلا من وحش؟
فقط لو أصبحت تاليا بخير..
في تلك اللحظة، لمعت صورة بكائها تحت المطر في ذهنه كعلامة حرق.
نفض تلك الصور العالقة في شبكية عينه، وأمر الرجل بالانصراف بنبرة باردة:
“إن انتهيت من ثرثرتك، فانصرف. عليك الخروج من الوادي قبل حلول الظلام.”
“لا، لقد سألتني أنت ثم…”
تذمر الرجل بتذمر، ثم تنهد تنهيدة يائسة واستدار نحو المخرج.
وفجأة توقف وكأنه تذكر شيئا، ومد يده بشيء نحوه:
“كدت أنسى. لقد جئت لتسليم هذا.”
ضيق باركاس عينيه وهو ينظر إلى لفافة الرق في يد الفارس:
“ما هذا؟”
“برقية أرسلها سمو ولي العهد.”
أخذ اللفافة بوجه خالٍ من التعبير.
كانت البرقية تحتوي على اقتراح مباشر بطلب مشاركته في معركة الهجوم على ‘بلودار’، مكتوبة بخط السكرتير المرتب.
مسح باركاس الكلمات بنظرة باردة، وتوقف عند السطر الأخير:
[‘تذكر القسم الذي قطعته.’]
حدق في الكلمات بتمعن، ثم وضع الرسالة فوق لهب الشمعة.
وأشار بذقنه لـ “إيدريك روبون” الذي كان ينظر إليه بذهول:
“انتهى الأمر، اخرج الآن.”
فتح الرجل شفتيه وكأنه يريد قول شيء ما، لكنه خرج من الخيمة بصمت.
أرخى باركاس ياقة بزته الرسمية التي كانت تخنقه كأنها حبل مشنقة.
فوق شعلة الشمعة، بدأت الحروف على الورقة تتقلص وتتحرك كحشرات صغيرة.
راقب ذلك لفترة، ثم غمس الريشة الجافة في المحبرة مرة أخرى.
لن تكون هناك معركة حصار في ‘أماسيك’.
فبمجرد أن يقترح الإمبراطور المفاوضات، سيفتح اتحاد الشرق الأبواب على مصراعيها لاستقبال الجيش الإمبراطوري.
ومع ذلك، لتهدئة “غاريس” المتذمر، يجب إظهار بعض الجدية عبر تحريك القوات على الأقل.
كتب باركاس في نهاية رسالته لتابعيه أنه ينوي العودة قبل نهاية صيف هذا العام، وختمها بالشمع.
عندما تصل هذه الرسالة إلى قلعة رايدغو، سيكون اتجاه الحرب قد حُسم.
وكان مصمما على جعل الأمر كذلك بأي ثمن.
* * *
فوق عالم صار باهتا، انسكب ضوء شاحب.
ونحوه هو الواقف وحيدا عند مدحق حديقة بيضاء تماما، مدت امرأة شاحبة كالشبح يدا بيضاء تظهر من تحت جلدها العروق.
“لماذا تقف هناك بلا حراك؟ تعال إلى هنا بسرعة.”
نظر للأعلى إلى المرأة ذات الشعر الأسود التي تقف أمام للشمس.
لا، ربما لم يكن شعرها أسود.
لم يرَ أبدا اللون الحقيقي لهذه المرأة.
في عالم ملطخ بالأبيض والأسود، كان يستطيع فقط تمييز أنها شخصية ذات تباين واضح جدا في الظلال.
رسمت المرأة ابتسامة ودودة على شفتيها وحثته بنعومة:
“لا داعي للقلق. المكان هنا آمن.”
كانت نبرتها كمن يهدئ حيوانا خائفا.
دخل الحديقة ببطء.
فظهرت بين الشجيرات المشذبة بعناية مظلة رخامية .
وتحتها، على أريكة طويلة، كان يجلس طفلان صغيران متلاصقان، يحدقان فيه بأعين واسعة.
احتضنت المرأة كتفي الطفلين بيديها وقالت بفخر:
“ألقِ التحية. إنهما طفلاي. بالنسبة لك، هما بمثابة إخوة صغار من الأقارب.”
اقترب من المظلة ونظر إلى الأخوين الصغيرين بتمعن.
كلاهما امتلك شعرا داكنا وأعينا كبيرة، لكن الانطباع الذي تركه كل منهما كان مختلفا تماما.
بدا الصبي غاضبا جدا من شيء ما، بينما بدت الفتاة ذات الضفائر وكأنها ستنفجر بالبكاء في أي لحظة.
نظر بوجه حائر إلى وجه الفتاة الباكي.
وفجأة، انفجرت الطفلة ذات الخدود الممتلئة ببكاء حاد.
“آيلا.”
احتضنت المرأة ابنتها بارتباك وربتت على ظهرها الصغير.
بينما كان يراقب ذلك بصمت، أصاب جسده شيء لزج مع صوت ارتطام.
أدار رأسه.
كان الصبي الذي تلطخ وجهه بالسواد يلقي قطع كعكة لزجة من فوق الطاولة بعشوائية.
“أنا أكرهك! اخرج!”
“غاريس! ما الذي تفعله!”
أمام صرخة المرأة، اندفعت الخادمات اللواتي كن ينتظرن في جانب الحديقة وأحطن بالصبي لتهدئته.
انتظر هو، المغطى بكتل السكر اللزجة، حتى يهدأ الوضع الذي لم يكن سوى فوضى عارمة.
أخيرا، عندما هدأ بكاء الفتاة، سلمتها المرأة للخادمات واقتربت منه.
“أنا آسفة حقا، يا باركاس.”
ثم أخرجت منديلا ومسحت شراب السكر والكريمة عن وجهه. كانت عيناها الداكنتان تلمعان بالدموع أمام أنفه مباشرة.
“يا للهول، ماذا أفعل. سأقوم بتوبيخ غاريس بشدة.”
“… أنا بخير.”
فتح شفتيه اللتين كان يغلقهما بإحكام لأن المرأة بدت شديدة الأسف.
حينها، اتسعت عينا المرأة بذهول، ثم تقوستا بابتسامة رقيقة.
كان رد فعلها محيرا. لماذا هي سعيدة هكذا؟
“أخيرا نطق لسانك. كنت قلقة من أن تظل صامتا طوال حياتك.”
قطب ما بين حاجبيه.
لقد كان يصمت فقط لأنه لم يشعر بضرورة الكلام.
لم يتوقع أن تعتقد أنه صار أبكما.
“تعال، اتبعني. سأعطيك ملابس جديدة.”
أمسكت بيده وسحبته بابتسامة ساذجة على شفتيها لدرجة لا تُصدق أنها إمبراطورة الإمبراطورية.
مع كل خطوة يخطوها خلفها، كان يرى ظله الصغير يزداد طولا تدريجيا.
وصوت خطواته الخفيفة بدأ يصبح ثقيلا شيئا فشيئا.
وفجأة، وجد نفسه واقفا أمام باب غرفة نوم واسعة، مرتديا رداء “سيركوت” مطرزا بشعار فرسان الإمبراطورية.
هندم ملابسه وطرق الباب بخفة بظهر يده. وسرعان ما جاء صوت مألوف من الداخل:
“ادخل.”
سحب مقبض الباب، فظهر أمامه منظر غرفة نوم دافئة مزينة بأثاث خشبي قديم وسجاد.
بينما كان يتجول بنظره في الغرفة وهو يخطو للداخل، توقفت نظراته عند النافذة.
كانت المرأة الجالسة أمام الشرفة تنظر للخارج بذهول، ثم التفتت إليه ورسمت ابتسامة شاحبة على شفتيها:
“شكرا لك على حضورك.”
في تلك اللحظة، استنشق رائحة الموت.
“سمعت أنكِ حاولتِ الانتحار.”
اختفت الابتسامة عن وجه المرأة أمام كلماته التي خرجت كالتوبيخ. وأضاف بقسوة لوجهها الشاحب:
“لماذا فعلتِ شيئا كهذا؟”
“لماذا فعلت ذلك.. أنا نفسي لا أعرف.”
تمتمت المرأة بوجه ذاهل.
“الجميع يقولون إنني فعلت ذلك.. وصراحةً، ليس لدي أي ذكرى. عندما استعدت وعيي، وجدت نفسي مستلقية على السرير.”
عادت نظراتها الفارغة نحو النافذة:
“لماذا فعلت ذلك يا ترى؟ هل كنت أنتظر أن يندم ذلك الشخص وهو يراني أموت؟ أم كنت أتمنى أن يدرك قيمتي بعد فوات الأوان؟”
تمتمت وكأنها تتحدث عن قصة شخص آخر، ثم أطلقت ضحكة خاوية:
“كانت الوصيفات يحيطن بي وينتحبن بصوت عالٍ.. ومع ذلك، كنت أبحث فقط عن وجهه هو. غبية جدا، أليس كذلك؟”
لم يرد بأي شيء.
رأت المرأة في صمته توبيخا، فتشوه وجهها وانكسر:
“أنت لن تفهمني أبدا. عندما أنقذتك من ذلك المكان لأول مرة، كنت أشفق عليك كثيرا. أردت أن أعالجك بأي طريقة، أنت الذي لم تعد تشعر بأي شيء.”
“…”
“ولكن الآن.. أنا أحسدك كثيرا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.