الفصل 164
164
164
**********
الفصل الثالث: ذلك القبر بلا اسم [عنوان المجلد الثالث]
********
“هناك وحش فظيع يكمن داخل جسد ابني.”
قال والده بنبرة حزينة.
راحت حدقتاه الملطختان بالخوف والقلق تتفحصان وجهه بسرعة، ثم عادتا إلى الكاهن العجوز الذي يرتدي ملابس دينية.
“ألا تعرف ذلك جيدا؟ تلك اللعنة التي تسري في عائلة شيركان…”
خالط صوت الأب فجأة كره شديد.
“كان جدي يمتلك ‘عين الشيطان’. لم يكن يستطيع رؤية قلوب البشر فحسب، بل الأقدار أيضا. كان الجميع يهابونه ويخشونه، لكني كنت أعرف حقيقة تلك القوة. إنها… مجرد قوة منحوسة وشريرة خارجة عن إرادة الحاكم .” [استغفر الله بلشنا هبد]
تحولت عينا الأب اللامعتان نحو مذبح غرفة الصلاة.
كانت المنصة المصنوعة من الرخام الأبيض منقوشة بصور الأبطال الذين ساهموا في تأسيس إمبراطورية رويم، وأولئك الوثنيين الذين حاربوهم.
حدق والده في ذلك بتمعن وواصل حديثه وكأنه يعترف بخطاياه:
“في الماضي، حاول أسلافنا استخدام تلك القوة للسيطرة على الأمم. أرادوا سحق الشعوب الأخرى بقوة السحر الشريرة، ونثر دمائهم لتقديم قرابين من طاقة الحياة لأرواح الأرض. كانوا يؤمنون أن الأرض الملطخة بالدماء هكذا ستصبح ملكا لعشيرتنا إلى الأبد.”
توقف والده عن الكلام للحظة ورفع بصره للأعلى.
أضاف الضوء المتسلل عبر النافذة الزجاجية لمعانا غريبا إلى حدقتي والده.
بدا والده وكأنه شخص ممسوس بشيء ما.
“لكن أطماع الأسلاف تحطمت بلا رحمة أمام رسل الحاكم.. وبالنظر إلى الآثام التي ارتكبها شعب ‘كان’، كان من المفترض أن نصبح عبيدا للمنتصرين. ومع ذلك، فإن حاكم الخلق الرحيم احتضن شعبنا المذنب كجزء من رعيته. وكرد جميل لتلك الرحمة، أقسمت عائلة شيركان على الإخلاص كعضو في الإمبراطورية.”
نزلت حدقتا والده نحوه مرة أخرى.
استطاع أن يدرك أن كل هذا الكلام موجه إليه هو وليس للكاهن.
واصل والده هذيان شكواه وهو ينظر إليه لفترة طويلة بعينين يسكنهما العناء:
“حتى الآن التزمنا بذلك القسم، وأدينا واجباتنا كمؤمنين في الكنيسة الإمبراطورية ورعايا مخلصين للقصر. لكن عرق الهرطقة الذي يجري في دماء عائلة شيركان لم ينقطع تماما حتى الآن. ظهر في جدي، والآن في ابني…”
ارتجفت شفتا والده الرقيقتان بشكل طفيف.
كان وجهه يظهر محاولته المستميتة لكبت شيء ما يصعد من داخله.
كان يتساءل عن حقيقة المشاعر التي ابتلعها والده.
هل كان اشمئزازا؟ أم حزنا مريرا؟
توقف والده لفترة وكأنه يرتب شيئا يضطرب في صدره، ثم طرح الموضوع الرئيسي أخيرا بوجه حازم:
“أريد استئصال طباع الهمجية التي يحملها هذا الطفل وإعادة تشكيله كوريث مثالي. ولأجل ذلك، أريد من الكنيسة أن تقدم المساعدة.”
تحدث الكاهن العجوز الذي كان يستمع بصمت، مبديا تردده:
“الابن لا يزال صغيرا جدا. كما جرت العادة، من الأفضل الانتظار حتى يكبر قليلا قبل أن يتلقى التعليم…”
“هذا ليس كافيا.”
قاطع والده كلام الكاهن بعصبية.
“الكثير من أهل الشرق لم يتخلوا تماما عن معتقدات الماضي حتى الآن. إذا تركته يكبر بينهم، فإنه سيفقد هويته كمواطن إمبراطوري تماما. يجب إبعاده عن هذه الأرض في أسرع وقت ممكن.”
نظر إليه الكاهن بنظرة مليئة بالشك.
بدا وكأنه يتساءل ما الذي في هذا الطفل الصغير الذي يصل طوله إلى خصره فقط، ليجعل حاكم الشرق يغرق في مثل هذا القلق.
هو أيضا كان يتساءل.
ماذا رأى والده فيه لدرجة جعلته يصل إلى هذا اليقين؟
بينما كان ينظر إليه بذهول، أصبحت حدقتا والده سوداوين كأنهما هاوية.
“أنا أستطيع أن أعرف. أن شيئا ما كان يسكُن أجساد أسلافي، يسكُن الآن داخل هذا الطفل أيضا… إذا كبر ابني وفق طبيعته، فإن هذه الأرض ستغرق في فوضى عارمة.”
مع تلك الكلمات التي بدت وكأنها نبوءة، ذاب شكل والده بشكل غريب مثل شمع الذوبان.
والضوء الساطع الذي كان يحيط بغرفة الصلاة تلاشى في لحظة ليتحول إلى لون رمادي.
انقلب العالم مع صوت طنين في الأذنين.
سُمع صوت ‘بام’ وكأن بابا حديديا قد أغلق في مكان ما.
في اللحظة التالية، أدرك أنه محبوس في زنزانة باردة لدرجة تجميد العظام.
كان يُجلب إلى هنا مرارا وتكرارا.
لأنه كان يتجاهل كل قواعد الدير ويثير الشكوك حول تعاليم الكهنة.
لم يكن يعرف لماذا يكرر هذا التمرد العبثي.
النتيجة الوحيدة التي كان يحصل عليها من مقاومته الحمقاء هي العقاب الجسدي القاسي.
كان يعرف بعقله أن التظاهر بالطاعة هو الأمر الحكيم.
لكن شيئا ما في صدره كان يرفض الخضوع.
ربما ذلك الشيء الوحشي الذي تحدث عنه والده كان يحثه على الاستمرار في تعذيب ذاته.
بسبب ذلك، كان عليه أن يعاني من آلام لا تنتهي.
إذا لم يصحح ذلك الشيء الموجود بداخله، فإنه لن يستطيع الخروج من هنا للأبد.
لقد قاوم نفسه التي ترفض الانكسار.
وحارب نفسه التي تريد القتال بعنف.
قرر أنه إذا كان هناك وحش فظيع يكمن بداخله، فإنه سيقضي عليه بيده.
ذلك التوق العنيف فتح أمامه أوهاما غريبة.
ذات يوم، واجه وحشا ضخما في وقت متوقف.
كان هذا الوحش هو مصدر آلامه.
في كل مرة كان يُحبس فيها في غرفة ضيقة ومظلمة، وفي كل مرة كان يعاني من الضرب المبرح، كان يقترب من الوحش لتنفيذ قراره الذي كان يكرره.
فجأة وجد في يده نصلا أبيض تماما.
طعن به صدر الوحش الذي كان ينظر إليه.
اهتز الجسد الضخم الذي ينبض بحرارة بقوة.
واصل تلويح السيف داخل الجسد الثقيل الذي يضطرب بعنف.
وأخيرا، انهار الجسد الضخم المغطى بالشعر الأسود بضعف.
لكن العيون الحمراء الست كانت لا تزال تنظر إليه.
مد يده المرتجفة ليمسح الجسد الملطخ بالدماء. لم يعد القلب المتجمد والصلب ينبض.
هل سيستطيع بهذا أن يتحرر من الألم؟
فجأة شعر بشيء يسيل على خده.
لمس وجهه فوجده مبللا بالدموع.
لم يكن يعرف لماذا يبكي.
نظر للأسفل مرة أخرى بعينين مرتبكتين.
اختفى الوحش ذو العيون الست، وكان هناك صبي أشقر مستلقي مكانه.
قلب الجثة المنبطحة.
رأى وجهه المتجمد والابيض.
بدأت قطرات ماء باردة تسقط فوقه.
لكن دموع الرثاء جفت في لحظة.
وتلاشى الوهم قريبا.
عندما فتح عينيه مرة أخرى، أدرك أن شيئا ما فيه قد مات للأبد.
فاحت رائحة دم من مكان ما.
استيقظ باركاس من نوم خفيف وألقى بنظرة جافة عبر مدخل الخيمة.
كانت شمس الصباح الشاحبة التي بدأت تشرق تنثر ضوءا باردا.
راقب ذلك محاولا تقدير الوقت، ثم نهض من مكانه وأمسك بغمد سيفه وخرج.
امتلأت رؤيته بالخيام العسكرية المصطفة بانتظام والقاعدة العسكرية التي بنيت كحل مؤقت.
عبر بين الجنود المزدحمين واقتربت من خط الدفاع.
على السياج الخشبي الذي نصبه الجنود، كانت رؤوس الخونة الذين أعدمهم بيده قبل أيام معلقة.
نظر لفترة إلى محاجر العيون الفارغة التي يبدو أن الطيور قد نقرتها، ثم صعد السلم ليتفحص المنطقة المحتلة.
ظهرت أمام عينيه أسوار ‘بيلديس’، أحد المواقع العسكرية المهمة في الشمال، والسهول الممتدة نحو الغرب.
نظرا لطبيعة تضاريس هذه الأرض الوعرة المليئة بالوديان، كانت بيلديس واحدة من الأماكن القليلة المفتوحة التي يمكن فيها حشد قوات كبيرة لخوض معركة حقيقية.
معظم الإمدادات والقوات الكبيرة المتجهة إلى المناطق الجنوبية الشرقية من ‘بالتو’ كان عليها المرور من هذه المنطقة.
بعبارة أخرى، باحتلال هذا المكان، أصبح من الممكن عزل بالتو بشكل فعال.
‘قريبا، يمكنني الدفع باتجاه مفاوضات السلام.’
استند بجسده إلى الحاجز وفتح مطرة الماء المعلقة بخصره ليبلل فمه.
النبلاء في التحالف الشمالي الذين أدركوا أنهم في مأزق سيتخلون قريبا عن القوى التي قادت التمرد.
سيحاولون تسوية الموقف بانتخاب حاكم جديد يميل للإمبراطورية.
إذا استطاع حينها إقناع القصر الإمبراطوري بعقد اتفاقية سلام، فإنه سيتمكن من إنهاء هذه حرب الاستنزاف المملة.
‘في غضون شهرين على أقرب تقدير، أو ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، سأتمكن من العودة إلى كالمور.’
أطلق تنهيدة طويلة ومسح شعره المبعثر بقوة.
لقد مر أكثر من عامين منذ اندلاع الحرب الأهلية.
خلال ذلك الوقت، كان يزور قلعة رايدغو كلما سنحت الفرصة، ولكن منذ الدخول في المعارك الفعلية، لم يكن أمامه سوى مراقبة الوضع داخل المقاطعة عبر الرسل.
آخر مرة رآها فيها كانت قبل نصف عام.
وحتى في ذلك الوقت، لم يفعل سوى مراقبة حالتها من بعيد. كانت هذه هي المرة الأولى التي يترك فيها القلعة فارغة لهذه الفترة الطويلة، لذا كان يشعر بقلق شديد.
كان يتلقى تقارير دورية عن أحوالها من رئيسة الخادمات والمرؤوسين، لكن الجمل المكتوبة على الورق لم تكن كافية لطمأنته.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.