الفصل 155
155
155
**********
ابتلعت تيوران ريقها الجاف بصعوبة.
‘يا إلهي… هل يُعقل أنه لم ينم ولو للحظة منذ اليوم الذي فقدت فيه الدوقة وعيها؟’
سكبت الماء في الحوض، ثم اختلست النظر إليه بطرف عينها قبل أن تهز رأسها سريعًا وكأنها ترفض الفكرة.
لا يمكن لإنسانٍ عادي أن يبقى مستيقظًا كل هذا الوقت ويظل واقفًا بهذه الصلابة. لا بد أنه كان يتناوب مع ماريسن على رعايتها، وربما فقط لم تلاحظ أوقات نومه.
“أعطيني المنشفة.”
قطع صوته أفكارها فجأة.
ارتبكت تيوران قليلًا قبل أن تبلل منشفة نظيفة بالماء البارد وتعصرها جيدًا، ثم وضعتها فوق يده الممتدة.
أخذها منها فورًا وبدأ يمسح جبين زوجته بحذر شديد، وكأنه يلمس قطعة زجاج قابلة للتحطم.
وفي الحقيقة… كانت تاليا تبدو كذلك فعلًا.
جسدٌ شاحب ومرهق، ساكن كالجثة، وكأنه قد يتفتت لو لمسه أحد بقوة أكبر قليلًا.
ربما لهذا السبب لم يستطع رفع عينيه عنها.
ترددت تيوران للحظة قبل أن تتمتم بخفوت:
“صاحبة السمو تتحسن تدريجيًا… لم تعد في خطر الآن، لذا يمكنكم أن تتركوا أمر العناية بها لنا.”
“يبدو أن دارين بدأ يتذمر حتى أمام الخدم.”
خرج صوته باردًا وحادًا كالسيف، فصمتت تيوران فورًا.
واصل كلامه بهدوء بينما كان يمرر الجانب البارد من المنشفة على عنق تاليا المبتل بالعرق:
“إذا سألكِ، فأخبريه أن الدوق يقول التالي.”
توقف للحظة، ثم أضاف ببطء قاتل:
“لماذا يأكل الفاشلون الذين لا يستطيعون تحمّل غيابي بضعة أيام فقط من طعام بيتي؟”
رغم أن الكلمات لم تكن موجهة إليها، إلا أن قشعريرة باردة سرت في عمود تيوران الفقري.
أشار برأسه دون أن ينظر إليها.
“أنتِ تعيقينني. اخرجي الآن.”
“… سأبقى في الغرفة المجاورة. نادوني إن احتجتم شيئًا.”
تراجعت للخلف بهدوء، وخلال ذلك لم تتحرك عينا الرجل عن وجه زوجته ولو للحظة.
كان ضوء المساء الباهت المتسلل من النافذة ينعكس فوق ملامحه الشاحبة، فيجعله يبدو وحيدًا بصورة مؤلمة… وكأن تلك الهيبة القاسية التي تشبه الصقيع لم تكن سوى قناع.
وفي تلك اللحظة فقط، شعرت تيوران أن هذا الرجل هو من يحتاج للبقاء بجانب تاليا، لا العكس.
تأملت وجهه الغارق بالإرهاق للحظات، ثم خرجت بصمت وأغلقت الباب خلفها.
***********
مرّ الوقت بلا رحمة.
بدأت جراح تاليا تلتئم شيئًا فشيئًا. الألم النابض في بطنها، ذلك الألم الذي كان يهمس لها باستمرار: لا تنسي ما فقدته، أصبح أخف تدريجيًا.
وتوقف النزيف أخيرًا بعد أيام قصيرة.
ظلّ الألم في خصرها وحوضها قائمًا، لكنه لم يعد يُقارن بآلام الحمل والولادة.
حتى الخدر الدائم في ساقيها بدأ يخف، وصار بإمكانها التحرك بسهولة أكبر بعدما أصبح جسدها أخف.
لكن ذلك كله… جعلها أكثر بؤسًا.
كان من الصعب عليها تقبّل أن جسدها يعود ببطء إلى حالته السابقة، وكأن الطفل الذي حملته لم يوجد يومًا.
عقلها ما زال عالقًا في تلك الليلة، بينما جسدها يصرّ بعناد على العودة للحياة.
وأحيانًا كانت تضحك بخفة من شدة الدوار والعبث.
لم تفهم أبدًا لماذا يقلق الجميع على صحتها.
فجسدها بدا وكأنه يرفض الموت بعناد، رغم كل ما مرّ به. حتى بعد أن فقدت طفلها وسط ألمٍ مزّق أحشاءها، وحتى بعد أن تحطمت ساقاها، ظلّ هذا الجسد متمسكًا بالحياة كأنه يرفض الانهيار.
ولهذا شعرت بالكراهية تجاهه.
“إذًا… فقط اتركوني وشأني.”
قالتها وهي تنظر باشمئزاز إلى وعاء العصيدة الذي مدّه إليها.
في البداية كانت ترفض الطعام بالصمت فقط. لكن بعدما أصرّ مرارًا، قلبت الوعاء ذات مرة.
ومع ذلك… لم يغضب.
أمر بإعداد طعام جديد، ثم عاد يحاول إطعامها بالطريقة المعتادة بينهما.
لكن شيئًا كان مختلفًا هذه المرة.
لم تعد هناك حرارة أو رغبة أو حتى عناد. فقط شعور بواجبٍ بارد… كطائرٍ أمّ يطعم صغيره المريض لأنه مضطر لذلك.
وللمفارقة، كان هذا أكثر ما آلمها.
شعرت وكأن تغيّره يخبرها بوضوح أنها فشلت كامرأة.
وذلك الألم جعلها أكثر جنونًا، لأنها رغم كل شيء ما زالت تتأذى بسببه.
دفعت يده بعيدًا بعنفٍ ضعيف، ثم التقطت الملعقة بنفسها.
أكلت الطعام وشربت الدواء وكأنها تبتلع رغبتها في الموت.
ومنذ ذلك اليوم توقفت عن مقاومته.
كانت تأكل بصمت وتتجنب النظر إليه، بينما يراقبها بهدوء يشبه الحراسة.
وبعد أن أنهت الطعام بصعوبة، أعطاها الدواء، ثم استلقى بجانبها كأن الأمر طبيعي.
كان يفعل ذلك كل ليلة… حتى يمنعها من الزحف خارج السرير والذهاب إلى القبر.
تحملت ذراعه الملتفة حولها بصمت، رغم أنها شعرت بها كقيدٍ ثقيل.
ثم همست فجأة:
“… أشعل بخور النوم.”
سحب الغطاء فوق كتفيها ونظر إليها بصمت غامض.
ولأنه لم يتحرك، بللت شفتيها الجافتين وأضافت:
“لا أستطيع النوم بعمق… أحتاجه.”
ظلّ يحدق فيها طويلًا دون أن يقول شيئًا، قبل أن ينهض أخيرًا.
تبعته بعينيها للحظة، ثم حولت نظرها نحو النافذة.
كانت السماء القرمزية تغرق تدريجيًا في ظلامٍ كثيف، كما لو أن الدم نفسه يبتلعه الليل.
أغمضت تاليا عينيها بينما بدأت رائحة الدخان القوية تملأ الغرفة.
شعرت به يعود إلى السرير، ثم يجذبها إلى صدره ويلف رأسها بحذر بين ذراعيه.
وحين بدأت حواسها تخفت، لم تعد تلك اللمسات مؤلمة كما كانت.
غفت أخيرًا بإرادتها.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
استيقظت بينما كانت النافذة مصبوغة بزرقة داكنة، والضوء الأحمر الخافت للفجر يلامس جدران القلعة.
نهضت مترنحة وحدقت طويلًا في السماء خارج النافذة.
وفجأة أدركت ما الذي أيقظها.
كان هناك صوت بكاء خافت… ممتزج بصوت الرياح.
أطلقت ضحكة باهتة.
لقد اعتادت هذه الهلوسة خلال الأيام الماضية، لكن رغم ذلك كان قلبها يتمزق كل مرة تسمعها.
غطّت أذنيها بسرعة، لكن صوت البكاء ازداد قوة داخل رأسها.
وبدأ يبدو لها وكأنه يلومها.
هل يبكي هكذا كل ليلة لأنه يكرهها؟
لأنها لم تستطع أن تلده حيًا؟
كانت تلك الفكرة وحدها كافية لدفعها إلى الجنون.
نهضت بسرعة متجهة نحو الباب، لكنها توقفت حين شعرت بذراعٍ تحيط خصرها.
استدارت ببطء.
كان باركاس نائمًا.
دفن وجهه في الوسادة بينما بقيت ذراعه ملتفة حولها حتى أثناء نومه.
حدقت فيه بذهول.
بدا نومه عميقًا وغريبًا لدرجة جعلتها تتساءل للحظة إن كان قد مات.
أليس هو الرجل الذي كان يستيقظ فور تحركها قليلًا؟
صحيح أن ذراعه ما زالت قوية كالقيد، لكن وعيه بدا منقطعًا تمامًا.
‘… هل هذا بسبب بخور النوم؟’
ظهرت الفكرة ببطء وسط عقلها الضبابي.
فهو عادة لا يتأثر به كثيرًا.
ربما… كان مرهقًا جدًا من مراقبتها.
ظلت تحدق في وجهه طويلًا، حتى في ضعفه بدا متيقظًا بطريقةٍ ما، وكأنه يخشى أن يتركها وحدها ولو أثناء نومه.
ثم، وكأن شيئًا يسحبها نحوه، رفعت يدها ببطء نحو خصلات شعره التي كانت تلامس جفنيه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.