مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 159نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 159

159

159

 

********

 

ابتلع شيئا كان يغلي داخل بطنه وتعمد أن يصلح نبرة صوته.

 

“سأعتبر أنني لم أسمع ما قلته الآن.”

 

تلفظ بها بصوت قاس متعمدا واستدار، لكنه سمع صوت حركة خلف ظهره.

 

عاد ليستدير مرة أخرى فرأى المرأة وهي ترفع جزأها العلوي بإرهاق.

 

عندما أنزلت ساقيها خارج السرير، انسدل لحاف السرير ببطء من كتفها النحيل الذي كاد أن يتفتت. بدت أصغر وأكثر شبابا بسبب ثوب النوم الذي وسعت مقاساته ليلائم جسدها الحامل.

 

اقتربت منه وهي تترنح بجسدها النحيل الذي يشبه تمثالا زجاجيا، وأطلقت عليه نظرة شاحبة مريبة.

 

“لماذا؟”

 

قبض باركاس يده في الهواء وهو يمد ذراعه نحو كتفها الذي كان يرتجف بشكل طفيف. خشي أن يكسرها إذا تجرأ ولمسها.

 

“لماذا يجب أن أكون هنا؟”

 

نطقت كما لو كانت تختبر صبره.

 

“لم أعد أريد البقاء هنا. لا أريد أن أكون معك. أنا على وشك الجنون بمجرد رؤية وجهك.”

 

اهتز صوتها بشكل غير مستقر كأنه لحن كمان مشدود إلى أقصى حد. تعلقت أصابعها النحيفة بأطراف ملابسه كما لو كانت تتشبث بها.

 

“لذا أرسلني إلى أي مكان. لا يهم إذا كان القصر الإمبراطوري أو الدير!”

 

لم يدرك أنه كان يقبض على كتفيها النحيلين ويدفعها إلى السرير دون وعي.

 

اندفع النفس الخشن الذي خرج من شفتيها المتشققتين بحرارة على عنقه.

 

 اختفت عيناها الزرقاوان المتسعتا البؤبؤ أمامه مغطاتين بضباب. قال كلمة كلمة بقوة كما لو كان يحشو كلامه في ذلك الثقب الرطب الغارق في الماء.

 

“تكلمي كما يحلو لك. لن يتغير شيء.”

 

شوهت المرأة وجهها كما لو أنها لم تستطع الفهم.

 

لسبب ما، حرك ذلك التعبير أحشاءه أكثر. كان يعرف أنه يجب عليه التحلي بالصبر لكنه لم يستطع السيطرة على نفسه.

 

اندفع الدافع المظلم الذي لم يعلم بوجوده داخله خارجا عبر حجاب عقله الذي صار أرق من الورق.

 

“عليك قضاء حياتك داخل حدودي. هذا هو القدر الذي تقرر في اللحظة التي أقسمت فيها بكونك زوجتي.”

 

شعر بقشعريرة تصعد على جلدها البارد الذي لمسه.

 

 انتشر ضوء خفيف ممتلئ بالارتباك والاستياء والخوف على عينيها.

 

نظر إلى ذلك بصمت وأبعد جسده عنها بقوة وجلس على حافة السرير. 

 

ثم أمسك جبهته التي كانت مشتعلة كالشرر وحاول بجهد أن يستعيد عقله المشتت، لكن المرأة أصرت على غرز سكين في أعماقه المنهكة.

 

“كيف… كيف أنت بخير إلى هذا الحد؟”

 

شد باركاس ظهره بقسوة واستدار إليها ببطء.

 

بدأت المرأة التي كانت تطلق عليه نظرات لوم متواصلة في إطلاق شهقات متفاقمة.

 

“لقد مات طفلنا، كيف يمكنك أن تكون بارد القلب هكذا؟ أنا، أنا أتألم هكذا…”

 

ثم مزقت صدرها كما لو كانت تشعر بألم جسدي حقيقي.

نظر إلى منظرها بشرود وسأل نفسه.

 

‘هل أنا بخير الآن؟’

 

ربما يكون كذلك.

 

لم يستطع التعاطف مع الألم الذي تشعر به هذه المرأة.

 

حتى عندما كان طفلهما الأول لا يستطيع التنفس، لم يستطع أن يرى سوى زوجته وهي تنزف.

 

رفض حتى طلبها بأن تحمل طفلها.

 

 لم يستطع السماح بذلك خوفا من أن تتخلى عن كل شيء إذا رأت الطفل الذي فارق الحياة.

 

اعتقد بصدق أنه لا بأس أن يفقد الطفل طالما كانت هي بأمان. 

 

وحتى الآن، كان يتمنى فقط أن تنسى هذه المرأة طفلها الميت وتتجاوز حزنها بأسرع وقت ممكن.

 

في اللحظة التي كاد أن يعترف فيها بذلك، مهما كانت نظرتها إليه بشعة في تلك اللحظة، لاح وجه صغير مغطى بقماش داخل شبكية عينه كأنه علامة حرق.

 

كان وجها أصغر من راحة يده. وربما كان يشبهه هو وهذه المرأة بالتساوي…

 

تجمد لسانه ولم يعد قادرا على الحركة عندما تذكر ذلك الكيان الصغير الذي دفن دون أن يحتضن مرة واحدة من قبل أمه.

 

تراخت ذراعاه مستسلما للعجز.

 

لم تعد هي تنظر إليه. 

 

حدق بهدوء في المرأة التي ترتجف خفيفا وهي تغطي وجهها بكلتا يديها، ثم نهض ببطء.

 

شعر أنه إذا بقي هناك فلن يملك إلا أن يوافق على أي شيء تطلبه.

 

غادر باركاس حجرة النوم كما لو كان هاربا، وأغلق الباب خلفه واستند بجسده الثقيل كالرصاص.

 

رأى النافذة وهي تصب غروب الشمس في رؤيته التي كانت تنزلق دائما عن التركيز. شعر بأن داخل رأسه يتحول إلى اللون الأحمر بتدريج فأغمض جفنيه المتقشرين كالورق الصنفري بقوة.

 

كانت نهاية يوم طويل وممل بشكل خاص.

 

*    *      * 

 

منذ ذلك اليوم، بدأت تاليا تتصرف معه بقسوة أشد مما كانت عليه.

 

كانت تتمنى أن يضجر منها باركاس وأن يتخلى عنها دون أي شعور بالتأنيب.

 

لقد تم التخلي عنها تماما من قبل الجميع بالفعل.

 

عرض الإمبراطور بكتابة إذن الطلاق يعني أن سينفير قد تخلت عنها أيضا. 

 

كان من الواضح أنها تخلت عن آخر ذرة من أملها فيها بسبب فقدانها للطفل.

 

شعرت بألم خفيف عندما علمت بتلك الحقيقة لأول مرة لكن الصدمة لم تكن كبيرة كما توقعت. 

 

لم تعد تبالي بأمها الآن.

 

لم تعد تاليا تفكر في العيش. 

 

لم يعد يهمها كثيرا لو قتلت على يد غاريس مباشرة.

 

 لقد أرادت فقط أن تبتعد عن هذا الرجل الآن.

 

نظرت إلى باركاس بعينين متألمتين.

 

 كان يغير ملابسه التي تلطخت بوسخ وعاء العصيدة الذي ألقته عليه.

 

شعرت بالاختناق من هدوئه الذي يوحي بأن شيئا لم يحدث.

 

 كان صبره مريعا. 

 

وكانت هي التي تصبح وحشا خارجا عن السيطرة أمامه أكثر رعبا.

 

تمتمت بصوت متعب.

 

“ألم يحن الوقت لتشعر بالملل؟”

 

أدار باركاس رأسه نحوها وهو ينزل سترته الزرقاء الداكنة.

 

لم يمكن قراءة أي عواطف على وجهه الذي غشاه إرهاق خفيف. حدق بها الرجل بوضوح بعينين كأنهما مغطاتان بطبقة غير شفافة، ثم شمر كميه وأطلق صوته المميز الخالي من تعابير العلو والهبوط.

 

“أنت أيضا، ألم يحن الوقت لتشعري بالملل من عبوسك الطفولي؟”

 

أطلقت تاليا ضحكة جوفاء.

 

شعرت بالاستسلام لأن تصرفاتها التي كانت تكرهها هي نفسها لم تكن بالنسبة إليه سوى عبوس.

 

“على أي حال، لا يرحب بي معظم الخدم كدوقة. سيكون الجميع سعداء إذا اختفيت.”

 

“منذ متى وأنت تهتمين بسعادة الآخرين؟”

 

أطلق باركاس ضحكة باهتة وأعاد الطعام الذي أعده الخدم مجددا إلى السرير.

 

نظرت إليه تاليا بعينين واهنتين. 

 

كانت قد أحدثت فوضى ثلاث مرات اليوم فلم يعد لديها القوة لقلب الوعاء مرة أخرى.

 

“هل يجب علي أن أطعمك بيدي؟”

 

بدفع من صوته الذي دوى بلطف عند رأس السرير، التقطت الملعقة في النهاية.

 

عندما وضعت بعضا من الطعام في فمها، رأت على وجهه راحة خفيفة. 

 

أدارت عينيها عن ذلك عمدا، لكنها شعرت بوجود شخص خارج الباب.

 

“سيدي الدوق، لقد جاء ضيوف من العاصمة. يجب عليك الخروج للقائهم.”

 

كان صوت مدير شؤون المنزل.

 

قبضت تاليا على الملعقة ونظرت إليه. قطب باركاس حاجبيه ونظر خارج النافذة ثم التقط معطفه في النهاية.

“سآتي حالا.”

 

بعد ذلك رن الجرس واستدعى الخدم وطلب منهم عدم إبعاد أعينهم عنها للحظة واحدة ثم غادر الغرفة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.