مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 158نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 158

158

فصل 158

 

 

*******

 

 

كانت الشمس قد غابت بالفعل.

 

كم ساعة مضت منذ غادر حجرة النوم؟

 

نظر إلى السماء الداكنة خارج النافذة ليقدر الوقت ثم أسرع خطواته على طول الممر المضاء بالمشاعل.

 

كان يعلم أنها تعتبره كحارس، لذا حاول أن لا يقلق، لكن أعصابه كانت متوترة كشخص ترك سجينة قد تهرب في أي وقت.

 

اتجه مباشرة إلى الدرج بعد مغادرة الممر.

 

عندئذ، ناداه دارن الذي لحق به وأصدر ضجيجا بخطواته.

 

“سيدي الدوق، أنا أتفهم شعورك بالضيق لكن… هل حقا لا بأس من التحدث بتلك الطريقة مع رسول جلالة الإمبراطور؟ ماذا سيحدث إذا نقل ذلك الرجل كلامك كما هو…”

 

“هل أسأت فهم كلامي؟”

 

أجاب باركاس بجمود وعيناه مثبتتان نحو الأمام.

 

“لا أحتاجه أن ينقل الكلام، فسأقوله أنا بنفسي.”

 

“…لقد قدم جلالة الإمبراطور ذلك العرض لإظهار حسن نيته لك.”

 

توقف باركاس الذي كان ينزل الدرج فجأة والفت إليه.

استمر الرجل في الإقناع.

 

“ألم يكن زواجا فرض عليكم قسرا بسبب ضغط الإمبراطورة منذ البداية؟ ربما كان الإمبراطور يحاول تصحيح الخطأ في هذه الفرصة. فتوقع أنه قد يكون صعبا عليك أن تطلب ذلك أولا وأثار الموضوع من باب الاهتمام…”

 

“اهتمام؟”

 

صعد باركاس درجة واحدة ليوازي نظره مع الرجل وتلفظ ببطء.

 

“هل تظن أن عرض وضع امرأة كادت أن تموت وهي تلد طفلي في دير، هو اهتمام؟”

 

ابتلع الرجل ريقه وهو يشعر بالانزعاج وأدار نظره جانبا.

 

“أنا آسف بشأن هذا الأمر أيضا. لكن…”

 

“إذا كنت آسفا…”

 

أقرب باركاس وجهه من وجه الرجل وهمس بهدوء.

 

“فاصمت. كم فارسا مات في العالم بسبب ثرثرته قبل مالكهم؟ لا تضف اسمك إلى تلك القائمة الطويلة.”

 

“سيدي الدوق.”

 

عاد ليدور لينزل الدرج، لكن الرجل أمسك بكتفه على عجل.

 

حدق فيه باركاس بعينين باردتين. 

 

فانتفض دارن وسحب يده كما لو كان قد وخز بتلك النظرة، ثم أطلق تنهدا متعبا.

 

“تتداول الكلمات السلبية بشأن صاحبة السمو الدوقة بين أعضاء الحاشية. إذا واصلت التعامل مع الأمر كما تفعل الآن، فلن يمضي وقت طويل حتى يطالب اتحاد نبلاء الشرق بما يطالب به جلالة الإمبراطور. هل تنوي شنق جميع أعضاء الحاشية الذين يقدمون نصحا مخلصا حول مستقبل الدوقية؟”

 

لم يجب، فاستمر الرجل في الكلام بلهجة أكثر شدة.

 

“لم يمض على تولي سيادتك المنصب سنة واحدة بعد. هذا هو الوقت الذي يجب عليك فيه إثبات قيادتك بشكل واضح. لا يمكن لحاكم الشرق أن يكون له خادمة لامرأة فاقدة للوعي إلى الأبد…”

 

“دارن.”

 

قاطع باركاس كلام مساعده بصوت لطيف. 

 

شحب خدا الرجل الثرثار بشدة بعد أن رأى شيئا في عينيه.

 

حدق باركاس في وجهه الخالي من الدماء بهدوء واستمر في الكلام برزانة.

 

“لم يمض سوى شهر واحد على وقوع هذه المأساة لزواجنا.”

 

“…”.

 

“لذا توقف عن النحيب كالأطفال. ألا ترى أنني أقوم بكل الأعمال الضرورية كدوق رغم كل هذا بسبب إزعاجكم المتكرر؟ بسبب عدم قدرتكم على المساعدة بأي شيء.”

 

عندما صمت الرجل عاجزا عن إيجاد كلمة للرد، استدار باركاس ببطء.

 

عندما وصل إلى باب حجرة نومه عبر الممر المؤدي إلى القلعة الرئيسية، حياه الجندي الذي يحرس الممر بتوتر ووجه شديد العصبية.

 

تجاوزه باركاس وفتح الباب مباشرة.

 

للحظة واحدة، غطي رأسه بضباب خفيف. 

 

عندما تنفس الهواء الكثيف الذي اختلط فيه دخان باهت وعطر حلو، بدت رؤيته المثقلة بالفعل كأنها غارقة في الماء.

 

بالمناسبة، متى كانت آخر مرة نام فيها؟

 

بدا الأمر وكأنه منذ يومين. حتى ذلك الوقت كان ينام ساعة واحدة فقط. شعر بأن جسده قد يكون على وشك الوصول إلى حده.

 

قام باركاس الذي كان يشخص حالة جسده بتبلد بإغلاق الباب خلفه ودخل الغرفة بعد أن صارت رؤيته أكثر وضوحا.

 

“هل حدث شيء؟”

 

ألقى سؤاله على الخادمة التي كانت تنتظر بجانب المدفأة، فأجابت الفتاة المتجمدة بصوت خفيت.

 

“لا، لم يحدث شيء على الإطلاق.”

 

“والطعام؟”

 

“لقد تناولت وعاء من العصيدة قبل قليل. وبعد ذلك شربت الدواء الذي أعده المعالج وهي نائمة الآن.”

 

اتجه نحو السرير ونظر إلى زوجته المدفونة في اللحاف.

 

كان شعرها الذهبي ملتصقا بوجهها الشاحب وعنقها كشبكة العنكبوت مثل شخص لم ير النور في حياته. 

 

مد يده ليزيله، لكنه أنزل ذراعه مرة أخرى.

 

كانت المرأة التي لا تستطيع النوم بعمق مؤخرا.

 

 وخوفا من أن يزعج نومها، أشار للخادمة بأن تخرج برأسه.

 

 خرجت المرأة التي كانت تراقبه بوجه متوتر من حجرة النوم بحذر.

 

سار باركاس نحو المدفأة ووضع حجرا سحريا فوق اللهب المتوهج. ثم خلع معطفه وألقاه بإهمال، وبينما كان يغسل يديه في حوض الماء، سمع صوتا باهتا كالصدى من خلفه.

 

“إلى متى…”

 

أدار باركاس رأسه فوق كتفه ووجد زوجته تحدق فيه بشرود فقطب حاجبيه.

 

عضت المرأة شفتيها المتقرحتين ثم أطلقت بقية صوتها الجاف كما لو كان يتفتت.

 

“إلى متى ستظل ملتصقا بجانبي؟”

 

احتاج إلى ثوانٍ ليفهم معنى الكلمة.

 

التقط المنشفة وأجاب بهدوء شديد كما لو كان سؤالا عاديا.

 

“حتى تتعافي.”

 

خرج صوت كزفير ريح من فم المرأة التي كانت تحدق فيه بفراغ.

 

“هل تتمنى أن أكون بخير؟”

 

أدرك باركاس السخرية في كلامها فنظر إليها بصمت.

 

 ابتسمت المرأة ابتسامة كئيبة على شفتيها وأرسلت إليه نظرة كقطع الزجاج المكسور. لكن بسبب عينيها المبلولتين بدت فقط فارغة ومثيرة للشفقة.

 

أطلقت المرأة كلمات سامة دون أن تدرك كيف يبدو وجهها.

 

“لكن ماذا أفعل؟ طالما أنت بجانبي، لن أستطيع أبدا أن أكون بخير…”

 

خدش الصوت الشائك شيئا ما داخل جسده. لكن ذلك الشعور اللاذع تشتت كالدخان ولم يصل إلى وعيه المنهك.

 

أغمض باركاس عينيه بثقل وفتحهما وهو يطارد ذلك الشعور الخفيف.

 

لا داعي للاهتمام بالكلام الذي تطلقه بطريقة عشوائية.

 

 هذه المرأة فقط تحتاج إلى متنفس لتفرغ فيه مشاعرها.

 

وهو يردد ذلك في داخله ويستدير ليغير ملابسه كما لو لم يحدث شيء، لفظت شفتاه التي خرجت عن سيطرة عقله سؤالا جافا.

 

“لماذا…”

 

نظرت إليه المرأة بعينين شاردتين. حركت شفتيها دون أن تدرك ماذا تسأل.

 

“لماذا لا يمكنك أن تكوني بخير إذا كنت موجودا؟”

 

لحظة واحدة، بدا وجه المرأة وكأنه نسي ماذا يقول، ثم تشوه بخفوت. 

 

وتبع ذلك صوت نفس مؤلم كما لو كانت تقذف شيئا علق في حلقها.

 

“منظرك يعذبني.”

 

فجأة، توقفت كل الأفكار عن الحركة.

 

بدت عيناها الزرقاوان الداكنتان، التي سيطرت على جزء من وعيه لفترة طويلة، وكأنها تدفعه إلى مكان عميق ومظلم.

 

“لذا لنتوقف الآن.”

 

استمرت في الكلام كما لو كانت تشكو.

 

“أرسلني إلى أي مكان تحب. إلى مكان لا يمكنني رؤيتك فيه. أنا… أريد أن أنسى كل شيء الآن.”

 

جذب ياقة قميصه كرجل مخنوق.

 

 الشفتان التي كانت تتحدث كثيرا دائما بكلمات لا تعنيها. لا تستحق الاهتمام.

 

“لا يمكنك الذهاب إلى أي مكان.”

 

دوى صوت قاس كرياح الشمال داخل الغرفة.

 

رأى وجهها يرتعش بخوف للحظة.

 

 ربما لو كان الأمر عاديا، لفكر في طريقة لتهدئتها.

 

 لكنه لم يشعر بالرغبة في تلطيفها الآن.

 

أرادها أن تخاف. 

 

لتكون بهذه الطريقة غير قادرة على النطق بمثل هذا الطلب مرة أخرى أبدا.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.