الفصل 163
163
163
********
“أنا، أنا لا أعرف التفاصيل أيضا ولكن…”
تحدثت الخادمة بارتباك وهي تنهي كلامها بنبرة غير واضحة، ثم واصلت شرحها بتكلف:
“سمعتُ أنه سيتعين عليه التمركز في منطقة بالتور الحدودية لفترة من الوقت بسبب النزاع.”
“لفترة من الوقت… إلى متى بالضبط…”
تمتمت تاليا بتعثر ثم توقفت وعضت شفتها.
لقد كانت هي من قالت إنها لا تريد رؤية وجهه مرة أخرى أبدا.
بأي حق تسأل عن شيء كهذا؟
نظرت بذهول إلى الزهور الموضوعة بجانب رأس السرير، بينما راحت الخادمة، التي كانت تراقب ردود فعلها، تسرد إجابة لسؤالها الذي لم تكتمل صياغته:
“لم يكن هناك موعد محدد للعودة… لكنني سمعتُ أنه لا ينوي ترك القلعة فارغة لفترة طويلة. ويخطط للتنقل بين القلعة ومكان التمركز كلما سمحت الظروف بذلك…”
أطلقت تاليا تنهيدة ارتياح دون وعي منها، وعندما أدركت فعلتها، أطلقت ضحكة فاترة. لقد شعرت بالاشمئزاز من نفسها.
نظرت إلى براعم الزهور المشبعة بماء المطر وأطلقت ضحكات جافة متقطعة، ثم غطت عينيها المحتقنتين بظهر يدها.
شعرت بوخز داخل عينيها وكأنهما تحترقان.
أدركت بالفطرة أنه غادر بسببها.
لقد اختار الرحيل بنفسه بدلا من طردها هي.
‘لماذا يفعل كل هذا…’
سؤال واحد ظل يدور في رأسها مرارا وتكرارا.
لماذا تذهب إلى هذا الحد؟
حتى لو قبل عرض الإمبراطور وطلقها، فلن يلومه أحد.
لقد كان زواجا أقرب إلى الإكراه منذ البداية.
هي أيضا كانت تعرف ذلك.
لم يكن لدى باركاس أي سبب ليسمع منها اللوم.
عرج ساقها، وفقدان طفلها، كان كل ذلك مسؤوليتها هي.
كانت تعرف أيضا أنه كان عليها قول ذلك لباركاس.
“أنت لم ترتكب أي خطأ. سبب كل المآسي التي حلت بي هو أنا نفسي. لذا أرجوك، لا تشعر بالذنب أو المسؤولية.”
“تخلص عن شخص مثلي وحسب. الجميع يفعل ذلك. حتى من أنجبوني فعلوا ذلك. ولكن لماذا أنت…”
آلمها صدرها وكأنه يحترق.
شعرت بأنها ربما ترتكب خطأ فادحا.
لكنها لم تكن تعرف كيف تصحح ذلك.
بل لم تكن تعرف حتى إن كانت تريد تصحيحه.
“سموكِ، هل أنتِ بخير؟”
سألت الخادمة بقلق، إذ بدا أن مظهر تاليا الذاهل ليس بالأمر الطبيعي.
أمسكت تاليا برأسها الذي يكاد ينفجر وهزته بضعف.
“أنا بخير. فقط…”
نظرت تاليا إلى وجه الخادمة بعينين مغبشتين كأن فيهما ضبابا، ثم حولت نظرها نحو النافذة التي يتطاير عليها رذاذ المطر.
المطر الذي كان يهطل بخفة في النهار، أصبح الآن يضرب الزجاج بقسوة.
لا بد أنه يسير الآن تحت ذلك المطر.
خطرت لها فكرة أنه ربما لم يبتعد كثيرا بعد.
وقفت تاليا من السرير دون أن تعرف ما الذي تريد فعله بالضبط. اقتربت الخادمة بوجه مرتبك.
“لـ، لماذا تفعلين ذلك؟”
“أحضري معطفي.”
أصدرت الأوامر بصوت مهيب وكأنها تحذرها من التفكير في العصيان، فتصلب جسد الفتاة التي مدت يدها لمحاولة ثنيها.
حثتها تاليا بنبرة حادة:
“ألا تسمعينني؟ قلت أحضري معطفي.”
أحضرت الخادمة المتجمدة بوجه باكي معطفا سميكا بتردد.
ارتدته تاليا فوق فستان الكتان الفضفاض وخرجت، فظهر لها منظر الرواق المظلم. وبينما كانت تخطو بخطوات عرجاء، اعترض ظل ضخم طريقها.
“إلى أين تنوين الذهاب؟”
كان شاب مدجج بالدروع ينظر إليها بوجه صارم.
كان الحارس الذي بدأ يحرس الباب مثل السجان منذ اليوم الذي هربت فيه من القلعة سرا.
حدقت فيه تاليا بنظرات ثاقبة وقالت بسخرية:
“هل أصدر صاحب السمو الدوق الأكبر أوامر بحبسي داخل غرفة النوم؟”
“لقد أمر سموه بعدم رفع الأنظار عن سمو الدوقة للحظة واحدة، وحمايتها بشكل صارم.”
شحب وجه تاليا للحظة، ثم ردت بغرور:
“إذن عليك حمايتي بناءً على تلك الأوامر. بدلا من الوقوف بوقاحة في طريقي.”
وعندما همت بالتوجه نحو الدرج، اعترض الرجل طريقها مرة أخرى.
“ما سأفعله يعتمد على المكان الذي تخططين للذهاب إليه.”
أرسل الرجل نظرة حازمة.
“يمكنكِ التنقل بحرية في أي مكان داخل القلعة، ولكن إذا كنتِ تنوين الخروج، فيجب عليكِ الحصول على إذن من صاحب السمو الدوق الأكبر أولا.”
حدقت تاليا فيه بوجه يشتعل غضبا. لكن الجندي الشاب لم يتزحزح.
“سأسأل مرة أخرى. إلى أين تخططين للذهاب؟”
“أنا…”
أرادت أن تقول إنها تخطط للذهاب إلى حيث يوجد باركاس، لكنها صمتت.
هي نفسها كانت السبب في دفعه للرحيل. بأي حق تلاحقه وماذا ستقول له؟
هل تنوي أن تطلب منه بأنانية أن يبقى بجانبها بصمت، حتى لو أدى ذلك إلى عزلته سياسيا أكثر مما هو عليه الآن؟
شعرت تاليا بأن كل رغبتها تلاشت في لحظة، وقالت بنبرة خاوية:
“… أريد الصعود إلى سور القلعة.”
عقد الجندي حاجبيه بارتياب ثم تنحى جانبا قليلا.
بما أنه أعلن بنفسه أن لها الحرية في الذهاب إلى أي مكان داخل القلعة، فإنه لم يجد مبررا لمنعها.
نزلت تاليا الدرج مباشرة.
شعرت بالخادمة والجندي يتبعانها بهدوء، لكنها لم تلتفت إليهما وخرجت من القلعة الرئيسية.
طوال عبورها الفناء الواسع، انصبت عليها نظرات القلق من أن تهرب الدوقة.
تجاهلت ذلك وصعدت الدرج الحجري الذي يتطاير عليه المطر، فامتلأ بصرها بالسهول الرمادية المغطاة بستار المطر.
يبدو أن موكب الجنود قد غادر منذ فترة طويلة، إذ لم تلمح أثرا لهم في أي مكان.
اقتربت من السور وظلت تنظر طويلا إلى الحقول التي تعصف بها رياح المطر القوية.
كم استمرت على هذا الحال؟ اقترحت الخادمة التي كانت تقف وتنتظر بصمت قائلة بحذر:
“سموكِ، ستصابين بنزلة برد هكذا. من الأفضل أن ندخل…”
نظرت تاليا لفترة إلى وجه الفتاة الشاحب التي تعرضت للمطر بلا ذنب بسببها، ثم استدارت نحو الدرج.
في تلك اللحظة، سمعت صوت عويل حزين من مكان ما.
التفتت بجفلة.
في البداية ظنت أنها تسمع هلاوس مرة أخرى.
لكنها لم تدرك أنه صوت حقيقي إلا بعد رؤية وجه الخادمة المتفاجئ.
“ما هذا الصوت بحق الخالق؟”
“يبدو أن الصيادين أحضروا صغار وحوش من مكان ما.”
أجاب الجندي ببرود وهو ينظر نحو الحديقة الخلفية.
“لا تهتمي يا سمو الدوقة، ولنذهب من هنا.”
تجاهلت تاليا استعجال الجندي واتجهت نحو مصدر الصوت.
بعد المشي لفترة على طول الممر فوق السور، أصبح صوت العويل الحاد والمليء بالخوف أكثر وضوحا تدريجيا.
لسبب ما، شعرت بضيق في صدرها.
نزلت الدرج المؤدي إلى الحديقة الخلفية وهي تكاد تركض.
بعد قليل، تمكنت من العثور على خمسة أو ستة جنود مسلحين مجتمعين في الحديقة الخلفية المليئة بالأشجار والأعشاب.
توقف أولئك الذين كانوا يلقون بشيء ما في حفرة صغيرة عن عملهم عندما رأوها.
“سمو الدوقة، ما الذي جاء بكِ إلى مثل هذا المكان…”
أحنى أحد الجنود رأسه بسرعة.
تجاوزته تاليا واقتربت من الحفرة.
كان هناك ثلاثة أو أربعة كلاب برية سوداء ملقاة بجثث هامدة في الوحل.
نظرت إليها بتمعن ثم وجهت سؤالا حادا للجندي:
“أنتم، ماذا تفعلون؟”
“كنا نتخلص من جراء ذئاب الداير وولف.”
أجاب الجندي ذو اللحية الكثيفة بنبرة فظة.
“إنها تلك الكائنات اللعينة التي قتلت أكثر من عشرة من خيول الدوقية طوال الشتاء الماضي. يبدو أنها نجحت في التكاثر أخيرا، فقد رأينا جراء ذئاب سمينة تزحف في الغابة. فكرنا في قتلها مباشرة، لكننا أحضرناها لعلنا نحصل منها على أحجار سحرية ولكن…”
أطلق الرجل تنهيدة ثقيلة ورفع جثة ذئب ملقاة على الأرض وألقاها في الحفرة.
“يبدو أنها ما زالت صغيرة جدا، فلم يخرج منها شيء حتى بعد شق بطونها. لذا كنا نقوم بدفنها وحسب.”
مع صوت ارتطام، غاصت جثة الحيوان الصغير في الماء الموحل.
تراجعت تاليا للخلف دون وعي، لكن صوت العويل الذي انقطع لفترة عاد ليسمع مجددا.
أدارت تاليا رأسها بسرعة وفتحت عينيها على وسعهما عندما رأت جنديا يخرج كتلة من الفراء الرمادي من كيس كبير.
ضغط الجندي بسكينه على رقبة الحيوان.
وعند رؤية ذلك المشهد، اندفعت تاليا بجسدها دون تفكير.
صرخ الجندي الذي دُفع كتفه فجأة وسقط على الأرض.
دفعت تاليا الجندي الذي كان ينظر إليها بعينين متفاجئتين، ورفعت الحيوان الرمادي الساقط على الأرض.
عندها، هدأ صوت العويل الحزين وكأنه كذبة.
تفحصت تاليا بعناية الذئب الرمادي المبلل تماما بالمطر.
رأت تحت رموش تشبه الزغب وتلمع ببياض، حدقتين زرقاوين فاتحتين. وعندما عثرت على شظايا فضية بداخلهما، حبست أنفاسها دون وعي.
“لماذا تفعلين ذلك يا سمو الدوقة؟”
سأل الحارس الذي تبعها بنبرة مشوبة بالانزعاج.
أجابته تاليا دون أن تلتفت إليه:
“هذا الصغير، سأربيه أنا.”
شعرت بالضجة بين المحيطين بها.
لا بد أن الجميع يعتقدون أن الدوقة قد فقدت عقلها.
ربما يكون الأمر كذلك.
‘ربما جننتُ أخيرا.’
لكنها لم تهتم.
فتحت معطفها واحتضنت الحيوان الصغير.
لم يرفع الذئب عينيه عنها ولو للحظة واحدة.
وعندما وجدت تاليا شوقا عميقا في تلك الحدقة الشفافة المبللة بالدموع، رسمت ابتسامة حانية على شفتيها.
“من الآن فصاعدا، اسمك هو كان.”
تحركت الأذنان الصغيرتان المغطاتان بالزغب بلطف.
نظرت تاليا إلى ذلك المشهد بعينين تفيضان بالفرح، ودفنت وجهها في الفراء المبلل و تمتمت:
“لنبقَ معا دائما من الآن فصاعدا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.