مساحة للحكاية، ووقت لك← الحقول المنسية
الفصل 154نحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 154

154

154

 

********

 

كان المطر يهطل فوق ذلك الخراب بلا رحمة.

 

انزلقت القطرات فوق رموشه البنية الرمادية، ثم عبرت خديه الشاحبين واستقرت على طول فكه الحاد. 

 

بدا وكأنه يبكي، لكن وجهه المتجمد لم يُظهر شيئًا يمكن قراءته. 

 

لم يكن فيه سوى ظلٍ خاوٍ ومتهالك يختبئ بصمت.

 

أرخى ذراعيه ببطء، كأن حتى حمل مياه المطر أصبح مرهقًا له. 

 

خرجت من بين شفتيه تنهيدة ثقيلة وهو يحاول عبثًا تنظيم أنفاسه المضطربة.

 

“هيا… لنعد.”

 

لكن تاليا لم تجبه.

 

اكتفت بالنظر إليه بعينين فارغتين، وعندها بدأ ذلك القناع الهادئ فوق وجهه يتشقق شيئًا فشيئًا، كتمثالٍ من الشمع بدأ يذوب.

 

“أنتِ… لا يجب أن تبقي هكذا. لقد…”

 

توقفت كلماته مرارًا، وكأن أفكاره نفسها لم تعد قادرة على السير باستقامة.

 

“نزفتِ كثيرًا… وإذا برد جسدكِ أكثر…”

 

ابتلع المطر بقية صوته.

 

اقترب منها ببطء شديد، بحذر رجل يقترب من حيوان جريح يخشى أن يهرب أو ينكسر. 

 

ثم جثا أمامها على ركبة واحدة.

 

احتوت يداه الكبيرتان المتورمتان من البرد يدها المغطاة بالطين، فشعرت أخيرًا بدفءٍ باهت يتسلل إلى جلدها المتجمد. 

 

أمسك بها بكلتا يديه بحذر، ومسح الطين عنها، ثم قرّب أصابعها المرتعشة إلى عنقه الدافئ.

 

حينها فقط تذكرت.

 

تذكرت اليوم الذي فعل فيه الشيء نفسه لطائرٍ صغير سقط في الوحل.

 

وفجأة عاد البكاء الذي هدأ للحظات.

 

“هيا… لنذهب.”

 

لفّ ذراعه حول ظهرها النحيل فوق ثوب النوم الرقيق، لكنها التوت مبتعدة محاولة دفعه بعيدًا.

 

كانت خائفة منه.

 

خائفة من الرجل القادر على رفعها إلى السماء بمجرد أن يمد يده… ثم تركها تسقط من ذلك العلو.

 

استاءت منه لأنه جعلها تأمل.

 

فلو بقيت دائمًا في القاع، لما عرفت ألم السقوط.

 

كانت تعلم أن اتهامها ظالم، لكنها رغم ذلك أرادت أن تؤذيه بالكلمات.

 

لماذا لم تتركني أتعفن في ذلك الوحل يوم وجدتنِي؟

 

لماذا لم تتركني في ظلال القصر الإمبراطوري؟

 

لماذا جعلتني أحلم بالسعادة؟

 

“لا أريد هذا بعد الآن… اتركني وشأني!”

 

ارتجف جسدها بعنف، فاحتضنها بقوة ليمنعها من الانهيار أو الهرب.

 

انفجرت بالبكاء وسط عجزٍ مرير، بينما انغرست يده الدافئة في شعرها المبتل وأحاطت بعنقها البارد كالجليد.

 

ثم سقط صوته فوقها ثقيلًا وخشنًا كالمعدن:

 

“علينا أن نعود الآن.”

 

أدركت أنه سيأخذها بالقوة إن اضطر، فالتفتت بعينيها نحو القبر الصغير.

 

تراءى لها شكل طفل يرتجف وحيدًا تحت التراب البارد.

 

عاد صوت بكاء المولود يمتزج مع صوت المطر، حتى شعرت أنها تختنق. كانت تتمنى الموت فقط لأنها عاجزة عن حمله وتهدئته.

 

مدّت يدها نحو القبر وهي تلهث بعنف، ثم تراخت أطرافها أخيرًا.

 

غرق العالم كله بالمطر والدموع.

 

‘ليتني أغرق معه.’

 

همست بين شهقاتها بينما بدأت رؤيتها تتلاشى تدريجيًا.

 

“أرجوك… دعني أنام هكذا إلى الأبد. أريد فقط أن أهرب من هذا الواقع المؤلم…”

 

*********

 

بينما كانت تيوران تصعد الدرج وهي تحمل قربة ماء بارد، لمحَت دارين درو شييركان واقفًا في أحد أركان الممر، فتوقفت فورًا.

 

كان الرجل يرتدي سترة رسمية مزخرفة فوق درعه الثقيل، وكأنه متجه إلى مناسبة نبيلة لا إلى قصر غارق بالمآتم. كان يتحدث مع مساعد شاب، لكنه التفت إليها بمجرد أن لمحها عند الدرج وألقى تحية مقتضبة.

 

“عملٌ شاق.”

 

أخفضت تيوران رأسها بتوتر.

 

“هل هناك أمر ما؟”

 

“لا شيء مهم. جئت فقط للاطمئنان على حالة الدوقة.”

 

أشار بعينيه نحو باب غرفة النوم القريب.

 

وضعت تيوران قربة الماء على الأرض، ثم بللت شفتيها الجافتين قبل أن تختار كلماتها بحذر.

 

“انخفضت حرارتها بصعوبة ظهر اليوم… وهي نائمة الآن بعد تناول الدواء.”

 

“إذًا تجاوزت مرحلة الخطر؟”

 

رفعت تيوران نظرها إليه بحذر.

 

كانت تعرف جيدًا أن بعض أفراد القصر بدأوا يتهامسون حول قدرة الدوقة على الإنجاب، ومع أن تلك الأحاديث أثارت اشمئزازها، إلا أنها أرادت حماية تاليا من مزيد من الأذى.

 

لذلك أجابت بنبرة دفاعية:

 

“لحسن الحظ، تتحسن صاحبة السمو تدريجيًا. ستحتاج فقط إلى بضعة أشهر حتى تستعيد عافيتها بالكامل.”

 

انعقد حاجبا الرجل بضيق.

 

“كل هذا الوقت؟”

 

كادت تيوران تعبس بدورها.

 

هل يظن الولادة أمرًا بسيطًا؟

 

حتى وإن كانت الولادة مبكرة، فقد كان الطفل كبيرًا بالنسبة لشهره، كما أن جسد الدوقة لم يكن قادرًا على تحمّل ذلك بسهولة. والأسوأ أن النزيف كاد يودي بحياتها.

 

كان طبيعيًا أن يستغرق شفاؤها وقتًا طويلًا.

 

لكن بدل أن تشرح كل ذلك، قالت ببرود واضح:

 

“هذا هو الوقت الطبيعي للتعافي. أجساد النساء أكثر هشاشة من أجساد الرجال بطبيعتها.”

 

عاد الرجل يسأل بنبرة متعالية قليلًا:

 

“على أي حال… لم تعد في خطر الآن، صحيح؟”

 

ترددت تيوران للحظة ثم أومأت.

 

وعندها تنفس الرجل براحة واضحة.

 

“إذًا لم يعد هناك داعٍ لبقاء السيد الدوق بجانبها طوال الوقت.”

 

فهمت تيوران أخيرًا سبب مجيئهم، فعقدت حاجبيها.

 

“شفاء الجسد لا يعني شفاء القلب. لقد فقدت صاحبة السمو طفلها… وهي بحاجة إلى زوجها الآن.”

 

اختفت التعابير من وجه الرجل للحظة.

 

توتر جسد تيوران فورًا، فهي تعرف جيدًا كيف يمكن للنبلاء أن يصبحوا قساة مع من هم أدنى منهم.

 

لكن الرجل قال أخيرًا بصوت هادئ:

 

“قد لا تدركين حجم الواجب الذي يحمله النبلاء. باركاس لايدغو شييرخان ليس مجرد زوج… بل حاكم مسؤول عن ملايين البشر في الشرق.”

 

صمت لحظة ثم أكمل:

 

“بقراره تتحرك الجيوش ويجتمع اللوردات. وإذا أهمل واجبه، فسيبدأ الجميع بالتساؤل: لماذا نخدمه أصلًا؟”

 

أطرقت تيوران دون أن تجد ردًا.

 

أما هو فأضاف بهدوء:

 

“أنا فقط أحمي سلطة سيدي الدوق. لذا أخبريه أن الدوقة بخير الآن… ولم يعد هناك ما يدعو للقلق.”

 

“… أفهم.”

 

انحنت باحترام، فتراجع الرجل أخيرًا وابتعد نحو طرف الممر.

 

حملت تيوران قربة الماء من جديد واتجهت نحو غرفة النوم بحذر، بينما استمر الرجلان بالحديث خلفها.

 

وعندما فتحت الباب بهدوء كي لا تزعج نوم الدوقة، تجمدت في مكانها.

 

كان الدوق جالسًا عند رأس السرير.

 

جلس مائلًا بإرهاق، يرتدي سترة واسعة بإهمال، بينما كان شعره المبعثر ممسوحًا إلى الخلف. وللمرة الأولى بدا صغير السن بشكلٍ صادم.

 

حينها فقط تذكرت تيوران أنه لم يتجاوز الرابعة والعشرين بعد.

 

“لماذا تقفين هناك؟ أحضري الماء.”

 

قالها بهدوء دون أن يرفع نظره.

 

اقتربت بتردد، بينما كان هو يمرر أصابعه بحذر فوق جبين زوجته النائمة، وكأنه يخشى أن تختفي إذا لمسها بقوة.

 

ألقت تيوران نظرة خاطفة عليه، وفجأة أدركت أن وجهه كان شاحبًا بقدر شحوب الدوقة نفسها.

 

ثم خطرت لها فكرة غريبة.

 

خلال اليومين الماضيين، كانت تدخل الغرفة وتخرج منها باستمرار للعناية بتاليا… لكنها لم تتذكر أنها رأت هذا الرجل ينام ولو لمرة واحدة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.